الـسيرة الـنـبويـة بـين توفيق الحكيم ورجائي عطية

20/12/2015 - 10:28:01

توفيق الحكيم توفيق الحكيم

د . أحمد الـسيد عوضين - كاتب مصرى

    ما أحسبه إلا كان مندفعاً اندفاعاً تلقائياً ، بحكم أحاسيسه ، وطباعه ، وتكوينه العلمي والنفسي والديني إلى كتابة السيرة النبوية الشريفة رغم وجود العديد من كتب تلك السيرة الكريمة والتي تجد عند كل من يعشقها جديداً يضيفه إليها ، وهكذا مضى الأستاذ رجائي عطية في «رحاب التنزيل»يستعيد وقائع وأحداث السيرة العطرة. 


    وما أحسب أن دافع الكاتب إلى إيثار السيرة النبوية إلا ما ينطوي عليه من صدق إيمان ، وسلامة عقيدة ، مع حب متأصل في أعماق النفس لمحمد عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام.


    وقد اختار الكاتب لعرضه للسيرة منهاجاً جديداً ، وأسلوباً متفرداً ، وقد وصف هذا المنهاج في مطلع حديثه الفياض بقوله :


« بذلت قصارى مستطاعي لاستحضار صور الأحداث كما جرت في زمانها ، وبلسان وعبارات أصحابها ، مقرونة بما كان يتنزل تباعاً من الذكر الحكيم على صفيّ السماء ، والمبعوث رحمةً وهدايةً للعالمين . عنيت قصداً أن تتوارى ذاتي ، وأن أترك المشاهد تتحدث بنفسها ، وتكشف للمتلقي مكنونها ومعالمها ونبضها .. ».


    وقد أخرج السيرة الكريمة في مشاهد متتالية، وقرن كل حدث أو مشهد ، بما تنزل بشأنه من قرآن كريم ، وما اتصل به من آي الذكر الحكيم ، يجري ذلك كله في تسلسل تاريخي موثق ،  كما هو ثابت في كتب أسباب النزول والتفاسير المعتمدة وكتب صحاح السنة.


    ومع اطمئنانه إلى دقة مراجعه ، واكتمال أدواته ـ مضى يروي السيرة النبوية رواية متصلة الأحداث، فالنبي يتحدث ، والصحابة يستمعون ، وأهل قريش يجادلون والمؤمنون المصدقون يتزايدون عدداً. كل ذلك نراه رأي العين ، ونسمعه على لسان المسلمين المخلصين ، كما نسمعه من القرشيين المتعنتين .. في حوار متصل ، ومشاهد متتالية دون تدخل من المؤلف تنقل الواقع إلى القارئ ـ أو قل تنقل القارئ إلى ذلك الزمان الجميل الذي انتصر فيه الحق على الباطل.


    والكاتب في هذا يختلف عن رواة السيرة ، فهو يقف عند ذكر «أبعاد الموقف» وبيان «زمانه ومكانه» وإيراد ما دار فيه من «حوار» وما وقع فيه من «أحداث» ، وإثبات ما أسفر عنه ذلك من «نتائج وآثار» فالكاتب يدع الحديث لأهله ، مكتفياً بتسجيل ما دار بينهم من حوارات ، وما تتابع من أحداث ، وما جرى من وقائع ، حرص رواة «السيرة» على تسجيلها بلفظها ونصها بل وبما امتزج بها من مشاعر وانفعالات.


    وكان الوحي ينزل على محمد على غير موعد ليسجّل حدثاً وقع ، أو ليأتي بتشريع يُتبع ، أو ليبصر المؤمنين بحقائق دينهم ، وسنة حياتهم ، فيبادر محمد إلى ترديد ما تلقَّى من وحي على مسامع صحابته من جماعة المسلمين ليعيدوا ترديده فيما بينهم ، ليصل في ذات الوقت إلى غير المسلمين .. وبالطبع كان المسلمون يتلقونه في خشوع . أما غير المسلمين فقد جُبلوا على الطباع السيئة ، وختم الله على قلوبهم وأبصارهم فهم لا يبصرون ، إلا من هداه الله. 


