محمد عفيفي .. فيلسوف الحرافيش الساخر!

20/12/2015 - 10:32:34

شلة الحرافيش شلة الحرافيش

محمد رضوان

تمر  في الخامس من ديسمبر الجاري الذكرى الرابعة والثلاثون للأديب الساخر وفيلسوف شلة الحرافيش محمد عفيفي (1922 - 1981) بعد أن أثرى المكتبة العربية بأدبه وفلسفته الساخرة التي تناول فيها كل شئون الحياة وشجونها.


ومن المصادفات الغريبة أن يكون رحيله في نفس شهر ذكرى مولد صديقه زعيم شلة الحرافيش الأديب الكبير نجيب محفوظ والذي ارتبطت صداقتهما بذكريات باسمة كانت البلسم الذي يخفف عنهما هجير الحياة وقسوة الواقع.


ولكن من هو محمد عفيفي؟


ولد محمد حسين عفيفي في 25 فبراير 1922 في قرية الزوامل بمحافظة الشرقية بمصر، وبعد أن أنهى دراسته الثانوية التحق بكلية الحقوق وحصل منها على الليسانس عام 1943 لكن الصحافة كانت حبه وعشقه فبدأ يكتب في الصحف والمجلات المصرية وأراد استكمال عدته في عالم الصحافة فحصل على دبلوم الصحافة  عام 1947.


وفي يوم احتفاله ببلوغه الثامنة والعشرين من عمره في 25 فبراير 1950 تزوج من السيدة اعتدال الصافي، ورزق الزوجان بثلاثة أبناء: عادل (طبيب) نبيل (مهندس) علاء (محام).


اختار محمد عفيفي الأسلوب الساخر الذي يلخص فلسفته في الحياة والحب والحزن والسياسة والذي أكد فيه تمرسه بالحياة وخوضه تجاربها بما فيها من فرح وألم وسعادة وشقاء!


وقد استطاع أن يفلسف لنا الحياة فغاص في أعماق نفسه وتأمل ذاته وخرج لنا بفلسفته الساخرة العميقة التي جمعت بين التأمل في النفس الإنسانية والقراءة في الآداب والفنون العربية والأجنبية، فجاءت مزيجا من التأمل والفلسفة والحكمة والأدب الساخر العميق الذي لم يتأت لكثير من الأدباء العرب حتى أطلق عليه بعض النقاد “موليير مصر”، لكونه قد مزج سخريته بشيء من الفلسفة العميقة، ولم يجعل سخريته مجرد وسيلة عابرة للضحك والفكاهة والتندر.


وبدأ محمد عفيفي حياته الصحفية بكتابة المقالات فكان يحرر في مجلة آخر ساعة بابا تحت عنوان “ابتسم من فضلك” ولكنه لم ينس موهبته القصصية، فأصدر مجموعته القصصية الأولى “أنوار” سنة 1946 التي قدم لها بكلمة عن الأساليب الأدبية ولغة الكتابة الصحفية انحاز  فيها إلى العامية وهاجم فيها الأساليب الأدبية الشائعة وقتذاك وأطلق عليها “البهلوانية البلاغية” لما فيها من عبث  في استخدام الألفاظ لكن محمد عفيفي غير رأيه فيما بعد وأصبح من الأدباء المجيدين الذين يستخدمون اللغة الفصحى مع تطعيمها  ببعض الكلمات والتعبيرات العامية مما أكسبها جمالاً وعذوبة خاصة أن أدبه الساخر كان يحتاج لمثل هذه التوابل الحلمنتيشية ليعطيه مذاقا فكاهياً طريفاً.


عمل محمد عفيفي بمؤسسة أخبار اليوم في صحفها ومجلاتها مثل الأخبار وأخبار اليوم ومجلة آخر ساعة لكنه انتقل للعمل بمؤسسة دار الهلال سنة 1964 ليكتب في مجلاتها لكن علي أمين استعاده مرة أخرى لأخبار اليوم في السبعينيات وأذكر أنني عندما التحقت بمجلة الهلال في مارس 1973 التقيت محمد عفيفي في أغسطس 1973 وكان يراجع بنفسه كتابه “فانتازيا فرعونية” الذي صدر في شهر سبتمبر فى سلسلة كتاب الهلال حيث أصدر بعدها “سكة سفر” و"تائه في لندن" ثم صدرت له في سلسلة روايات الهلال "بنت اسمها مرمر" و"التفاحة والجمجمة" و"ترانيم في ظل تمارا".


