سعيد صالح: دخلت السجن بسبب آرائي السياسية

16/08/2014 - 10:00:01

سعيد صالح سعيد صالح

كتب : خالد فؤاد

وصفه الكاتب الكبير الراحل محمود السعدني بأنه (قنبلة ضحك من الوزن الثقيل) فكان كوميدياناً من طراز فريد، ورغم هذا كما قال السعدني لم يأخذ حقه، فلو كان انضبط (سلوكياً) كما قال لأصبح نجم الكوميديا الأول في العالم العربي، بل ونافس عادل إمام علي (الزعامة) .


إنه الفنان الكوميدي الكبير سعيد صالح الذي ودع عالمنا يوم الجمعة الماضي عن عمر يناهز الـ 76 عاما بعد مشوار فني حافل تجاوز النصف قرن من الزمان اثري الساحة خلاله بالكثير من الاعمال السينمائية والمسرحية والتليفزيونية .


اسمه بالكامل سعيد صالح إبراهيم من مواليد 31/7/1939، نشأ في أسرة متوسطة الحال وحصل علي ليسانس آداب عام 1960 وبدأ مشواره الفني عقب تخرجه بأدوار صغيرة علي خشبة المسرح وببعض الأفلام السينمائية، وبدأ يتدرج في الأدوار الي ان وصل لمرحلة النجومية والبطولات المطلقة.


عودة الروح


ففي عام 1965 رشحه المخرج الكبير جلال الشرقاوي لدور بسيط في (عودة الروح) حيث جسد شخصية خادم الأسرة الذي يشارك في مؤامرة علي الشقيقة العانس بالأسرة فينضم لحركة التمرد التي قادها الأخ الأوسط وقدم شخصيته الفنان الراحل نور الدمرداش بينما لعب شخصية الأخ الأكبر سعيد أبو بكر وأشاد النقاد بادائه ولفت أنظار المخرجين نحوه، فبدأ مشواره السينمائي بأدوار صغيرة في أفلام (قصر الشوق) الجزء الثاني من ثلاثية نجيب محفوظ مع الفنان الكبير يحيي شاهين، وكان أول ظهور سينمائي له هو والفنان الكبير نور الشريف عام 1967، وفي نفس العام شارك في فيلم (الدخيل) مع ليلي فوزي وصلاح قابيل، وقدم عام 69 فيلمي (الحرامي) مع فريد شوقي إخراج نجدي حافظ و(أبواب الليل) مع ليلي طاهر ويوسف شعبان إخراج حسن رضا، وفي عام 1970 شارك في افلام (ورد وشوك) و(هاربات من الحب) و(ربع دستة أشرار)، وفي عام 1971 شارك في فيلمي (لعبة كل يوم) مع تحية كاريوكا وعزت العلايلي إخراج خليل شوقي و(مدرستي الحسناء) مع هند رستم وحسين فهمي.


ورغم انه في كل هذه الأفلام وغيرها قدم أدواراً ثانوية إلا أنها قدمته بشكل جيد للجمهور، وبالطبع التفت الجمهور نحوه بشدة بعد عرض (هاللو شلبي) مع الفنان الكبير عبد المنعم مدبولي.


مدرسة المشاغبين


ثم كانت النقلة الهامة سواء بالنسبة له أو لكل أبناء جيله عادل إمام وأحمد زكي ويونس شلبي وهادي الجيار في مسرحية (مدرسة المشاغبين) التي جسد فيها شخصية مرسي الزناتي وأحدثت المسرحية انقلاباً في الشارع المصري وكانت نقلة كبيرة من جيل لجيل آخر ومن شكل اعتاد المسرح تقديمه لشكل آخر، وأصبحوا جميعا نجوماً بعد هذا لهم جمهور يحرص علي مشاهدتهم ويتتبع أخبارهم وأعمالهم - وبالطبع انعكس الامر علي سعيد صالح سينمائيا فأثناء عرض المسرحية توالت عليه العروض وأصبح يحصل علي أدوار أكبر كما حدث في أفلام (عاشق الروح) و(صوت الحب) و(أين عقلي) و(العذاب فوق شفاه تبتسم) و(دنيا) و(بمبة كشر) و(آنسات وسيدات) و(في الصيف لازم نحب) و(الرصاصة لا تزال في جيبي).


