الديمقراطية .. ضالة الشعب المصري

20/12/2015 - 10:22:49

افتتاح اخر برلمان ملكى عام 1950 افتتاح اخر برلمان ملكى عام 1950

صموئيل لبيب سيحة - كاتب مصرى

بعد الانتخابات البرلمانية 2015 التى مهدت لتشكيل (مجلس النواب)، يتعين على النخب السياسية ممارسة الديمقراطية، وتضع نصب عينيها القيم السامية ممثلة فى صناديق الانتخاب، وليس بالضرورة مجرد آلياتها، ومن ثم تتواكب مع قيم تلك الديمقراطية التى طالما كنا نحلم بها زمانا  طويلا، وأيضاً  تداول السلطة، والتوافق السياسى، والحرص على الحوار، وإعلاء الصالح العام ومصلحة الوطن العليا على المصالح الحزبية والشخصية الضيقة . ومن هنا ستكون الانطلاقة الكبرى للشعب المصرى الأبى فى مسيرته صوب الديمقراطية تلك الضالة التى ننشدها جميعا، بتنظيم الانتخابات البرلمانية  التى نأمل جميعاً أن تخرج لنا (برلماناً متوازيا) تتمثل فيه كافة الفصائل السياسية وجميع الأطياف عملاً بالمبدأ (البقاء للأصلح)...


***


مناهج البحث التاريخى، تفرض علينا أساساً وفى المقام الأول تتبع جذور ممارسة الديمقراطية فى مصر، وترجع إرهاصاتها إلى النصف الثانى من القرن التاسع عشر الميلادى عن الحياة البرلمانية فى مصر فى عهد الخديو (إسماعيل) عندما أنشأ (مجلس شورى القوانين) فى 25 نوفمبر 1866 م وحيث بدأت (الرقابة البرلمانية ) تطرح بوضوح مناقشات النواب وأعمالهم، ومواقعهم داخل المجلس لكونه أول مجلس نيابى عرفته البلاد ويؤكد على ذلك مجىء (جمال الدين الأفغانى) إلى مصر لنشر مبادئه التى كانت تنادى بالاستقلال فى الفكر، والجهر بالرأى، واستنكار الظلم والتعلق بالحرية، ومن ثم ترك بصماته على الشعب المصرى برمته، وانبثقت بالتالى فكرة رقابة البرلمان على تصرف الحكومة.


وأصبح الخديو (إسماعيل) مسئولاً عن أمه.. حرية الرأى، باستشاراتها فى الترتيبات والتنظيمات التى يراد تجديدها، ومنذ ذلك التاريخ تبلورت فكرة (الديمقراطية) وأخذت تتصاعد، وعبر عنها آنذاك المفكر المصرى القدير.. (رفاعة الطهطاوى) فى مؤلفه :


“مناهج الألباب المصرية فى مباهج الآداب العصرية”.. ومن ثم تصاعدت فكرة الديمقراطية حيث نلحظ أنه فى مطلع القرن العشرين الماضى تحققت “الحركة الوطنية” بزعامة أستاذ الجيل (أحمد لطفى السيد) وجماعة الليبراليين  حيث وصلت الدعوة إلى الديمقراطية ذروتها، وتجسدت فى دستور 1923وكان ذلك الدستور أول وثيقة تقنن (الديمقراطية) آنذاك فى العالم العربى، لأنه أقر الحقوق السياسية للمصريين لممارسة وخوض الانتخابات وضمانات التمتع بكافة الحريات السياسية والعقائدية (الدينية) .


والحقيقة التى لا يجانبها الصواب، أن شيخ المؤرخين الراحل (د. محمد أنيس) أماط اللثام عن أول انتخابات برلمانية نزيهة  تمت عام 1924 ووفقا لدستور 1923، ذلك عن اكتساح (الوفد) المصرى فى البرلمان، ووصل إلى الحكم بعد نضال رهيب من القوى الوطنية إبان ثورة 1919، حيث تبلورت أطراف ذلك النضال فى حركة الجماهير المصرية بزعامة (سعد زغلول).. والملك (فؤاد الأول) بمؤامراته وجواسيسه وأذنابه، بغية التصدى لتلك الحركة فى محاولة من الملك إقامة ملكية مطلقة أو شبه مطلقة بزعامة (حسن نشأت) رجل القصر الأول.. !! والقوة الثانية ممثلة فى الخديو “عباس حلمى الثانى” الذى اصطدم آنذاك بسلطات الاحتلال البريطانى عشية نشوب الحرب العالمية الأولى (1914 - 1918)، وتمتع الخديو عباس حلمى - بشعبية منقطعة النظير ومن منطلق عدائه للإنجليز... وظل الصراع دائرا بينه وبين الملك (فؤاد)، وأفصح عنه (لطفى السيد) أنه صراع بين السلطة الشرعية (الخديوية) والسلطة الفعلية (الاحتلال)... وتمخض عن ذلك آثار سلبية أدت بدورها إلى وأد الديمقراطية لأن الملك (فؤاد) كان قد أعطى الضوء الأخضر فى نوفمبر 1924 م للإطاحة بالمجالس النيابية، ومن ثم أسقطت (وزارة الشعب) وبالتالى أول برلمان انتخب على أسس ديمقراطية..