ومن كان يرى محمد عفيفي في جلسته الهادئة ووداعته وصمته الطويل لا يصدق أن مثل هذا الإنسان الهادئ الجاد يمكن أن يقدم لنا كل هذه السخرية العميقة وكل هذا الأدب الرائع والذي تمثل في مؤلفاته “ابتسم من فضلك - ابتسم للدنيا - ضحكات عابسة - ضحكات صارخة - للكبار فقط” غير ما تضمنته أعماله القصصية والروائية من معابثات ومفارقات ضاحكة طريفة.


وكان بجانب مقالاته وكتاباته الساخرة يملك موهبة قصصية وروائية متميزة مثل روايته “التفاحة والجمجمة” الذي اختار لها مسرحا مختلفا يتمثل في جزيرة مهجورة لجأ إليها خمسة أفراد بعد أن غرقت السفينة التي كانوا يستقلونها في البحر وهو عالم خيالي ساحر مجهول يذكرنا بأجواء ألف ليلة وليلة ابتكره محمد عفيفي ليقدم لنا من خلاله الحكمة المصفاة والفلسفة الساخرة ومفارقات الحياة وصراعاتها.


كما قدم لنا "بنت اسمها مرمر" وكانت آخر أعماله رواية “ترانيم فى ظل تمارا” التى نشرت بعد رحيله وقد احتوت على تأملاته فى الحياة والموت والوجود فى أسلوب ساخر فيه السخرية المريرة اللماحة، ومفارقات الحياة وهو جالس وحيداً متوحداً متأملاً تحت ظلال شجرة تمارا فى حديقة بيته الهادئ.


شلة الحرافيش


كان محمد عفيفى من أبرز أعضاء شلة الحرافيش التى كانت تضم نجيب محفوظ وبهجت عثمان فنان الكاريكاتير والفنان أحمد مظهر والمخرج توفيق صالح والروائى عادل كامل وكانت الشلة تجتمع فى منزل محمد عفيفى بشارع الهرم مساء كل خميس لكن انتقل اللقاء فيما بعد إلى مكان آخر.


وقد أتاح له ذلك الاقتراب من نجيب محفوظ وهو الذى أطلق عليه لقب “الرجل الساعة” الذى تضبط ساعتك على مواعيده وجدوله اليومى الصارم.


وقد استوحى محمد عفيفى الكثير من اللمحات والنظرات من وحى صحبته لزعيم الحرافيش “نجيب محفوظ” ومن ذلك مقاله “دفاع عن نفسى” الذى كتبه فى عدد 21 سبتمبر 1965 من مجلة الكواكب يقول فيه: “يتهمنى الكثيرون، وقد تكون أنت واحداً منهم” أننى أحد أبطال رواية “الشحاذ” لنجيب محفوظ المدعو مصطفى والموصوف بالأصلع الصغير، وهم يقيمون هذا الاتهام على أساس صفة يرون أنها مشتركة بينى وبين المذكور وهى إيمانه الشديد بالعلم إلى درجة كفره بالأدب والفن واعتقاده أن الكاتب العاقل يجب أن يترك الأعمال الأدبية الجادة إلى الأعمال الترفيهية، وذلك على حد تعبير المؤلف يبيع اللب والفشار فى الإذاعة والتليفزيون، وأنا أحب أن أدرأ هذه التهمة عنى، أو لعلك تفضل أن أقول أدرؤها عن نجيب محفوظ.. أول كل شىء أنني لست أصلع بل إن شعرى أكثف من اللازم بكثير، أما عن اللب والفشار فأنا أعترف بأننى فى بعض الأحيان أبيع اللب فى الإذاعة، وفى بعض الأحيان أبيع الفشار فى التليفزيون لكن ليس هذا كفراً منى بالأدب، إنما ألجأ إلى تلك التجارة طلباً لما تدخله إلى جيبى من الفلوس، إذ أننى- إن كنت لا تعلم- أعول بالإضافة إلى نفسى زوجة وثلاثة أولاد وقطة وكلبة وثمانية سلندر، جدير بالرجل فى مثل هذه المواقف أن يلجأ فى بعض الأحيان إلى بيع اللب والفشار، أحسن بكثير من بيع الجاكتة والبنطلون!


