فؤاد زكريا .. بين التفكير العلمي والتفكير السياسي

20/12/2015 - 10:31:40

فؤاد زكريا فؤاد زكريا

أحمد بوقري - كاتب من السعودية

 لم يبرح أستاذ الفلسفة فؤاد زكريا (ديسمبر 1927 ـ مارس 2010) حاضرا في المشهد الثقافي العربي كلما تجدد الحديث عن الإسلام السياسي وتجدد الحديث عن نهوضٍ جديد لواقعنا العربي المتأزم، وكأنه مازال يدق لنا أجراس الخطر من عليائه منذ أن كتب عن (الحقيقة والوهم في الصحوة الإسلامية) ولم ننتبه عميقا لما نبهنا إليه في حينها،  وها نحن ربما نستعيده في ميزان العقل علنا نفيق قليلا وننصت إلى موسيقاه الفكرية العميقة التي تضاهي ما كان يستمع إليه في هدأته من كلاسيكيات الإبداع الموسيقى العالمية التي غرم بها ومزجها بفكره الإنساني العميق.


    وكان رحيله في انحناءة شامخة، وهدوءٍ شديد أكثر عمقا ورقيا من موسيقاه الكلاسيكية التي رافقته في رحلة الحياة والفكر، مستمعا لها ومتذوقا، ودارسا، منذ البدء حتى المنتهى. رحل مفكرا منتجا للمعنى الفلسفي مموسقا في لغته الباذخة المنيرة، ولا شك أن امتعاضة يائسة لاحت على محياه وهو يغمض عينيه الإغماضة الأخيرة آسفا على ما آل إليه واقعنا العربي، وما آل إليه العقل العربي الذي ازداد تأزما وتعقدا، وما انتهت إليه العقلانية النقدية التي تبخرت في زماننا العربي البائس، حيث ما زالت الخرافة والجهل والإرهاب والاستبداد المطلق.


    رحل فؤاد زكريا صاحب كتاب "التفكير العلمي"، الذي أحدث ضجة في صف الفلسفة عندما كتب مؤلفا كاملا واستثنائيا معرفا بالفيلسوف الهولندي "اسبينوزا" فنال عليه جائزة الدولة التشجيعية في مصر منتصف الستينيات، فكان أصغر من ينالها من أقرانه. وهو الذي كتب أيضا كتابا فريدا عن "نيتشه" ولم يكن يتجاوز الثلاثين.


    رحل قبل أن يشهد ثورة ٢٥ يناير ٢٠١١ وليته كان حاضرا ليرى ما هجس به وتنبأ وهو الذي أحدث هزات فكرية في الحياة الثقافية العربية، كانت ضرورية وملحة في وقتها عندما أخذ يعيد التأمل ويسلط ضوء العقل فيما سمي بالصحوة الإسلامية، بما رافقتها من زفة أوهام وشعاراتٍ صارخة في الثمانينيات، فشارك في سجالات ومناقشات جادة لا تنسى مع بعض أقطابها ورموزها فوازنها فكريا وحلل بنيتها الفكرية الهشة وأسباب انبثاقاتها ومرامي طموحاتها السياسية المستترة والمعلنة، فتوصل بالحجة والدقة العلمية إلى مواطن الخلل والزلل الفكري والاجتماعي والسياسي. كم نبه له وحذر منه في مشهدنا الثقافي والشعبي العربي وواقعنا الذي اختطف من قبل هذه "الصحوة" وقواها "الساحرة" وما زال منقادا لادعاءاتها وطروحاتها الشكلية المخدرة، وهو في الحقيقة ما اكتشفناه في السنوات الأخيرة فشهدنا "الصحوة" فكرا ورموزا عاريةً من أقنعتها ومفصحةً عن خوائها الفكري، وعدائها للتاريخ والإنسان، ونزوعها نحو العنف والإرهاب، فتيقنا كم كانت نظرة هذا المفكر الفيلسوف نحو الواقع العربي ومستقبله صائبة ودقيقة. بل نظرة كهذه ونظرات مفكرين تنويريين آخرين معروفين لم تخب لا في توقعاتها واستنتاجاتها.


    وضع مؤلفه الأشهر "التفكير العلمي" باكرا، وأصبح هذا الكتاب الأكثر شعبية وتداولا كما أصبح مرجعا لا غنى عنه للباحثين وطلاب الفلسفة والمشتغلين في دوائر البحث والتخطيط العلمي والتنموي.