فقد شارك في كل هذه الأفلام في عامين فقط هما 1973 و1974 فكان يخرج من باب هذا الاستوديو لذاك ويختتم يومه بالمسرح فقد استمر عرض (مدرسة المشاغبين) ستة أعوام كاملة وهو ما لم يحدث في أي مسرحية عرضت قبلها، وفي عام 1975 شارك في أفلام (طائر الفجر) و(مين يقدر علي عزيزة) و(هذا أحبه وهذا أريده) و(مولد يا دنيا) و(الرداء الأبيض)، ووصل عدد الأفلام التي شارك فيها عام 1976 لنحو 12 فيلماً منها (مراهقة من الأرياف) و(شوق) - وفي نفس هذا التوقيت بدأ عرض مسرحية (العيال كبرت) مع أحمد زكي ويونس شلبي.. واعتذر عادل إمام عن عدم مشاركتهم بطولتها لأنه سبقهم للبطولات - السينمائية المطلقة وأصبح أحد نجوم الشباك خاصة بعد النجاح الساحق الذي حققه فيلمه (رجب فوق صفيح ساخن) الذي شاركه سعيد صالح بطولته.


العيال كبرت


وحققت مسرحية (العيال كبرت) ايضا نجاحا كبيرا واستمرت لبضعة اعوام وتصدر اسم سعيد صالح الافيشات قبل أحمد زكي ويونس شلبي ورغم هذا لم يكن لهذا تأثير عليه سينمائيا فقد شارك في العديد من الأفلام مثل (سونيا والمجنون) و(البنت الحلوة الكدابة) و(صانع النجوم) عام 1977 وفي عامي 1978 و1979 ظهر في افلام (الأقمر) و(ليالي ياسمين) و(حب فوق البركان) بالإضافة لفيلم (رجب فوق صفيح ساخن) إلا أنه في كل هذه الأفلام كان يشارك بأدوار بطولة ثانية أو ثالثة وليس بطولة مطلقة وهو ما حدث في عامي 1980 و1981 حيث شارك في أفلام (لا تظلموا النساء) و(شفاه لا تعرف الكذب) و(فتوات بولاق) و(الوحش داخل الإنسان) و(احترس نحن المجانين) و(الحب وحده لا يكفي) و(خلف أسوار الجامعة) و(لن أغفر أبداً) بالإضافة لــ (المشبوه) مع عادل إمام والسندريللا الراحلة سعاد حسني.


- كما تعرض لهجوم قاسٍ وانتقادات عنيفة لمشاركته في موجة افلام المقاولات التي ظهرت في هذا الوقت وشارك هو ويونس شلبي والكثير من ابناء جيلهما فيها .


آخر حواراته


واذكر في آخر حوار اجريته معه قبل بضعة شهور من وفاته توجهت له ضمن ماتوجهت بسؤال حول أسباب موافقته علي المشاركة في هذه الافلام فأجابني قائلا :


