الترجمة كإبداع مواز للأدب

20/12/2015 - 10:30:41

شكسبير شكسبير

د. عارف كرخي أبوخضيري - كاتب مصري، أستاذ بجامعة السلطان الشريف علي في بروناي

        بين الأدب والترجمة الأدبية علاقة وثيقة متبادلة؛ فالأدب يؤثر في الترجمة، كما تؤثر الترجمة في الأدب. ويتبدى أثر الأدب في الترجمة في مساهمة الأدباء في نقل الآثار الأدبية الأجنبية إلى لغتهم، وفي صياغة المصطلحات وتأليف المعاجم، ووضع نظريات الترجمة، وطرقها، وفي إسهامهم في نقد الترجمات وتوجيهها.


        أما أثر الترجمة في الأدب فهو أوسع وأعمق؛ إذ يمتد إلى العمل الأدبي، وصاحبه، وفي الإبداع الأدبي، وفي اللغة المترجم إليها، وآدابها. بيد أننا سوف نركز على جوانب ثلاثة: الترجمات الأدبية أعمال إبداعية، والآداب ترجمات في الأصل، ودور الترجمة في ذيوع الأعمال الأدبية.


أولا: الترجمات الأدبية أعمال إبداعية


    ليست الترجمة عملا ميكانيكيا حرفيا كعمل الناسخ الذي يلتزم في عمله المطابقة للأصل، بل هي عمل إبداعي يقوم به مترجم كاتب ذو أسلوب في لغته، يفيض على الأصل الذي ينقله من روحه ما يجعله آية من آيات الإبداع الذي يتسم بالجمال والتأثير، تماما  كالعمل الأدبي في لغته الأصلية. وهذا ما نجده في ترجمة جيرار دي نرفال لمسرحية فاوست، وترجمة فيتزجيرالد للرباعيات، وترجمة المنفلوطي لرواية "تحت ظلال الزيزفون".


    عمل المترجم من جنس عمل الأديب، والجهد الذي يبذله المترجم في ترجمته لا يقل عن جهد الأديب، بل إن عمل الأول أشق من عمل الثاني؛ "فالمترجم كاتب عمله صوغ الأفكار في كلمات موجّهة إلى القارئ. والفارق بينه وبين الكاتب الأصيل هو أن الأفكار التي يصوغها ليست أفكاره، بل أفكار سواه". (محمد عناني: "فن الترجمة").


         والمترجمون الموهوبون يحتشدون لترجمة الأعمال الأدبية؛ فقد أمضى أنطوان جالان أربع عشرة سنة في ترجمة ألف ليلة وليلة إلى لغته الفرنسية، وأنفق سليم البستاني عشرين عاما في تعريب الإلياذة، وقضى جبرا إبراهيم جبرا عشرين عاما في ترجمة هاملت، وكرّس حسن عثمان خمسة وثلاثين عاما في ترجمة الكوميديا الإلهية. وقد بذلوا جميعهم في أثناء ترجماتهم جهوداً ضخمة قاسوا فيها ألوانا من المشقة والعناء.


        والترجمة في جوهرها إبداع، إلا أنه إبداع مسبوق بإبداع آخر، وهو العمل الأدبي الذي اختاره المترجم، وعمد إلى نقله إلى لغته. ومما يدل على الإبداع في الترجمة أن ترجمات الأعمال الأدبية الكبرى تختلف من مترجم إلى مترجم كما نرى في ترجمات مسرحيات شكسبير وأشعار طاغور ورباعيات الخيام في اللغة العربية.


    بيد أن درجة الإبداع في الترجمة تختلف من ترجمة لأخرى. فحين نطالع أبيات جميل التالية:


ألا ليت ريعـان الشبـاب جــديـد


ودهــرا تولى يا بثيــن يعود


فنبقــى كما كنا نكون وأنتم


قريب وإذ مـا تبذليــن زهيد


وهل ألقيــن فرداً بثينة مرة


تجــود لنا  من ودّها ونجود


منها علقت الهوى فيها وليداً فلم يزل


إلى اليـوم ينمـي حبّها ويـزيـد


وأفنيـت عمري بانتظاري وعدهـا


وأبليت فيها الدهر وهـو جديـد


فلا أنـا مردود بما جئت طالبــاً


ولا حبّهـا فيما يبيد يبيــد.


    ثم نطالع ترجمة رينولد نيكلسون التالية لها :


                Oh, that youth’s flower anew might lift its head


                And return to us, Buthaina, the time that fled !


                And oh, might we bide again as we used to be


                When thy folk dwelt nigh grudged what thou gavest me !


                Shall I ever meet Buthaina alone again,


                Each of us full of love as a cloud of rain ?


                Fast in her net was I when a lad, and till


                This day my love is growing and waxing still.


                I have spent my lifetime waiting for her to speak,


                And the bloom of youth is faded from off my cheek ;


                But I will not suffer that she my suit deny,


                My love remains undying, tho’ all things die.


                          (Reynold Nicholson, 1921, P.  24)


    بمقارنة الترجمة والقصيدة العربية، نلمس في الترجمة قدرا من الإبداع يظهر في إعادة ترتيب المترجم الشاعر للأبيات، وفي تنويعه لقوافيها.