لكننى لا أشعر وأنا أقوم بهذه العملية بأى نوع من الفخار، إنما أشعر بأننى قد تحولت إلى بهلوان أو بيلياتشو، ومن المستبعد أن يكون البيلياتشو سعيداً حتى بالرغم من الابتسامة العريضة المرسومة على وجهه بالطباشير.


الداهية أننى أبيع اللب والفشار فى المجلات أيضاً، وهذا يرجع إلى نفس الأسباب الاقتصادية السالف ذكرها، لكننى أعتقد أنك تعترف معى بأننى فى بعض الأحيان أغشك وأقدم لك غلافاً يشبه غلاف الفشار وفى داخله شىء آخر.. ألم تلاحظ فى بعض الأحيان أن طعمه متغير شوية؟


خلاصة القول أننى مضطر إلى بيع اللب والفشار، موش واخدها عياقة.. أى أننى لا أقول بأن الكاتب يجب عليه فى عصر العلم أن يتحول إلى الأعمال الترفيهية بل أقول إنه يؤسفنى اضطرار الكاتب إلى هذا التحول خاصة فى عصر العلم، فى هذا العصر كان من اللازم اختراع آلات إلكترونية تتولى اختراع النكت التى تضحك الناس وتسليهم، وذلك لكى يتفرغ الكاتب للكتابة الجدية الدسمة".


كان محمد عفيفى صاحب قدرة كبيرة على النفاذ إلى مواطن الحقيقة وبواطن النفس الإنسانية وقد وصفه البعض بأنه كان فناناً موهوباً وأديباً رائعاً، كان فناناً فيما يكتب وفى فهمه للناس والحياة وامتاز بسخريته النافذة التى مثلت كل براعته الفنية، وكانت مأساة هذا الفنان الساخر ضعف أعصابه، ولهذا فرض على نفسه العزلة، فكنت تراه بين الناس صامتاً قليل الكلام، غارقاً فى التأمل، حسبه أنه ينحت ويسمع ويرى و هو بهذه العزلة، هيأ لنفسه مكاناً خاصاً فى البيت يلتقى فيه بشلة الحرافيش كل أسبوع.


ولم يترك محمد عفيفى شيئا تحت مجهر رؤيته الساخرة النافذة، حتى بيته وأسرته، ومن ذلك قوله بمقالة تحت عنوان “أسرتى وأنا” التى نشرها فى مجلة الإذاعة فى 15 أبريل 1967 قال فيها:


"رأيت هنا وهناك أسرات كثيرة، صغيرة وكبيرة، غنية وفقيرة، وبالمقارنة بينها وبين أسرتى أعتقد أنه ليس من حقي أن أشكو. حقا إنها - أسرتى -لاتخلو من عيوبها الخاصة، ولكن  من شاف أسرة غيره - على رأى المثل- هانت عليه أسرته!


نحن خمسة أنفار فحسب، اللهم إلا إذا كنت تريد أن تحسب القطة بوسى. وفى حدود خمسة أمزجة فى البيت أمكننا أن نحقق قدرا من الاستقرار لا بأس به بالنسبة للبيت المصرى، وأن نكون دائماً فى حالة تعايش سلمى حتى إذا اجتمعنا على المائدة حول فرخة واحدة، وحتى إذا كانت سادستنا على تلك المائدة بوسى. بحكم الزمن أدركت المذكورة أنها يجب أن تنتظر حتى يقدم لها الطعام، وعندى أمل كبير فى أن يتعلم الولد الصغير منها!


أحيانا نختلف بالطبع فأين هى الأسرة التى لا تختلف ؟ لكنه فى الغالب خلاف بسيط وحول مسألة تافهة، مثل من الذى يأكل تلك القطعة المتبقية من صدر الفرخة ذلك الخلاف الذى أعمد إلى حله بسرعة بأن آكلها أنا وكذلك قد نختلف حول فسحة يوم الجمعة، هل نذهب إلى حديقة الحيوان لنرى الدبة والفيل أو إلى السينما لنرى نادية لطفى ومحمود مرسى، وهو الخلاف الذى قد أحله أنا بعمل قرعة،أو تحله سيارتى “فورد 51 ونبيتى كمان” بأن ترفض القيام فنبقى فى البيت لنلعب الشايب.