    وتقلب صفحات السيرة النبوية مشهداً بعد مشهد ، ومجلَّداً من بعد مجلَّد حتى إذا بلغت الصفحة الأخيرة من المجلد السادس .. عدت بذاكرتك إلى المشهد الأول الذي يدور حول الرسالة عند أول نزولها على محمد في غار حِراء والمكان يشمله فجأة ضوء باهر غريب .. والروح الأمين يناديه أن «اقرأ» والنبي يتساءل مأخوذاً «ما أقرأ» فيقول له جبريل : «اقرأ باسم ربك الذي خلق ..»


    كانت تلك هي البداية لتتطور بعدها الأمورعلى نحو لم يكن باليسير .. وإنما كان أداءً لتكاليف ، ونهوضاً بالرسالة ، ونشرًا لدين ، وخوضاً لحروب في سبيل الله حتى تحقق للإسلام ـ في نهاية المطاف ـ النصر المبين ..


    أما وقد أدّى الرسالة ، وشعر بدنو الأجل .. فإنه ليحدث قائلاً : «أيها الناس . إن الله خيَّر عبداً بين الدنيا وما عنده فاختار ما عنده» ثم لأبي بكر : «يا أبابكر .....» ثم متحدثاً إلى الناس : «إن أمنَّ الناس عليّ في صحبته وماله أبوبكر ، ولو كنت متخذاً من الناس خليلاً كان أبوبكر . ولكن أخوّة الإسلام ومودته » ... وكان آخر ما قاله عليه الصلاة والسلام ـ وروحه تفيض إلى بارئها ـ «لا إله إلا الله .. إن للموت لسكرات .. اللهم أعنيِّ على سكرات الموت ، اللهم اغفر لي وألحقني بالرفيق الأعلى ..» .. «بل الرفيق الأعلى . بل الرفيق الأعلى . بل الرفيق الأعلى .. ».


    وهكذا ما بين المشهد الأول «الرسالة» والمشهد التاسع عشر بعد المائة «بل الرفيق الأعلى» كانت مشاهد «السيرة النبوية العطرة في رحاب التنزيل» التي عرضت للسيرة عرضاً شيقاً صادقاً لكل ما ورد عنه صلى الله عليه وسلم من قول ، وعمل ، وكل ما تلا من الكتاب الكريم في مواجهة الجميع ، وعلى مسمع ومرأى بل ومشاركة منهم . فقدم الكاتب بذلك السيرة متحركة ناطقة ، ونقلنا إلى جو الرسالة والرسول مع كل من أحاطوا به من مسلمين ومشركين . وظل يصاحبنا إلى أن حقق الله الفتح المبين ، ودخل الناس في دين الله أفواجاً ..


 ولكن لم اختار الكاتب أسلوب العرض الحواري ، ورواية السيرة النبوية في مشاهد متتابعة ، ولم يختر أسلوب «الرواية» أو القصص الموثق مستقىً من كتب السيرة سواء منها كتب التراث أو مؤلفات المؤلفين المعاصرين ؟


    ولكننا نرى أنه ينبغي أن يسبق هذا السؤال سؤال مبدئي .. ما هو حظ هذا الأسلوب من النجاح ؟ وهل توافق مع كثرة القراء وبخاصة وأنه جاء على نحو غير مألوف بالنسبة لما بين أيدينا من مؤلفات عديدة عن السيرة النبوية ، وحتى لو أشرنا إلى كتاب «محمد» لتوفيق الحكيم  فإنه وإن اتبع أسلوب الحوار كما سبق إلى ذلك كتاب الحكيم الذي صدر في ثلاثينيات القرن الماضي .. فإن بين الكتابين اختلافات عديدة سوف نتناولها بالتفصيل في موضع تالٍ من هذه الدراسة ..


    والواقع الذي نؤكده أن الأسلوب الذي اختاره الكاتب لابد وأن يلقى القبول ـ بل الإعجاب ـ من الكثرة من محبِّي السيرة النبوية فهو يقدم صورة نابضة بالحياة ، ناطقة بالقرآن ، صورة تنقلنا إلى أحداثها ، فنعيش معهم الحياة بكل وقائعها وأحداثها. فيجعلها حياة واقعة يراها المحب بعين البصيرة ، وفكر يسمو به إلى أعلى عليين ، فلا يسعه إلا أن يستعيد أحداثاً سجلها التاريخ ، ووعاها قلب كل مؤمن ، وكانت زاده طوال حياته ، ومدداً ليقينه وإيمانه برب العالمين وبرسوله الكريم وبدينه الحنيف.