اتسمت الحياة النيابية فى مصر بعدم الاستقرار بعد  برلمان 1924، وأكد على ذلك المؤرخ الراحل “د. رءوف عباس” حيث أجرى (زيور باشا) الانتخابات البرلمانية فى 23 مارس 1925، وحل فى نفس اليوم، وانعقد البرلمان الثالث فى يوليو 1926 لدورات ثلاث، ثم أوقف (محمد محمود باشا) الحياة النيابية ثلاثة أعوام وذلك عام 1928، قابلة للتجديد، وسقطت الوزارة قبل انتهاء المدة المقررة، وتم انتخاب برلمان رابع فى يناير 1930 وحل فى نفس العام، وفى تلك الأثناء تم الإطاحة بدستور 1923 م، وتم وضع قانون انتخاب جديد قام بتضييق حقوق الانتخاب بحيث يكون قاصراً على شرائح اجتماعية بعينها ومن هنا صدر دستور (صدقى) فى أكتوبر 1930 .


وتأسيساً على ذلك، ظل (الانقلاب الدستورى) سائدا آنذاك وتم انتخاب برلمان (خامس) استمر أربع دورات تشريعية قطعها عودة دستور 1923 من جديد تحت ضغط الحركة الوطنية فى ديسمبر 1935، ثم انتخب برلمان (سادس) فى ظل هذا الدستور فى مايو 1936 ولم يستمر أكثر من عامين وأعقبه برلمان (سابع) فى أبريل 1938، ثم برلمان (ثامن) فى مارس 1942.. من ثنايا انتخابات كان (النحاس) قد أجراها ورشح نفسه فيها (حسن البنا)، مؤسس جماعة الإخوان المسلمين، إلا أن النحاس قد مارس ضغوطا على (البنا) وأجبره على الانسحاب هذا ما ذكره (د. عاصم الدسوقى)، ويبدو أن هذه الظاهرة فى تقديرى تعد الإرهاصة الأولى لعلاقة الإخوان بالانتخابات البرلمانية !!!


وبدأت حركة الإخوان أساسا مع زوال الخلافة الإسلامية من ناحية، واختفاء (سعد زغلول) من ناحية أخرى بماله من شخصية “كاريزمية”، ومن ثم كان البحث عن صيغة لإحياء الخلافة، وإقامة حكومة (إسلامية) تكون بديلاً دينيا - إسلامية - لتلك التجربة الليبرالية الوليدة آنذاك.. وفى محاولة لتقويض الأسس العلمانية للدولة المدنية بصرف النظر عن مدى نجاحها أو فشلها، فى طرح الأطر الجديدة، وعدم تمثلها بشكل أو بآخر عن تلك الأطر المرجعية التى استمدت منها الجماعة أفكارها الأيديولوجية، بمعنى أنها لم تتوصل بعد إلى صيغة رصينة (لمشروع نهضوى) يتواكب مع الواقع المصرى آنذاك “الاقتصادى والاجتماعى”، وذلك لأن قادة الجماعة لم تتوافر لديهم الخبرات النظرية أو التنظيمية الضرورية لإقامتها - الجماعة - على أسس قوية فى برامجها، وذلك لأنهم عاشوا على أفكار سلفية، وفى إطار ظروف موضوعية تباينت تبايناً.... شديداً عن ظروف المجتمع المصرى وقتئذ، أى أن الجماعة سارت عكس حركة المجتمع وأخذت تسبح ضد التيار مع النخب  السياسية الحاكمة .