وفى البيت تتردد أنغام بيتهوفن وتشايكو فسكى، من البيك آب الذى اشتريته بالتقسيط المريح لولدى الأكبر "عادل"  صحيح أنه يتعبنى - القسط لا الولد - عندما أدفعه أول كل شهر، لكن موسيقى بيتهوفن تجعلنى أبتلعه بسهولة،خاصة وأن ولدى هو الذى يديرها، فهناك من الشباب فى سنه “16سنة” من لم يسمعوا عن بيتهوفن أصلاً ومنهم من سمعوا عنه ويظنون أنه مدينة للاستشفاء فى سويسرا، غير الذين يعرفون أنه موسيقى ولكنهم يفضلون الخنافس بل إن منهم كما يشاع من يفضلون شريفة فاضل، ولذلك فأنا لا أملك سوى أن أفخر بذوق ولدى ويزيد من فخرى به ما لمسته فيه من قدرة فذة على توصيل النور عند انقطاعه، وعلى إصلاح مختلف الأجهزة التالفة وخاصة تلك التى يكون قد أتلفها بمعرفته.. أضف إلى ذلك براعته فى التصوير الفوتوغرافى، والدليل على ذلك هذه الصور المنشورة لأفراد الأسرة، باستثناء صورته هو طبعا لاشك أنه مصور ماهر ذلك الذى نجح فى تصويرى كما ترانى والبحر ورائى والأسرة أمامى، ونجح فى تسجيل ذلك التصبير المرتسم على وجهى وأنا أفكر فيما يبدو فى نفقات المصيف.


فإذا ما كان بعد ظهر الجمعة سكت بيتهوفن لكى يلعلع فى التليفزيون صوت الكابتن لطيف، فى مباريات الكرة التى يؤسفنى أن أولادى يتابعونها مثل أولاد سائر الناس، وجميع أولادى أهلاوية لسبب لا أدريه، والولد الصغير يؤكد أن بوسى هى الأخرى أهلاوية.. ولذلك فإن أصواتهم تزداد فرحة كلما ازداد صوت الكابتن لطيف حسرة، لأنه كما يقولون لى زملكاوى.. وأنا لا أستطيع بالطبع أن أقاوم فيهم تلك النزعة الكروية المضحكة، اشمعنى هم اللى ح يبقوا عاقلين؟ والولد الأوسط - نبيل - هو أكثر الجميع تعصباً للأهلى، مع أنه فى حياته العادية عاقل جداً.. بل إنه يبدو من أمره أنه سيطلع ابن نكتة بدليل أنه رآنى ذات ليلة صيف أجلس فى ضوء القمر فقال لي:


- عارف يا بابا ليه بتحب القمر؟


- ليه؟


- عشان بتشتغل فى “دار  الهلال”! ومع ذلك فهو أهلاوى متعصب، وهذا شأنه الخاص، كل ما أخشاه أن يسألوه فى امتحان آخر السنة عمن بنى الهرم الأكبر فيقول صالح سليم! أو يسألوه عن السبب فى طردنا لفاروق من مصر فيقول إن ذلك لأنه كان من أنصار وستهام!


ومع موسيقى بيتهوفن وصوت الكابتن لطيف توجد خلفية مستمرة من صوت الولد الصغير علاء، إذ أنه أحد أولئك القلائل الذين يفكرون بلسانهم.. لسانه حنفية مفتوحة تنساب منها كل خاطرة تمر بذهنه حتى ولو كانت خاطرة شخصية محضة.. أحياناً يخطر له أنه جدع فيقول أنا جدع، بدون أن يكون قد شرب أى شيء غير اللبن، ولكى تكون أوقع يعمد إلى تلحينها وترديدها بالغناء، وفى الغناء يدق بحذائه على الأرض ضبطاً للإيقاع.. ولكن هذا أرحم من عادته السابقة فى ابتلاع كل شىء يصادفه صلباً كان أو سائلاً.. مرة بلع زلطة ومرة تجرع زجاجة ترامايسين، دعك من القروش العديدة التى أودعها فى بطنه كأنها حصالة.. لم يكف عن هذه العادة الذميمة إلا بعد أن صرت أخصم كل قرش يبتلعه من مصروفه.


أولئك هم أولادى، فلا يبقى من الأسرة إلا السيدة التى عاونتنى فى إيجادهم، والتى أحب أن أنتهز هذه الفرصة لتسجيل فضلها علي، بالوقوف بجانبى فى مواجهة كافة الشدائد التى ما كانت لتوجد - سامحها الله - بدونها!".