- لا أتفق معكم في اطلاق مثل هذه الأسماء - يقصد (مسمي المقاولات) فالجمهور هو الذي يفرض رغباته علي صناع السينما، ورغم أنني كنت مع يونس شلبي وسمير غانم نجوم هذه المرحلة إلا أنني كنت حريصاً علي المشاركة في أفلام تحمل فكراً ومضموناً كما حدث في عام 1982 فقدمت أفلاماً جادة وهامة مثل (أشياء ضد القانون) و(الخبز المر) و(خمسة في الجحيم) و(أرزاق يا دنيا) وفي الوقت ذاته قدمت أفلاماً حقيقية وكوميدية مثل (حسن بيه الغلبان) مع سمير غانم وحققت أنا ويونس شلبي أعلي الإيرادات بفيلمي (مخيمر دايماً جاهز) و(العسكري شبراوي) وهو ما حدث عام 1983 الذي تطلب فيه الإكثار من الأفلام الكوميدية فقدمنا (حادث النصف متر) و(مملكة الهلوسة) و(نصف أرنب) و(شاطئ الحظ) و(مسعود سعيد ليه) و(المغفل) و(ادراب المجانين) و(المتشردون)، وفي الوقت ذاته شاركت في أحد الأفلام الهامة في تاريخ السينما المصرية وهو (السادة المرتشون) مع محمود عبد العزيز ونجوي إبراهيم، وفي العام التالي 1984 قدمنا (الخادمة) و(جبروت امرأة) و(قمر الليل) و(لكن شيئاً ما يبقي) إلي جانب العديد من الأفلام مثل (نعيمة فاكهة محرمة) و(بناتنا في الخارج) و(درب اللبانة) و(المشاغبون في الجيش) و(مطلوب حياً أو ميتاً)، في عام 1985 (دنيا الله) و(العاشقة والدريسة) و(أنا اللي قتلت الحنش) و(محطة الأنس) وفي عام 1986 (نأسف لهذا الخطأ) و(أجراس الخطر) و(الناس الغلابة) و(سلام يا صاحبي ) ومنذ عام 1987 حتي عام 1990 قدمت نحو 30 فيلماً اذكر منها (الأونطجية) و(العرضحالجي) و(المزيكاتي) وأعتقد أن مثل هذا التوازن كان مطلوباً جداً، فمعني التركيز علي لون واحد هو انتهاء الفنان بسرعة وانطفاء بريقه. فأذكر انني في الفترة من عام 1991 حتي عام 1995 قدمت نحو 25 فيلماً تقريباً كنت بطلاً لغالبيتها مثل (تحت الربع) و(مجانين علي الطريق) و(الصعلوك) و(الهوانم) و(بائعة الشاي) و(نصيب الأسد) و(ذكريات في نويبع) و(الفلاحين أهم) و(أزواج في ورطة) و(خلي بالك من عزوز) و(تمت أقواله) و(خمسة كارت) و(توت توت) و(رجال بلا ثمن) و(ثلاثة علي مائدة الدم) و(بلطية بنت بحري) و(الملائكة لا تسكن الأرض) وبالطبع اختفيت تماماً عن السينما والمسرح والفن ككل عام 1996 لسبب بسيط وهو أنني كنت في السجن.


زعيم مسرح المعارضة


وعندما سألته عن أعماله المسرحية لماذا كانت تحوي فكراً ومضموناً أهم بكثير مما قدمته بالسينما قال إن الأمر مختلف، ففي المسرح أنا البطل الأول،لأني أقبل أفضل المعروض علي، فالجمهور في المسرح يأتي لمشاهدة سعيد صالح بشخصه بينما في السينما يأتي من أجله ومن أجل غيره أيضاً.


وعن أهم العروض المسرحية التي قدمها في هذه المرحلة ويعتز بها قال:


أعتز كثيراً بعروض (لعبة اسمها الفلوس) و(كعبلون) و(حلو الكلام) و(البعبع) ( وشرم برم) فكانت جميعها مرحلة انتقالية للمسرح السياسي وحققت جميعها نجاحاً كبيرا ولقبت بعد نجاحها بلقب (زعيم مسرح المعارضة) في مصر وهو احب الالقاب لقلبي رغم ماعانيته من مشكلات بسبب هذه العروض .


تجربة السجن


وحول سؤال عن دخوله السجن هل كان بسبب مواقفه السياسية التي عبر عنها في هذه المسرحيات أكد أن هذا حقيقي لأن الكل يعرف مواقفه السياسية ورفضه لكثير من الأوضاع في عصر مبارك هو الذي دفعهم لمحاولة اسكاته بكافة السبل.