     ولذا فإن عمل المترجم لا يقل عن عمل المؤلف، فلا يصح الحط من قدر الترجمة، والتهوين من مكانة المترجم، فيقال: أين ابن المقفع من بيدبا الفيلسوف؟ أو بودلير من إدجار ألن بو؟ أو المنفلوطي من الفونس كار. فهؤلاء المترجمون لا يقلون في مكانتهم الأدبية، أو أعمالهم الإبداعية عن الأدباء الذين نقل المترجمون أعمالهم إلى لغاتهم،  وحققوا لها في أوطانهم كل هذه الشهرة والذيوع والانتشار.


        ولا ينبغي أن تقتصر الصلة بين الترجمة والأدب عند مقارنة الترجمة بالأصل، كما يجدر أن تقارن ترجمات العمل الأدبي في اللغة الواحدة، ثم تقارن ترجماته في اللغات المختلفة، وتبرز مميزات كل ترجمة منها. ولعل هذه الدراسات تؤدي إلى نشوء علم جديد هو "علم الترجمة المقارن".


ثانيا: الآداب ترجمات في الأصل


        للترجمات الأدبية آثار ضخمة على الآداب العالمية؛ فقد كانت "كليلة ودمنة" المصدر الذي نقلت عنه هذه الحكايات الهندية القديمة إلى اللغات العالمية المختلفة، وتعدّ من عيون الآثار الأدبية العربية، كما أدت إلى إدخال فن الخرافات الشعرية في الأدب الفرنسي، وعدت "رباعيات عمر الخيام" التي ترجمها فيتزجيرالد من الفارسية جزءا من الأدب الإنجليزي، وأدخلت فيه هذا الجنس الشعري، ووضعت "جننجالي" في مصاف الأعمال الشعرية العظيمة، وهي ترجمة نقلها صاحبها طاغور من البنجالية إلى الإنجليزية، ومنح لأجلها جائزة نوبل للآداب.


ثالثا: دور الترجمة في ذيوع الأعمال الأدبية


        تستلزم سيرورة العمل الأدبي وجود عناصر أساسية في العمل الأدبي نفسه، كأن يدور حول فكرة إنسانية تتخطى الحدود المحلية. كما لا بد أن تؤدى هذه الفكرة في أسلوب فني بسيط لا يستعصى على الترجمة.


        وهناك عامل آخر في العمل الأدبي يساعد على انتشاره وهو اللغة. وعلى سبيل المثال، فإن استخدام توفيق الحكيم لغة ثالثة (بين الفصحى والدارجة) ساعدعلى كثرة ترجمات مسرحياته إلى اللغات الأجنبية.


        وهناك وسائل أخرى خارج العمل الأدبي تعين على سيرورته، كالكتابة عنه في الصحافة، والحديث عنه في الإذاعة والندوات التليفزيونية، وكتابة المقالات في الصحف والمجلات. وهناك وسيلة أخرى مهمة وهي السينما كأن يتحول العمل الأدبي إلى فيلم يذيعه في القراء وفي غير القراء من الجماهير العريضة. وهناك عامل آخر لا يستهان به وهو طبع العمل الأدبي وتسويقه.


        ولا شك أن لترجمة عمل من الأعمال الأدبية العظيمة آثارا عديدة، أولها أثرها في العمل الأدبي نفسه، وفي صاحبه؛ إذ يوسع من انتشاره،  كما يجعل صاحبه معروفا في البلد أو البلاد التي ينقل إليها، وهناك أمثلة كثيرة لذلك؛ من أشهرها كليلة ودمنة، ورباعيات الخيام، وقصص إدجار ألن بو. أما الأثر الثاني فيظهر في اللغة المنقول إليها؛ إذ يثريها، ويخصب ثقافتها، كما يدخل أنواعا أدبية وأساليب فنية جديدة في آداب اللغة المنقول إليها.


        وثالث هذه الآثار دفع المترجمين إلى الإبداع؛ إذ دفعت ترجمة المنفلوطي للقصص الفرنسية القصيرة إلى تأليف قصص أخرى كقصة "اليتيم" التي ضمنها كتابه "العبرات".


        ورابع هذه الآثار إدخال مصطلحات أدبية ونقدية جديدة.


        وخامس هذه الآثار تأثير ترجمة العمل الأدبي في مؤلفه، وهو ما حدث في ترجمة رواية "حكاية زهرة" لحنان الشيخ مثلا. فالنص الإنجليزي المنشور يختلف عن النص الأصلي بحذف مقاطع طويلة تصف العادات والتقاليد الاجتماعية اللبنانية. وقد دفعت هذه الترجمة المؤلفة إلى إعادة كتابة النص الأصلي حسب التغييرات الموجودة في النص المترجم. (روجر آلن: الترجمة وتفاعل الثقافات،  ص355-356).


  خاتمة


        مما سبق يتبيّن لنا أن ثمة علاقة جوهرية وثيقة بين الأدب والترجمة؛ فالأدب مادة الترجمة الأدبية التي تتركز مهمتها في نقل النصوص الأدبية من لغتها الأصلية إلى لغة أو لغات أخرى. وفضلا عن ذلك، فإن بين الأدب والترجمة تأثيراً متبادلاً، كما يتبين أيضاً أن تطور الترجمة مرتبط بتطور الأدب، والنهوض بمستوى الترجمات الأدبية له صلة بالكتِّاب والشعراء. فعلى الأدباء أن يسهموا في ترجمة الأعمال الأدبية إلى لغاتهم كما صنع الأدباء السابقون، لا بوصفها عملا مكمّلاً لإبداعهم فحسب، بل بوصفها عملا من الأعمال الأدبية الرفيعة التي تعدّ جزءا مهماً في آدابهم يساعد على إثرائها وترقيتها.