وقد ظلت الانتخابات البرلمانية طوال عهد الملك (فاروق) تسير على نفس المنوال، ولقد أجرى أحمد ماهر، رئيس الحكومة فى 8 يناير 1945، الانتخابات تحت مسمى (الهيئة السعدية) وإبان ذلك رفضت الحكومة إلغاء الأحكام العرفية،والرقابة على الصحف، وتدخلت تدخلاً سافراً فى تلك الانتخابات، بدعوى ألا يفوز حزب (الوفد)، رغم أنه قد قاطعها  ومن ثم قامت حكومة (حسين سرى) الانتقالية بإجراء الانتخابات ولم ترصد أية عمليات تزوير أو ضغوط، فى حين أنه فى التجديد النصفى لمجلس الشيوخ مارست حكومة (الوفد) المزيد من أساليب الضغط والتهديد والوعد والوعيد ناهيك عن التزوير لإنجاح مرشحها بإشراف وزير الداخلية حينذاك (فؤاد سراج الدين)، إضافة إلى حملات التشهير والسباب والدعاية المضادة، وتكرر ذلك فى انتخابات 3 يناير 1950، بمعنى أن الحياة النيابية منذ برلمان 1924 وحتى سقوط الملكية فى مصر توالت عليها عشر هيئات نيابية، ومن ثم فإن الديمقراطية الليبرالية التى عرفتها مصر آنذاك كانت مجرد وهم، لأن الحكم فى الحقيقة كان ينحصر فى (القصر)... وتمارسه نخبة محددة من شرائح البرجوازية العليا ذات الروابط الوثيقة من ثنايا التحالفات والمصالح المشتركة، وفى ظل ذلك النظام أصبحت ساحة البرلمان والسلطة التنفيذية خالية تماما للشريحة العليا من البرجوازية المصرية من كبار ملاك الأراضى  الزراعية وأصحاب الأموال (الرأسمالية المستغلة)، لرعاية مصالحهم الطبقية الشخصية الضيقة، فى حين تم تهميش دور “الطبقة الوسطى” فى التجربة الديمقراطية، وآلت الأمور من ثنايا اهتراء النظام السياسى إلى “سقوط النظام الملكى” بثورة 23 يوليو 1952 م .


بدأ الحكم الوطنى فى النظام الجديد بزعامة (عبد الناصر)، وأعلنت مبادئ الثورة الستة، ومن أهم مبادئها بما يتسق مع الحياة البرلمانية هو إقامة حياة ديمقراطية سليمة ومن ثنايا انتخابات نزيهة، ومضت الثورة فى ثبات وإصرار على تنفيذ ذلك ومن ثنايا (هيئة التحرير) وصارت هيئة (التحرير) طوراً من أطوار الحركة الوطنية .. والحياة السياسية الجديدة، من حيث حشد الجماهير وربطت بين قيادة الثورة من ناحية، وجماهير الشعب من ناحية أخرى بمعرفة السلطة الحاكمة آنذاك، وظهرت أعمالها واضحة للعيان وفى مجالات شتى واضحة ، برزت إبان “أزمة مارس 1954” بين (عبد الناصر) و (محمد نجيب) بصفة خاصة، عندما أراد (نجيب) أن يقدم استقالته ويعود مع مجلس قيادة الثورة  إلى الثكنات العسكرية ، ومعنى هذا أن ترجع الحياة السياسية السيئة إلى سابق عهدها قبل الثورة، وبمعنى آخر عودة الأحزاب والجماعات الأيديولوجية ، وهو ما كشف النقاب عنه المؤرخ المعروف (د. أحمد زكريا الشلق) ، فما كان من هيئة التحرير إلا أن تلعب دوراً مهماً وفعالاً تجاه ذلك، من ثنايا تحريك و (تحريض) عمال مصر للإضراب العام فى وسائل المواصلات ، وتفجير التظاهرات العارمة، والاعتصامات لكى يرجع مجلس قيادة الثورة عن قراره المشار إليه.


رجحت كفة (عبد الناصر) ضد (محمد نجيب) فى ذلك الصراع الرهيب ومن ثم أقصى (نجيب) وحددت إقامته بعيداً عن الحياة السياسية وتمخض عن ذلك الحدث الخطير، فى أن بدأ الصدام بين جماعة الإخوان المسلمين و”ثورة يوليو” وتجسد ذلك فى الاعتداء على (عبد الناصر) فى ميدان المنشية بالإسكندرية يوم 26 يوليو 1954 وكان ذلك رد فعل لما أحرزه عبد الناصر من نجاح ضد المؤامرات التى كانت تحاك ضد الثورة، وتاريخ الجماعة حافل قبل الثورة بالعديد من العمليات الإرهابية، ومن هنا جاءت اعتقالات عام 1954م بعد أزمة مارس مباشرة.


