عودة إلى الصعيد

20/12/2015 - 10:23:59

جدة كاتب المقال لأمه ىالتركية فى زى فلاحة جدة كاتب المقال لأمه ىالتركية فى زى فلاحة

محمود عبد الشكور - كاتب مصري

    كان علينا أن نترك شبرا الجميلة عائدين إلى الصعيد: أبي كان ولدا وحيدا، وله خمس شقيقات، والده، شيخ البلد، أصبح عجوزا طاعنا في السن، يحتاج أن يكون ابنه إلى جواره. أبي شديد الانتماء إلى الصعيد وإلى أسرته، ولكنه يحب القاهرة وعمله وأصدقاءه وأساتذته. ظلت لهجته دائما ترجمة لهذه الثنائية: لهجة قاهرية ولكنة صعيدية. قد يكون دافع العودة هو رد الجميل، اندماج الأسرة الصغيرة في الأسرة الأكبر، ولكني أعتقد أنه شعر أنه لن يضيف إلى نفسه أكثر مما فعل. في منتصف الستينيات تقريبا ناقش رسالة الماجستير، عنوانها «الضمير في فلسفة جوزيف بطلر الأخلاقية»، دافع عن رسالته في مواجهة لجنة مكونة من أستاذه الدكتور زكي نجيب محمود، وأستاذه الدكتور توفيق الطويل (المشرف على الرسالة)، والدكتور زكريا إبراهيم.


    ظل فخورا دائما بأنه اجتاز الامتحان أمام هؤلاء الكبار. تحمس بعدها لإنجاز الدكتوراه، حدد موضوعها عن المتصوف عبد القادر الجيلاني، يشرف عليه أستاذه الدكتور أبو الوفا الغنيمي التفتازاني. بدأ في جمع المراجع والكتابة، تكدست المكتبة، يصنف ما يقتبسه في شكل كروت يطلق عليها اسم «فيشات». ولكن كل شيء توقف فجأة، نتيجة هزيمة 1967، وانشغالات الحياة، وانكسار الروح. لم تكن العودة إلى الصعيد هروبا، كانت فيما أظن بحثا عن وسيلة لاستعادة الطاقة، محاولة لإنقاذ الروح.


    أتذكر اليوم الذي جاءت فيه صاحبة منزلنا مذعورة، تسأل عما إذا كان هناك شيء قد أغضبنا. صاحبة المنزل مسيحية ومعظم السكان من المسلمين. لم ألاحظ ذلك إلا منذ سنوات، لم يكن أحد وقتها يتحدث عن الدين وعلاقته بالسكنى. شرح أبي ظروف عائلته في الصعيد، أثنى على السنوات الجميلة التي عشناها في شبرا. قالت صاحبة المنزل إنها ستحتفظ لنا بالشقة، اقترحت أن ندفع الإيجار وقتما نشاء. أبي لا يحب أن يلتزم بشيء إلا إذا كان جادا، مَثله الأعلى «إيمانويل كانط» فيلسوف الواجب. قال لها إنه إذا عاد إلى شبرا من جديد، فلن يجد أفضل من شقتها. كانت حزينة للغاية، العِشرة والجيرة، كان أيضا من الصعب أن يعثر المالك على ساكن يطمئن إليه، الشقة واسعة وتم تخفيض إيجارها من لجنة الإيجارات الشهيرة إلى ثلاثة جنيهات فقط، ولكن صاحبة المنزل كانت فعلا حزينة. لم يخطر على بال أبي ولا على بال صاحبة المنزل أن الأحوال ستتغير بعد سنوات قليلة، ستختفي عبارة «شقة للإيجار» التي كانت مُعلقة فوق بنايات كثيرة، ستنفجر المدينة بسكانها، سينتشرون في أحياء جديدة، لن نستطيع العودة أبدا إلى القاهرة التي نعرفها، لأنها ستكون بعد سنوات قاهرة جديدة. هذا ما حدث فعلا عندما عدت للدراسة في الجامعة في بداية الثمانينيات.


    أكره السفر حتى اليوم، أكره لحظات الوداع وعبء تجهيز الشنطة، يزعجني صوت القطار المتكرر، تجهدني الهزات المتوالية. عودتنا كانت أكثر تعقيدا: هناك الأثاث الذي سيتم شحنه عبر السكة الحديد، هناك أسرة مكونة من خمسة أفراد، وهناك حياة جديدة في انتظارنا. لم أكد أتعود على مدرسة «فاطمة النبوية»، لم أكد أتكيف مع الاغتراب تحت جرس المدرسة، حتى أصبحت تلميذا في مكان آخر بعيد. تكرر ذلك أيضا في الصعيد، دخلت مدرستين في مدينتين مختلفتين. تأثرت اجتماعيا بهذه الهجرات المتوالية، ولكن التجربة أفادتني كثيرا، فأصبحت شاهدا على عالمين بينهما عشرات الكيلومترات. عشت سنوات السبعينيات الثرية في العاصمة وفي الأقاليم.


