عباس الأول والتعليم

20/12/2015 - 10:21:54

عباس الاول عباس الاول

مصطفى أبوعايد

الصمت لغة العظماء بل الصمت عبادة  ما أحسنها، يقول إبراهيم اليازجي "الصمت زين والسكوت سلامة"ويقول الكتاني:


الصمت غنم لأقوام ومسترة.. والقول في بعضه التضليل والفند.


وليس دائما يحسن القول بأن خير الرد على السفهاء السكوت، فعندما يعز على بعض المتكلمين الصمت وينسون أنفسهم، ويأتون من القول بهتانا وزورا، هنا يتحتم الكلام بل يصير فرض عين لا فرض كفاية، عندما يخرج علينا البعض مزورا لحقائق التاريخ وهي بوضاءة الشمس في ضحاها – وإن كان هذا الدأب من عقود - هنا يصير الكلام عبادة حتمية الإتيان، حكمها واجب وتركها معصية.. خاصة وإذا كان الكلام موجها لناشئة بلادنا وفلذات أكبادنا وأقصد هنا ما يحويه كتاب "علي مبارك" المقرر بوزارة التربية والتعليم من أن نظام التعليم الذي وضعه علي مبارك في عهد عباس الأول هو الأفضل من نوعه وأخذ الكتاب يسهب في ذكر فضائله، ومن أسف أن الحقيقة من ذلك براء، فقد كانت فترة عباس هي الأسوأ بالنسبة للتعليم في مصر على مر تاريخها الحديث؛ بداية من عصر جده محمد علي وإلى الآن، ففي عهد محمد علي كانت هناك طفرة تعليمية لا يستهان بها، وكيف لا ونحن ما زلنا نجني ثمارها حتى اليوم، وإن كان يشوب نظامه التعليمي كثير من الخلل حيث كانت المدارس في عهده مؤسسات حكومية صرفة تترفع عن مد يد العون للتعليم الشعبي - المتمثل في الكتاتيب المتواضعة هنا وهناك والتي كانت تعتمد على وقف ومساعدة الأغنياء بشكل كبير- الراسخة جذوره في أنحاء البلاد شرقا وغربا، فكانت قاصرة على المدن ولم نجد واحدة منها طالت الريف أو البادية ، وإن كان بعض أبناء الريف قد استفادوا منها فكان عن طريق المصادفة من أمثال علي مبارك ابن برنبال، ورفاعة الطهطاوي الأزهري ابن الصعيد ( تاريخ التعليم في عصر محمد علي/ أحمد عزت عبد الكريم).


وفي عصر إبراهيم - وإن كان قصيرا - إلا أنه قد تم التنبه والاهتمام بالتعليم الشعبي الذي تكفله الدولة في مدارسها وتنفق عليه من الأموال العامة، ونهض للعمل بهذه الفكرة أدهم باشا مدير ديوان المدارس، ولامبر بك ناظر المهندسخانة في ذلك الوقت، ولكن للأسف الشديد أن الفكرة جاءت متأخرة ولم يطل العمر بإبراهيم باشا، وتم وأد الفكرة تماما.


وجاء بعد إبراهيم عباس الأول ابن أخيه طوسون الذي لم يكن يمتلك من الطموحات ولا العقلية ما يؤهله لمواصلة المسيرة، وإن كان يذكر له التاريخ بعضا من الإصلاحات المهمة التي شهدتها البلاد في عصره، ولعل أبرزها أنه استعاد للبلاد هدوءها؛ واستقرارها الذي كاد يودى به في عهد سلفيه، ولكن عصره إجمالا لم يكن محل ترحيب من الكثيرين فهذا عبدالرحمن الرافعي في كتابه " عصر إسماعيل ج1" يقول : "لم تكن له ميزة تلفت النظر سوى أنه حفيد رجل عظيم أسس ملكا كبيرا، فصار إليه هذا الملك دون أن تئول إليه مواهب مؤسسه، فكان شأنه شأن الوارث لتركة ضخمة جمعها مورثه بكفاءته وحسن تدبيره وتركها لمن هو خلو من المواهب والمزايا".." أما المدارس فقد ساءت حالتها في عهده فألغى معظمها، وأقفلت أبوابها بين عالية وثانوية وابتدائية ولم يبق منها إلا النزر اليسير، وكأنما كان عباس يكره العلم والتعليم: فإنه لم يكتف بإغلاق معظم المدارس بل أنفذ إلى السودان طائفة من كبار علماء مصرفي ذلك العهد".


ومن هؤلاء العلماء الذين يرمي إليهم الرافعي في جملة كلامه رفاعة الطهطاوي مؤسس مدرسة الألسن في عهد جده محمد علي والذي استبعده عباس إلى الخرطوم، وكذلك عمل على إبعاد عدد من الأوروبيين الأكفاء ومن أبرزهم "كلوت بك" والذي لا تخفى أياديه البيضاء على تقدم الصحة في مصر.