ومن الأهمية بمكان، احتلت ثورة يوليو مكانتها فى تاريخ مصر المعاصر برمته، وسجلت لأول مرة منذ عهد الفراعنة الأوائل أن مصر يحكمها أبناؤها المصريون، وأكد على ذلك أستاذ الجيل (أحمد لطفى السيد) بقوله عند قيام الثورة:


“... أحمد الله الذى مد فى عمرى، أن أرى مصر ويحكمها أحد أبنائها المصريين منذ عصر الفراعنة وحتى زوال الملكية . وقول شيخ المؤرخين د. محمد أنيس (عرف عبد الناصر أين يسير التاريخ فتأبط التاريخ) ، وقال عنه د. عاصم الدسوقى (عبد الناصر حمل فى وجدانه ميراث آبائه وأجداده) والحقيقة أن (عبد الناصر) كان شخصية (كاريزمية) مميزة ويكفيه فخراً أنه حافظ طوال مدة حكمه على الوحدة الوطنية فى مواجهة الطائفية، وحرص على إرساء قواعد الدولة المدنية ، ولم يسمح يوماً لأحد خصومه أن يبتزه، ولم يخضع لكلمات الإطراء والتفريط الجوفاء التى لا طائل من ورائها لكن يبدو أن دوام الحال من المحال ، وتأتى الرياح بما لا تشتهى السفن، حيث حدثت نكسة الاثنين المشئوم 5 يونيو 1967 م ولم تفت فى عضد (عبد الناصر) حيث ظل قوى الشيمة .. صلب العود لا يبالى برجاء أو تخويف ، شجاعاً دوماً فى مواقف الأهوال !.


***


وحقيقة الأمر، كان لنكسة 1967 تداعياتها الخطيرة حيث كانت سببا مباشراً وقوياً فى تصدع الدولة، ناهيك عن خواء التنظيمات السياسية والمؤسسات إضافة إلى عوامل الضعف والصراع، لكن والحال هكذا، حرص (عبد الناصر) رغم ذلك إلى إعادة بناء الدولة والتصدى لتحديات ما بعد الهزيمة بإعادة بناء الجيش، وخوض معركة الاستنزاف ضد العدو الصهيونى وأطلق شعار (لا صوت يعلو فوق صوت المعركة)، و(ما أخذ بالقوة لا يرد بغير القوة) ، ومن هنا أصدر بيانا للعمل الوطنى  فى 30 مارس 1968، وجرى الاستفتاء عليه فى 2 مايو 1968 وقبله الشعب الذى هب هبة رجل واحد عندما أعلن (عبد الناصر) .. تنحيه عن الحكم وأنه المسئول الأول عما حدث يوم 5 يونيو .. وذلك فى خطابه يوم 9 يونيو 1967، ومن ثم طالبه الشعب بالرجوع عن قراره .


***


برحيل عبد الناصر انطوت صفحة من أعظم وأعجب صفحات التاريخ فى النضال، والكفاح من أجل الديمقراطية والحرية والحفاظ على الوحدة الوطنية، وهى التى وضعها تحالف قوى الشعب العامل لكى تكون دافعاً لإمكانات ثورة 23 يوليو،  وأيضاً لكى تصبح حارساً على قيم الديمقراطية السليمة التى كان (عبد الناصر) يتطلع إليها، وفى إطار تلك الظروف الموضوعية  بدأ الرئيس (السادات) إدارة دفة الأمور، وترأس الحزب الوطنى الديمقراطى، وبرلمان الدولة تحول من مسمى (مجلس الأمة) وأصبح (مجلس الشعب) ، وأعاد الأحزاب التى أجهضها (عبد الناصر) ، فى صورة (منابر) ثم تحولت بالتالى إلى (أحزاب) وأصبح رئيساً (للحزب الوطنى) وذلك كان خطأ جسيماً انزلق إليه، لأن الرئيس فى الأغلب الأعم يكون حكماً للجميع وليس بالضرورة أن يصبح طرفاً منافساً، ومن ثم لعب أعضاء (الحزب الوطنى) دوراً خطيراً فى تحريض (السادات) على ما قام به فى اعتقالات سبتمبر 1981 ، وكانت سبباً لاغتيال السادات..