أيام العزلة والوداع


اختار الكاتب الساخر عزلته الهادئة فى منزله يتأمل الحياة ويتناول أعماقها بأسلوبه الساخر الطريف لكن المرض القاتل يهاجمه فقاومه بالانكباب على كتابة آخر رواية له “ترانيم فى ظل تمارا”عكس فيه عالم محمد عفيفى الذى عاش فيه،عالم البساطة والصفاء والجمال والصدق كتبه فى حديقة بيته تحت شجرته المفضلة التى سماها “تمارا” كتبه وهو يتأمل ما حوله بعين الفنان، وعين الشاعر، وعين الفيلسوف الساخر.


محمد عفيفى فى هذا الكتاب نرى من خلال نافذته السحرية المفتوحة كل الأشياء تكتسى بشفافية تبوح لنا وتظهر بواطنها وأسرارها.


وذكر صديقه الأديب الكبير نجيب محفوظ: أن محمد عفيفى كتب “ترانيم فى ظل تمارا” وهو ينتظر الموت بعد أن أخبره الأطباء بقرب نهايته.. فجاء الكتاب عبارة عن تأملات شاعرية وصوفية سجلها بسخريته النافذة وأسلوبه الرائع فبلغت كتاباته الذروة فى الاستشفاف بالروحانية وعمق النظرة المطلقة للحياة والكون وقد اعتبر نجيب محفوظ أن كتابه الأخير يعد ديواناً شعرياً جميلاً.


وصيته


وفى أيامه الأخيرة كتب محمد عفيفى وصيته للقارئ فماذا قال فيها بعد أن زهد حتى فى الكلام، ووصلت به حالة الانطواء إلى الزهد فى الدنيا كلها:


“عزيزى القارئ: يؤسفنى أن أخطرك بشىء قد يحزنك بعض الشىء وذلك بأننى قد توفيت، وأنا طبعاً لا أكتب هذه الكلمة بعد الوفاة(دى صعبة شوية) وإنما أكتبها قبل ذلك، وأوصيت بأن تنشر بعد وفاتى، وذلك لاعتقادى بأن الموت شىء خاص لا يستدعى إزعاج الآخرين بإرسال التلغرافات والتزاحم حول مسجد عمر مكرم حيث تقام عادة ليالى العزاء.وإذا أحزنتك هذه الكلمات، فلا مانع من أن تحزن بعض الشىء ولكن أرجو ألا تحزن كثيراً.”


بعد هذه الوصية الساخرة المرة ودع محمد عفيفى الحياة فى 5 ديسمبر 1981 بعد صراع طويل مع المرض لمدة عامين بعد عمر لم يتجاوز الستين عاماً عاش فيها متأملاً للحياة مفلسفاً لها بحلوها ومرها بسخريته الهادئة العميقة التى أودعها خلاصة تأملاته ونظراته فى الحياة والكون والوجود.


وقد نشرت أسرته كتابه الأخير “ترانيم فى ظل تمارا” بعد وفاته ليكون كلمته الأخيرة قبل الرحيل!


رحل الساخر الكبير، الذى كان يبدو لنا كأنه جاد متجهم، صامت، لكنه كان ساخراً عميقاً يذكرنا بالأديب إبراهيم عبد القادر المازنى كلاهما كان مثقفاً عميقاً، يمزج بعض العامية فى كتاباته الأدبية، وكلاهما كان يتناول كل شىء فى الحياة بنظرته الساخرة العميقة حتى نفسه وأسرته، وكم وجدنا فى لوحات محمد عفيفى الساخرة بعضا من روح المازنى وسخريته المرة وخفة ظله، هكذا كان محمد عفيفى كاتباً ساخراً لاذعاً، أودع كتاباته ما يعتمل فى نفسه من مشاعر وأحاسيس وأفكار حول الحياة والناس والكون، ترك لنا ثروة ثمينة من الصور الفكاهية والأقوال الساخرة اللاذعة التى أصبحت نموذجاً رائعاً للأدب الساخر الرفيع الذى يثير الابتسامة والفكر والتأمل دون أن يجرح أو يصيب فى مقتل.


رحل فيلسوف شلة الحرافيش الساخر، وزعيم فلسفة الفكاهة الراقية النظيفة، وبقى لنا أدبه الإنسانى الرفيع لذلك ندعو إلى إعادة نشر أعماله الأدبية الكاملة حتى يتاح لنقاد الأدب دراسته وتحليله والتعريف به، كواحد من الأدباء المظلومين الذين جمعوا بين الأدب والصحافة!