    عندما تغني شادية «خلاص مسافر» أشعر في القلب بوخزة. كيف ستكون صباحات الصعيد؟ هل سأصرخ من الفرحة إذا شاهدت أمطارا مثلما كنت أفعل من بلكونة شبرا؟ هل هناك أصلا أمطار في الصعيد؟ شعرت بحالة من الشجن الممتزج بالرهبة: لن نزور خالتي التي تسكن في الشارع المجاور! لن أمشي مع أمي إلى دوران شبرا! لن أشاهد الترامواي! لن أستمع إلى ثرثرة عم صابر الحلاق، ولا إلى زعيق ملاك البواب وزوجته أم بيسة - كنت أندهش من زواج رجل نحيف ضئيل من امرأة ضخمة! لن أذهب مع أبي لشراء «الأهرام» من أم شعبان! لن أبعث «السبَت» وفيه قرش صاغ إلى الساحر وزوجته! ولن أراقب في فضول نزول مشرفة الحضانة ذات العكاز والمظهر المخيف!


    ولدت في الصعيد، في مدينة نجع حمادي، كان والدي في رحلة عمل، ولدت أمي عند جدتي. بيت جدتي في نجع حمادي من عدة طوابق. زوج خالتي هو الذي سجل شهادة ميلادي، كان عمدة لقرية «أولاد نجم القبلية»، فنسبني إلى القرية التي يرأسها. ولكني لم أعش لا في نجع حمادي، ولا في أولاد نجم القبلية. عاد بنا أبي إلى عمله في القاهرة بعد أن انتهت مهمته.


جدتي لأمي: تركية في زي فلاحة


    الآن سأرجع إلى مدينة ولدت فيها وغادرتها رضيعا. يغلق أبي باب الشقة، يسلم المفتاح إلى صاحبة المنزل. يبدو أنه ودع زملاءه في العمل، ترافقني صورة الأستاذ الديساوي بصلعته اللامعة وابتسامته الطيبة وبدلته الأنيقة، يرتدي كل الألوان إلا اللون الأسود. يودعنا البواب. تغيب شبرا عن عيني وأنا أنظر إليها من الزجاج الخلفي للتاكسي. القطار مزعج. الرحلة طويلة وشاقة. أنام وأستيقظ، ما زلنا في الطريق. قطعت هذه المسافة فيما بعد بمفردي ذهابا وعودة. الهجرة فيها معنى الميلاد الجديد، ولا بد أن يسبق الميلاد ألمٌ ومخاض.


    أشعر اليوم أنني محظوظ، انتميت دوما إلى عالمين أو أكثر: أبي صعيدي درس الفلسفة في القاهرة، وأمي قاهرية من أصول تركية عاشت مع أسرتها في الصعيد. جدي لأمي كان يعمل في دائرة الأمير يوسف كمال، وله صورة تقليدية وهو فوق الحصان. أراضي البرنس يوسف كمال في نجع حمادي، وهناك بنى قصرين: واحدا له، والثاني لأمه الوالدة باشا. تحولت حديقة هذا القصر بعد 1952 إلى كازينو يتبع نقابة المُعلمين. جلست كثيرا في المكان مع أبي، وتأملت كثيرا القصرين من الخارج. يوسف كمال هو مؤسس مدرسة «الفنون الجميلة»، وهو الذي أرسل نوابغ الفنانين المصريين إلى أوروبا للدراسة، شخصية غريبة تستحق الدراسة.


    أما نجع حمادي، كما يدل اسمها، فقد كانت مجرد نجع صغير، تجمع سكاني أكبر من العزبة وأقل من القرية، اشتهرت دائما بزراعة أجود أنواع القصب. لا مثيل لحلاوة قصبها، يزرعون معه أعواد الملوخية، فتصبح الملوخية مسكرة - لا أجمل ولا أحلى من ملوخية القصب. تحولت نجع حمادي إلى مدينة عامرة بإنشاء مصنع السكر الشهير، اجتذب المصنع أهل القاهرة وبعض الأجانب من الخبراء. نجيب الريحاني كان موظفا في المصنع، وله صولات وجولات في نجع حمادي. في منتصف السبعينيات، أقيم بالقرب من المدينة مصنع آخر عظيم للألمنيوم، وبدأت موجة جديدة من هجرات الموظفين والأجانب. هذه المرة ظهر الخبراء الروس بوجوههم الحمراء، كان هؤلاء أول أجانب أراهم على الطبيعة في طفولتي. تحضرت المدينة سريعا، لم تعد نجعا هامشيا، صارت مركزا صناعيا كبيرا، تركيبة سكانية امتزج فيها الصعايدة بأهل بحري والقاهرة بالأجانب، حتى لهجة نجع حمادي مختلفة عن اللهجة الصعيدية، وقريبة للغاية من اللهجة القاهرية.