ومن الإنصاف أن نذكر أن نظام التعليم في عهد عباس وإن بدا هشا إلا أنه قد وجد من المهتمين بالدراسات التربوية من يدافع عنه – وإن كان الدفاع لا يغير من حقيقة الأمر شيئا- من أمثال "دن" الذي رأى ان عباسا كان أكثر إدراكا لحاجات بلاده، ودافع عن إلغاء عباس للمدارس مؤكدا على أن الكتاب المصريين يقيسون المستوى العقلي والتقدم بمجرد عدد المدارس وطلابها ومقدار المال الذي ينفق عليها، أما النوع والكفاية فيهملونهما أو لا يفهمونهما ، وإذا كان النظام التعليمي قد فشل في عهد محمد علي فلماذا إذن يراد من عباس أن يكون كبش الفداء( التعليم في مصر / دن /ص289).


ولكن من باب الإنصاف أيضا ننوه إلى أن محمد علي عندما قلص من عدد المدارس في عهده كان لأسباب اقتصادية في الأغلب، حيث الخسائر التي مني بها في حروبه، أما تقليص عباس لعدد المدارس في عهده فلم يكن لنفس الأسباب حقيقة، حيث قام بالإنفاق على أبواب عدة لم تكن بالمهمة بجانب التعليم حيث قام بإنشاء العديد من القصور، وغيرها من النفقات الخاصة.


وثمة أمر آخر؛ هو أن محمد علي عندما أنشأ نظامه التعليمي لم يكن يهمه من سيلتحق ويفيد منه، بقدر ما كان يهمه من سيكون أكثر قابلية وتفاعلا مع التعليم؛ ومن ثم سيفيد البلاد، لذا جعل جل اهتمامه بالمصريين أكثر من غيرهم ، وذلك ليس حبا فيهم؛ ولكنه رأى بعد تجربة نجاعتهم وقابليتهم أكثر من غيرهم للتعليم (عجائب الآثار/ الجبرتي/ ج4/ص372) ويدل على ذلك أنه عندما أراد أن يتم أنجاله تعليمهم في فرنسا أرسل معهم النجباء من المهندسخانة وغيرهم من أبناء المصريين وقد بلغ عدد أفراد هذه البعثة سبعين طالبا وكان منهم علي مبارك كما ذكر هو ذلك بنفسه، أما في عهد عباس فكان اهتمامه يتجلى أكثر بالأتراك دون غيرهم، وكأنه يرى أنهم خلقوا من طينة أخرى، أو أعلى درجة من غيرهم دون اهتمام كبير بمدى الاستفادة التي ستعود على البلاد من ورائهم، وهذا أمين باشا سامي يؤكد في مؤلفه " تقويم النيل" الأمر نفسه؛ فيذكر أن عباسا كان يمثل الارستقراطية التركية في أضيق حدودها وأشكالها، فطرابيش مستخدمي الحكومة وأزياؤهم يجب أن تكون على مثال ما يلبسه الموظفون الأتراك في "دار السعادة" وعليهم أن يرسلوا لحاهم مثلهم أيضا، وقد عز عليه أن يرى بعض أولاد الترك يتشردون في الشوارع بمدينة الإسكندرية فأمر بجمعهم وإلحاقهم بالمدرسة التي أنشأها لتعليم ابنه "إلهامي" بينما لم نسمع عنه اهتمامه بالمشردين من أبناء البلاد الأصليين.


ولم يتوقف الأمر على ذلك؛ ففي "المدرسة المفروزة" التي أنشأها جمع صفوة أبناء الترك في كمال الجسم وتناسق الخلق، فكان يتفقدهم واحدا واحدا فإذا رأى فيهم من لا يرتاح إلى خلقه، حكم أنه من أبناء الفلاحين وأمر بإخراجه من صفوف الطلبة، وإذا أخذ أحدا من أبناء المصريين فكان يفصله عن عائلته، ويختار له اسما تركيا ويحرم مناداته بغيره، ومن يخالف ذلك من الطلاب يجازى بخمسة وعشرين سوطا، وإن كان المخالف من المعلمين فيحبس تسعة أيام، وكان يؤنب طلاب البعثة المصريين التي أرسلها في عهده إلى أوروبا ويصفهم بأنهم متخلفون "بطباع الخونة التي هي طباعهم الأصلية" ويتهددهم بإعادتهم إلى القرية وتلبيسهم ملابس الفلاحين وسلكهم في فلاحة الأرض، وهذا وغيره كثير مما يقصر المقام عن ذكره كما جاء في دفاتر "مدارس تركي" و "مدارس عربي" المؤرخة لتلك الفترة ( تاريخ التعليم في مصر، عصري عباس الأول وسعيد/ أحمد عزت عبد الكريم).