    بل إنني لأرى أنه حتى بالنسبة لمن في قلبه زيغ ، أو تشوب إيمانه شائبة من الريب والشكوك ، فإنه سيقبل على هذه السيرة ، يطالعها ويتفحصها ، علّها تعينه على ما هو فيه ، وتؤكد له أنه لم ينحرف عن جادّة الصواب.


 ولقد تميزت هذه السيرة بعدة ملامح من أبرزها :


    ـ  نبرة الإيمان الصادق الذي يملأ قلب الكاتب ، ويتبدى في كل ما يقوله وما يصور به الأحداث. 


    ـ تميز الكاتب بتحري الدقة ، وسلامة المراجع ، وأنه لا ينقل إلا عن الصحاح ، كما أنه يتجنب الأحاديث الضعيفة أو ما هو في حكمها من روايات متهاترة


    ـ تميز الكاتب بسلامة اللغة ، والإلمام بأسرارها ، فضلاً عن جمال أسلوبه ، ودقة تعبيراته ، في تكوين لغوي شفاف.


    من هنا كان نجاح كتاب « السيرة النبوية في رحاب التنزيل » في أن يقدم لجمهور قراء العربية السيرة العطرة في إطار ينبض بالحياة ، وفي صورة تشف عما وراءها من أحداث. 


    والآن حان أوان الإجابة عن السؤال الذي سبق أن طرحناه .


    نقول ـ والله أعلم ـ إن اختيار أسلوب التناول قد لا يكون نتاج إرادة حرة وإنما يأتي ذلك الاختيار ـ في غالب الأمر- نتيجة لاتجاه يسيطر على الفكر ، أو قل إنه إلهام يوجه القلم ، بحيث يمكننا أن نقول إن المسألة لم تكن نتيجة دراسة مسبقة ، ومع ذلك فمن المؤكد أنه وقد صدق العزم على اختيار الأسلوب الحواري فكان من الضروري أن يعمل الكاتب فكره في رسم الخطة ، ووضع تفاصيل المنهج ، واستكمال المراجع .. ليمضي بعد ذلك في طريقه كالمسيّر ينجز عمله كأوفى ما يكون الإنجاز.


    غير أننا لا نستطيع أن نقطع بشيء في مدى تأثير مطالعته لكتاب توفيق الحكيم عن الرسول عليه الصلاة والسلام ، الذي سماه «محمد» دون أية إضافة وإن كان قد افتتحه بقوله تعالى : « قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليّ ..» لكن الذي نقطع به أن كتاب الحكيم كان ـ بلا شك ـ ضمن قائمة المراجع التي كانت عدة كاتبنا في تأليف موسوعته عن «السيرة النبوية».


    وفي تعريفنا بكتاب الحكيم عن سيدنا محمد نذكر أنه في مجلد واحد لم تتجاوز صفحاته الثلاثمائة إلا بثماني عشرة صفحة وأنه مكون من مقدمة « عن بزوغ نجم أحمد » وفصل أول عن الرسالة والدعوة في مكة وفصل ثانٍ عن الإسلام في يثرب وغزواته الأولى ، والفصل الثالث عن سائر الغزوات والأحداث وبصفة خاصة مواقف اليهود وينتهي الفصل بفتح مكة ، أما الخاتمة فعن حجة الوداع ثم انتقال الرسول إلى الرفيق الأعلى ..


    والأسلوب الحواري هو المنهاج الذي اختاره الحكيم ، في كتابه معدود الصفحات كما اختاره كاتبنا رجائي في موسوعته الفياضة .. فكلاهما يستحضر الحدث ، ويدير الحوار على ألسنة من شاركوا فيه ، ويورد ما قد يكون قد نزل من قرآن مع ملاحظة أن رجائي يحرص على إيراد الآيات كاملة متكاملة طالما أن إيرادها صادف أسباب نزولها .. بينما يكتفي الحكيم بالإشارة في معظم الأحيان .. دون أن يورد نصاً كاملاً إلا فيما ندر ..