    اختار أبي بيتا من دور واحد في شارع حديث نسبيا اسمه «شارع 30 مارس»، أمامنا شقة أخرى لا يسكن فيها أحد. أمام البيت جدول ماء صغير ثم مساحة خضراء شاسعة، عرفنا أنها حوش مدرسة إعدادية كبيرة ظهرت مبانيها على مدد الشوف. خلف المنزل مساحة خضراء واسعة أخرى. البيت منعزل تقريبا، أقرب إلى الريف الزاحف إلى مدينة كبيرة. عندما وصل الأثاث، أعلنت أمي حالة الطوارئ، وأخذت ترتب كل شيء في مكانه، بلا كلل ولا ملل. أمي سيدة بيتها، منظمة ومدبرة، ويمكنها أن تعمل في أي مكان، قوية الشخصية للغاية، وبحر هائل من الحنان. أصبح أبي مدرسا في مدرسة «الشهيد خيرت القاضي الثانوية»، والتحقنا أنا وأخي بمدرسة «الإصلاح الزراعي الابتدائية». أختي الصغيرة لم تكن قد دخلت المدرسة بعد، ولكنها كانت تشارك على طريقتها في النهضة التعليمية: صباح كل يوم، كانت تجلس على عتبة البيت، تشاهد طابور الصباح في المدرسة أمام المنزل، تغني مع التلاميذ النشيد الوطني:


والله زمان يا سلاحي


اشتقت لك في كفاحي


    تضحك أمي لأن حرف السين قد أصبح بديلا عن الشين على لسان طفلتها الجميلة. لم يظهر نشيد «بلادي بلادي» في المدارس إلا بعد السلام مع إسرائيل!


    كل شيء في نجع حمادي كان ينذر بالحرب، المدينة لها أهمية إستراتيجية، يعبر عندها خط السكة الحديد. قصف الإسرائيليون هذا الجسر الذي تعبر عنده القطارات خلال حرب 1967، وذلك لفصل جنوب الصعيد عن شماله. كل شيء كان يذكرك بأن الحرب على الأبواب: النوافذ الزجاجية المدهونة باللون الأزرق في المدرسة. اللوحة الضخمة التي تستقبلك فوق مبناها، جندي يحمل السلاح بيد ومفتاحا إنجليزيا في يده الأخرى، أسفلها كتبوا بخط رديء: «يدٌ تبني.. يدٌ تحمل السلاح». طابور الصباح شبه عسكري. نذهب قبل الطابور حيث توجد كل أعلام الدول العربية، أحب أن أمسك العلم أمام طابور الفصل. نتحرك بخطوات منتظمة إلى الفصول على وقع خبطات الطبلة والإكسيليفون ونغمات الأكورديون. نغني أحيانا: «الله أكبر فوق كيد المعتدي».


    بعد أيام من انتقالنا، كنت مع أبي على جسر نجع حمادي، شاهدت للمرة الأولى على الطبيعة المدافع المضادة للطائرات يوجهها بعض الجنود إلى السماء. على أسطح العمارات السكنية الشعبية كانت توجد أيضا المدافع نفسها. نجع حمادي مدينة صغيرة، شارعان تقريبا، ولكنها مدينة ساحرة، النيل يمنحها جمالا تزهو به حتى على مدينة قنا القابعة وسط الصحراء. هناك أحياء قديمة ومساجد أقدم، بل إن أحد مساجدها اسمه «المسجد العتيق». ولكن هناك منطقة وسط البلد، والمحلات التجارية الكبيرة، والشوارع الحديثة التي توحي بتوسع قادم. كانت المدينة مفعمة بالحياة، كانت تشبه حي المنيل، وفيها الكثير من أهل القاهرة المهاجرين.


    في الصالة المنزلية، تسلقت المقعد، فتحت الراديو المعلق فوق الجدار، تسلل إلى سمعي صوته الجميل يغني:


كل حاجة فكرت فيها


في لحظة واحدة ردت عليها


بنظرة حلوة من عينيها


الأمان في عينيها


حسيت إني عديت للأمان في عينيها


والحنان خد مني وادفا


يا اللي محروم م الحنان...


(فصل من كتاب «كنت صبيا في السبعينيات: سيرة ثقافية واجتماعية» يصدر قريبا عن الكرمة للنشر).