    فؤاد زكريا كمستشرف للمستقبل لم يكتف بالتجريدات والتنظيرات الفلسفية بل كان منغمسا في تحليل المشهد الاجتماعي، وذهب بعيدا في تحليل ظاهراته السياسية والدينية وهو بذلك كان متسقا أشد الاتساق مع رؤيته العقلانية النقدية، ونزيها بأكثر ما تكون النزاهة الفكرية والأخلاقية في تدقيقاته ورؤيته التحليلية المعمقة فقد طبق بامتياز سمات وأساليب التفكير العلمي في نظرته النقدية وتفكيره السياسي بأفق مستقبلي.


    فعند تحليله لأية ظاهرة فكرية أو اجتماعية، كان أول ما يذهب إليه هو معرفة الأسباب محيطا بالظاهرة من حيث صفاتها ومنظومتها وما قد تنطوي عليه من آلية ونظام معرفي، فيقوده هذا إلى معرفة البعد التاريخي ومستوى التراكمية والطريقة التي تطورت بها الظاهرة منذ انبثاقاتها الأولى حتى نضوجها كظاهرة ساطعة ومؤثرة. وهو في نهاية المطاف لا يغفل شمولية المعرفة للظاهرة "ظاهرة الصحوة الإسلامية ـ نموذجا" وما تطرحه في منحنياتها من يقينيات مؤسسة أو زائلة بكثيرٍ من الدقة والتجريد الفلسفيين.


    كيف طبق فؤاد زكريا سمات وأساليب هذا التفكير العلمي على ظاهرتين اثنتين من الظواهر السياسية كما سطعتا ردحا من الزمن وانمحتا في المشهد العربي والكوني؟


    هما هنا ظاهرة التجربة الناصرية التي وجه انتقاداته لها عبر انتقاداته الرصينة لكتاب محمد حسنين هيكل "خريف الغضب"  في كتابه النقيض "كم عمر الغضب؟"، وظاهرة التجربة الاشتراكية بما لاحقتها من انكساراتٍ وانهياراتٍ في نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات وذلك في كراسه المكثف "مقامرة التاريخ الكبرى ـ على ماذا يراهن جورباتشوف؟" الذي مازال يكتسب راهنية فكرية وحيوية في تفسير مجريات سياسية راهنة وتداعيات تاريخية منظورة.


    والأكثر إثارة في مواقفه الفكرية رؤيته الانتقادية شديدة الذكاء والشجاعة التي كونها حول "الظاهرة" الصدامية الدكتاتورية وانتقاداته الحارقة للمثقفين والكتاب و"المفكرين" النجوم الذين حاموا حول الظاهرة / الطاغية، والقائد الضرورة، ومنحوها شرعية لا تستحقها، وكذبوا وأسهموا في نشر "مرض اسمه الطاعة" فالتفوا حول أوهامها ملتمسين منها حقائق تاريخية مريضة وبطولاتٍ زائفة، كما سمعنا ورأينا إبان غزو صدام حسين للكويت عام 1990، وما آلت إليه الظاهرة السياسية ورديفتها الفكرية من انهيارٍ وانمحاء في بداية العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.


    في كتابه "مقامرة التاريخ الكبرى" يتمثل منهجه في التفكير العلمي تمثلا خلاقا وهو يضع مبضعه الفكري ومعاييره العلمية الدقيقة على جسد التجربة السياسية الاشتراكية المتداعية، فيأخذ في تشريحها جزءا جزءا، ويتلمس تأثيرات الخارج والداخل وهو يحاول استقصاء الأسباب المنظورة وغير المنظورة التي أدت إلى فشل التجربة وما تركته وتتركه تداعيات هذا الفشل التاريخي الدراماتيكي على مستقبلها ومستقبل صورتها النظرية في الزمن المنظور القادم.


    فبنفس هذه الروح العلمية الدقيقة وبوضوح النظرة النقدية العقلانية والخوض التحليلي الجذري إلى ما وراء هذه الظاهرة سبر زكريا التجربة السوفييتية / الأم وهي في طور تجددها اليائسة على يد جورباتشوف ومن ثم انهيارها.  فتوصل إلى تكوين صورة الراهن بخلفية لوحته التاريخية وصورة المستقبل بخيوطه المتشابكة بل صورة المستقبل النقيض المتوقعة بدلالاتها الماثلة.


    ويذهب مباشرة إلى "معرفة الأسباب"، أسباب الانهيار الكبير كما حدث في بدايات التسعينيات. ومن تلك الأسباب القاتلة يقبض بتفكيره العقلاني والسياسي على مسألة سباق التسلح التي خاضها الاتحاد السوفييتي القديم مجبرا مع المعسكر الغربي الرأسمالي فكان هذا السباق كالبذرة الأولى التي تضخمت مع مرور الوقت فتحولت إلى جرثومة فناء تاريخي أودت بكيانٍ كبير كالاتحاد السوفييتي ومعسكره الأوروبي إلى الترهل البنيوي فالتعب التاريخي، ومن ثم الانهيار التام.