    وأشهد الله أن كلاً من الكاتبين لم يورد عن الرسول عليه الصلاة والسلام ولا عن الصحابة إلا ما هو ثابت في الصحاح متداول على ألسنة أئمة السيرة والتفسير وتأتي المهارة في أن يدخل المنقول فيما هو من وضعه بحيث تبدو الأقوال جميعاً كأنها نسيج من لحمة واحدة ..


    وكما أشهد الله أن كلا الكاتبين ينقل الأحداث إلينا كأنها واقع يجري أمامنا ، نشاهده بأعيننا ، ونسمعه بآذاننا ، ونستشعره بقلوبنا ووجداننا في صدق تصوير ، وبراعة عرض ، وروعة صياغة وسبك .. بل وإننا لا نرى في أية صفحة من صفحات كل من الكاتبين أثراً لصناعة أو موضعاً لابتداع ، أو مكاناً لتلفيق ..


    وحتى في المواضع التي اختلفت الرواية فيها بين أحدهما والآخر .. فقد كان لكل ما يؤيده من المراجع ، وما يسانده من الأقوال والروايات ..


    ورغم ذلك فهناك أوجه للاختلاف بين الكاتبين كثيرة وعديدة  نشير إلى أهمها فيما يلي :


    وأول هذه الأوجه اختلاف المدخل بالنسبة لكليهما عن الآخر ، بما يستتبع تباين النظرة ، وتباعد المنهج ، وافتراق الأسلوب ..


    فمدخل الحكيم هو مدخل « الفنان » الذي يراعى مقتضيات الفن ، من اختصار وتركيز وتسليط الأضواء أكثر على ناحية دون أخرى .. بينما مدخل رجائي هو المؤرخ الذي يتحرى الصدق ، ويحرص على أمانة الرواية ، وسلامة النقل عن المصادر الثقة .. وإن تجنب أوجه الخلاف واختار أقرب الروايات إلى المنطق والعقل ..


    وترتيباً على ذلك فنجد أن الحكيم يعتمد على الاختيار والانتقاء ، يرسم الخطوط الرئيسية التي سارت فيها السيرة النبوية متجاوزاً التفاصيل ، مكتفياً في الكثير من الأحيان باللمحة الخاطفة ، أو القولة العابرة ، بينما كاتبنا رجائي يحرص أشد الحرص على كل التفاصيل يرويها موثقة ، ويستنهضها ناطقة مصحوبة بما نزل بشأنها من قرآن كريم. 


    وهكذا فإن أولهما يهدف إلى أن يسعدك بكامل السيرة النبوية وينقلك إليها في زمن قصير ،   بينما ثانيهما ينقلك إلى حياة النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ وصحبه ، كما كانت ، وكما جرت ، بل ينقلك إلى وقائعها  ليزيدك من وجد وهيام ؛ما نزل من لدن الحكيم العليم بشأن تلك الحادثة ، أو غيرها من الأحداث التي شارك فيها الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ بقول أو عمل .


     ومع ذلك فإننا نود أن نعطي كلا الكاتبين حقه .. فأولهما ـ بحكم التتابع التاريخي ـ أوجز فأعجز ، أما ثاني الكاتبين فقد أوتي من القدرة ما أعانه على أن يبسط الحياة كاملة ، وأن يعرض الحوادث مكتملة ، وأن يورد الأحداث كما وقعت دون حذف أو اختصار ، فأتاح بذلك للمتعطشين أن يرتووا ، وللتائهين الضالين أن يهتدوا ..


    وعلى ذلك فلكل من المنهجين ميزاته وقراؤه وعشاقه ..


    أما أولهما فيعطيك كامل الحياة ، ومعالم السيرة ، وروح الإسلام في لقطات معبرة ، موجزة ، مركزة ، ولكنها ترويك من عطش ، وترضيك من تشوّق. 


    أما ثانيهما فيعطيك كل ما تبغي في كرم وحب للعطاء ، ويقدم إليك كل ما تبحث عنه بل ويلفت نظرك إلى ما قد يخفى عليك ، ويغيب عنك ..