أما عن سجنه بسبب إدمانه للمخدرات فقال:


- هذه هي التهمة التي علقوا عليها أسباب القبض علي أثناء جلوسي مع مجموعة من أصدقائي بمساكن مصطفي كامل بالإسكندرية والحمد لله أن كل أصدقائي والمقربين مني لم يصدقوا الاتهام لكوني كنت أسعي للإقلاع عن التدخين فهل يعقل أن يحاول مدمن ترك التدخين؟


وعن تجربة السجن قال:


- كانت شهور الزنزانة فرصة للتأمل والتقرب من الله فقد قرأت كثيراً وعشت مئات الحالات الإنسانية مع أبطالها الحقيقيين فكنت أتنقل في قصص حياتهم المثيرة والمدهشة، ووجدت أن كل حالة منها تصلح لأن تكون مادة درامية لفيلم أو مسرحية ومن هنا كانت شهور الزنزانة فرصة للتأمل والعناية بصحتي النفسية والذهنية، بل إن ثقافتي زادت وتعمقت من خلال الراديو الترانزستور الذي لم يفارق أذني معظم ساعات اليوم.


وعن ابتعاده عن المسرح السياسي الذي اشتهرت به في حقبة الثمانينيات أجاب قائلاً:


- لأنني اكتشفت أنني أسبح بمفردي ضد التيار لكوني كنت أتعرض لكافة السلبيات والمشكلات.


وعندما كانت تغيرت الظروف الي حد ما عام 2005 قدمت «قاعدين ليه» والحكومة هي نفسها التي دعتني لبطولة المسرحية علي إحدي خشبات مسرح الدولة (المسرح الحديث) فاعتبرت دعوتهم لي تصريحاً رسمياً لكي أقول أفكاري وأطرح انتقاداتي. كما سمحوا للكثير من الفنانين الاخرين وكان هذا ذكاء حاداً منهم، ربما لادعاء انها حكومة ديمقراطية وربما لاسباب أخري.


بعد الإفراج عنك في نهاية عام 1996 وحتي الآن لم تقدم أو تشارك سوي في عدد قليل جداً من الأفلام لا يكاد يتجاوز أصابع اليد الواحدة لماذا؟


_أحوال السينما تغيرت واختلفت تماماً سواء بالنسبة لي أو بالنسبة لكل أبناء جيلي بعد أن آلت الأحوال للدماء الجديدة أو الممثلين الشبان.


ولما سألته عن مبرر قبوله لأعمال ظهر فيها أشبه بالكومبارس مثل (زواج بقرار جمهوري) و(الواد بليه ودماغه العالية) وغيرها من الاعمال حتي آخر ظهور له مع عادل امام في (زهايمر) قال:


- لا توجد أي مبررات لقد أعجبتني الأدوار فوافقت عليها ليس أكثر، فقد سعيت لتأكيد حبي للفنانين الشباب محمد هنيدي وهاني رمزي فكنت أول المتنبئين لهما بما وصلا له، ومعروفا عني الوقوف والمساعدة لعدد كبير من الممثلين الذين أصبحوا نجوماً فوقفت إلي جانب أحمد زكي وساندته بقوة في (هاللو شلبي) هو ومحمد صبحي، كما أنني اكتشفت محمد سعد في عرض (شرم برم) وأعطيته فرصة كبيرة في (حلو الكلام) وكذلك أحمد آدم في (البعبع) بل ومحمد هنيدي والراحل علاء ولي الدين في أكثر من فيلم سينمائي.


وبالنسبة لزهايمر فقد حاز المشهد الذي قدمته علي اشادة الجميع وحصلت علي اكثر من جائزة عنه.


بعد موتي


ولما قلت له بعد 50 سنة فناً أصبت بالكثير من الامراض .. فماذا اعطاك الفن قال:


- الفن أعطاني كل شيء جميل والأمراض التي أصابتني لا علاقة للفن بها، فلها اسباب اخري .


أنت من الفنانين القلائل الذين لم يدخروا شيئاً للحياة.. لماذا؟


- الحمد لله علي كل شئ فقد حصلت علي ما هو أهم، حب الناس، واسألوا بعد رحيلي وسوف تجدونني في كل الأعمال التي قدمتها فأشعر أنني أغني واحد.