وقد قام “السادات” لتحقيق رغبة (أمريكا) بالافراج عن جماعة الإخوان المسلمين فى مايو 1972 أى بعد رحيل (عبد الناصر) بعامين تقريبا، حيث إن السادات نفسه عقد هدنة مع تلك الجماعة فيما سمى آنذاك (اتفاق جانا كليس) عام 1971 ، ومنذ ذلك التاريخ وبعد الإفراج عن الإخوان  صاروا طرفاً فى معادلة الأمن، إذن تنازل “السادات” عن مشروع النهضة الذى تبناه (عبد الناصر) ، وأصابه فى مقتل لأن الإخوان قد سبق لهم أن عارضوا المشروع بشدة من جراء ما لحق بهم من الزج فى السجون والمعتقلات عام 1954، 1965، وفى (عصر السادات) كانت أمام الإخوان مساحة كبيرة لتشكيل خلايا جديدة قوامها من “الصبية والشباب” وصاروا بالتالى “عصب الجماعة” فيما بعد عقب اغتيال “السادات” نفسه على أيدى تلك الجماعة فى حادث المنصة المشئوم يوم 6 أكتوبر 1981 .. وما واكبها من أحداث جسام ..


***


ما أشبه الليلة بالبارحة، أصبح المشهد السياسى فى مصر بعد رحيل (السادات) يموج بأحداث جسام عندما تولى (مبارك) الحكم وتمثل ذلك فى فئات من (النخبة) التى هيمنت وسيطرت على مجريات الأمور فى البلاد طوال ثلاثين عاماً عجاف، حيث اعتمد (مبارك) نفسه على حساب الشعب وذلك بات واضحاً إبان الانتخابات البرلمانية عام 2010 التى تعد من “أسوأ الانتخابات التى عرفتها مصر” على مدار تاريخها  البرلمانى ، ونجح تنظيم الإخوان فى اكتساب شعبية وجماهيرية كاسحة لدى الشرائح الدنيا والفئات المطحونة فى قرى مصر ومدنها بأعداد متزايدة، وذلك كنتيجة منطقية لتعاظم الإشكاليات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، حيث استثمرتها الجماعة ماديا ومعنويا للوصول إلى السلطة ، وتلك كانت دوما نقطة الضعف لدى الإخوان والتى تبلورت فى رفض النخبة المهيمنة والمسيطرة على مقاليد الحكم، وتمخض عنها المزيد من الاستقطاب السياسى الذى نجم عنه انفراط عقد التوحد الاجتماعى من ناحية أو الاحتفاظ بالتقاليد القديمة التى بنى عليها الإخوان دعوتهم ورغم ذلك كان لهم 88 مقعدا فى مجلس الشعب المصرى (2005) .


الإنصاف يقتضينا أن نعرض للأحداث الجسام التى أعقبت تنازل (مبارك) بعد حكم ثلاثين عاما وجاءت تعبيراً عن سلطة سياسية مأزومة عاجزة، كانت بمثابة المخاض وفى سياق انقباضات اجتماعية وسياسية مكتومة متكررة  تكون بانتظار الانفجار الهائل، واللحظة التاريخية الحاسمة لإحداث التغيير والتوجه صوب الديمقراطية الحقيقية التى كانت حلما لم يتحقق، وحرمنا منها طويلاً، ناهيك عن تزييف الوعى بتزوير الانتخابات البرلمانية، وأيضاً إرادة الناخبين بما يواكب أغراض السلطة الحاكمة ، كذلك ضعف الإرادة السياسية ، وندرة الكفاءات، وعجز الريادة والمساواة، إضافة إلى الفساد وعدم الاستقرار.


وتمخض عن ذلك جميعه نشوب “ثورة 25 يناير المجيدة” التى جاءت تعبيرا حقيقيا لرفع الروح المعنوية لدى الشعب المصرى وسانده فى ذلك جيش مصر الباسل، وفى إطار المجلس الأعلى للقوات المسلحة الذى أنيط به إدارة دفة الأمور عقب تنحية “مبارك”  لكن للأسف الشديد أن كل ثورة لها فى المقابل ثورة مضادة وتمثل هذا فى اختطاف ثورة 25 يناير، وظل المشهد السياسى العام ينذر بصراعات سياسية وتداعيات خطرة، إلى أن تولى  الحكم الرئيس السابق (محمد مرسى)، الذى تجاهل التاريخ المصرى  تماماً وكرس وقته وجهده لجماعة الإخوان المسلمين، ثم اندلعت ثورة 30 يونيو 2013 المجيدة لتصحيح مسار ثورة 25 يناير، ولعل برلمان 2015 يعبر بصدق عن رؤى سياسية لعلها تصب جميعاً فى مصلحة الوطن العليا، ومن ثم نبنى صروح الآمال.