    لم يلتفت زكريا للأفكار الرائجة والكيدية والشامتة التي بثها الغرب من خلال ماكينته الإعلامية الخارقة ودوائره الفكرية، بل استخدم مخيلته وعقلانيته النقدية وطرائق تفكيره العلمي الفلسفي ونظرته المستقبلية فابتعد عن أصواتها العالية التي اصطخبت ليلا ونهارا ووجدت قبولا عند بعض المتشدقين في منطقتنا العربية، تلك الأفكار التي أرجعت أسباب الانهيار إلى فساد النظرية بالمطلق وتفتقت قرائح مروجيها عن فكرة نهاية التاريخ الشهيرة، كما تبناها فوكوياما الباحث الاستراتيجي في المخابرات الأمريكية. تلك الأطروحة المتآكلة التي رأت في الليبرالية الغربية نهاية لأفق تقدم البشرية كان واضحا أنها لم تلتفت إلى تجربة الصين التي كانت بمنأى عن سباق التسلح فادخرت كل طاقاتها الطبيعية والبشرية، وزاوجت بين النظريتين بأسلوب إداري أكثر مرونة وبراجماتية، وأسست كيانها الاقتصادي العملاق والمنافس الآخذ في القطبية شيئا فشيئا.


    لم يلتفت فؤاد زكريا إلى هذه الضجة الفكرية الدعائية فركز على قضية التسلح وسباقه التي احتدمت بين المعسكرين خلال الحرب الباردة التي استمرت عقب الحرب العالمية الثانية حتى منتصف الثمانينيات تقريبا. ذلك السباق الذي فرض بذكاء غربي على المعسكر الاشتراكي ودخله طائعا بدعاوى استمرار السلام الدولي، ولكنه كان سلاما دوليا مضطربا ومستندا على سياسة توازن الرعب المتبادلة، هذا السلام لم يكن في حقيقته إلا تأجيلا للحظة الصدام المريعة فيما لو حانت، غير أن الانهيار الدراماتيكي للاتحاد السوفييتي بددها تماما.


    ويذهب زكريا في تحليله إلى الأعمق فيذكر أن الفكرة الاقتصادية للاشتراكية لم تكن فاسدة بالمطلق بل كانت خاضعة للتجربة والخطأ والمراجعة شأن كل الأفكار الإنسانية الكبرى كما ابتدأت وكما انتهت، غير أن الخلل في التطبيق والأجواء السياسية والسياقات الدولية التي وضعت فيها، لم تخدم كلها في تعميقها وإنجاحها في تحقيق التنمية الحقيقية للإنسان، فبدلا من بذل إمكانات الدولة ومقدراتها من أجل إسعاد مواطنيها وإشباع حاجاتهم رأينا العكس تماما، فبذل هذا المواطن في المعسكر الاشتراكي المغلوب على أمره من قوت يومه وعرقه وجهده من أجل استمرار حلم طبقة سياسية في استمرار وتيرة هذا السباق المجنون وأيدولوجيته الحمقاء من أجل هدفٍ وحيد هو المحافظة على كينونة دولة ونظامها السياسي الشمولي في مواجهة نظام سياسي نقيض بطريقة "أكون أو لا أكون" الشمشونية. وذهب ضحية لهذه السياسة قصيرة النظر والمدمرة ملايين البشر وتم تدمير مستقبلهم.


    لم يكتف زكريا في تحليله الناصع لهذا الانهيار بمعاينة السبب الرئيس، بل التفت إلى معاينة الأسباب الداخلية التي يوليها مسؤولية تاريخية لا تقل أهمية عن مسألة سباق التسلح المفروضة من خارجه. فهو يرى أن للانهيار الدراماتيكي أسبابه الداخلية أيضا والتي أسهمت في ضعضعة التجربة من داخل بنيتها. فالنظرية ذاتها بها الكثير من الثغرات كما أن التطبيق كان متعسفا وفوقيا. وكان الواقع يخضع لمقولات النظرية الثابتة لا العكس، حيث كان المفترض أن تخضع النظرية للواقع ومتغيراته ولحظات انعطافاته التاريخية. فظاهرة التكاسل والتباطؤ الإنتاجي للفرد داخل بلدان المعسكر الاشتراكي السابق لم يكن في الحقيقة إلا مقاومة صامتة للنظام القمعي والاستبدادي الذي وسم نظام الحكم الأوحد والمركزية الشديدة للسلطة وقضت على مبادرات الفرد الحرة وإبداعاته وابتكاراته، وسرطان البيروقراطية المترهلة ولد خميرة سخط متجددة بين الناس. كل هذه العوامل وغيرها قاد التجربة تطبيقيا إلى حتفها.