وأبقى عباس من المدارس ما كان يحتاج إليه فقط، فعلى سبيل المثال هو بحاجة إلى مهندسين لقصوره فليبق إذا المهندسخانة، والجيش بحاجة لمستشفيات فليبق مدرسة الطب، وعندما مرض له حصانان اشتد ألمه، ولم يجد عزاء إلا في إغلاق مدرسة الطب البيطري بعد أن شرد تلاميذها ومعلميها في إسطبل منوف.


وإذا تتبعنا سبيل عباس في نظامه التعليمي منذ بداية حكمه نراه قد بدأه بالاقتصاد الشديد في الإنفاق، وكان على رأس ديوان المدارس حينها إبراهيم أدهم باشا، والذي لم يكن على قناعة بما يفعله عباس، فلم يعد الأمر اقتصادا فحسب كما ظن في البداية فإذا به يرى عباس يأمر بـ :


- نقل مدرسة الطب البيطري إلى منوف في نوفمبر 1848م، ثم يأمر بإلغائها بعد ذلك بشهرين وبضعة أيام.


- فصل المدارس الحربية (المشاة والفرسان والمدفعية) عن ديوان المدارس وإلحاقها بديوان الجهادية فبراير1849م، ثم إلغاؤها بعد ذلك.


- إلغاء المدرسة البحرية في فبراير1849م.


- إلغاء مكاتب المبتديان في مارس 1849م.


- إحالة كلوت بك إلى المعاش إبريل 1849م.


- تحويل المكتب العالي إلى (أورطة) خاصة تمهيدا لتكوين المدرسة المفروزة.


وإزاء ذلك ترك أدهم باشا ديوان المدارس آسفا على ما حدث؛ بعدما كان في عهد سلفيه محمد علي وإبراهيم باشا  الذي كان في خدمته، وعمل عباس على استرضائه وأعاده مرة أخرى لعمله في أكتوبر 1849م ومنحه رتبة المير ميران، إلا أن ذلك لم يغير من الأمر شيئا.


ولم يكتف عباس بذلك؛ بل رأى أن يخفض من ميزانة التعليم مرة أخرى، فعهد إلى "لامبير" بك ناظر المهندسخانة بهذا الأمر، وحاول لامبير أن يرضي عباسا وفي نفس الوقت يقدم مشروعا تعليميا مثمرا، فقلص ميزانية التعليم إلى عشرين ألف كيس من المال – ما يعادل مائة ألف جنيه -  ولكن المفاجأة أن عباسا استعظم ذلك وأراد اقتصادا أكثر وهذا ما أكده علي مبارك نفسه في الخطط التوفيقية (المجلد3).


وفي هذه الأثناء كان قد بدأ يبزغ نجم الشاب الطموح علي مبارك الذي تخرج في المهندسخانة، ثم درس في مدرسة "سان سير" العسكرية في فرنسا، وعاد قبل أن يتم دراسته إبان حكم عباس مباشرة، وقد أظهر نبوغا وكفاءة مما لفت إليه الأنظار وعلى رأسهم عباس نفسه، فقربه إليه هو واثنين من زملائه من خريجي المهندسخانة أيضا، وعرض عليهم الأمر في مسألة الاقتصاد، وأخبرهم بعدم رضائه عما قدمه أستاذهم لامبير، ومضى الوقت بهم دون أن يتفقوا على وضع ميزانية ترضي عباسا، فخاف علي مبارك من فوات الوقت فانبرى يعمل عقله في وضع الميزانية المطلوبة على ضوء قراءته لعقلية عباس. وفي ذلك يقول علي مبارك: " فشرعت وحدي في عملها من غير انتظار لرأي أحد، فعملت لجميع المدارس ترتيبا بلغ مصرفه ألف كيس - خمسة آلاف جنيه – وجعلت أساس ذلك احتياجات القطر لا غير، وأن جميع المدارس الملكية في محل واحد تحت إدارة  ناظر واحد"، ويذكر: "ثم قرأت ذلك الترتيب على رفيقي فلم يوافقاني عليه، فقلت هو عندنا محفوظ فإن لم نعمل غيره نقدمه ليمتنع عنا اللوم"، وكانت المفاجأة  "فاستغربه المرحوم عباس باشا وعجب مما فيه من الأصول المخترعة مع قلة مصرفها، فقال من عمل هذا، فقلت أنا عملته"( علي مبارك / الخطط التوفيقية م3ص44).


وبعدها تم تطبيق الميزانية الجديدة وترقية علي مبارك إلى رتبة الأميرالاي، وصار ناظرا للمدارس، وذلك بعد إقالة إبراهيم أدهم بحجة تقدمه في العمر.


ولكن من عجيب القول، أن بعد كل هذا نعلم أبناءنا الآن في مدارسنا التي هي بأموالنا أن هذا النظام هو الأفضل، وأن علي مبارك نجح فيما أخفق فيه الآخرون، وعلي مبارك نفسه من خلا كلامه يتضح أنه فعله بمفرده وبسرعة خوف فوات الوقت ولإبعاد الوم عنه وزميليه، ولم يأت نتيجة دراسة متأنية، فأي نظام هذا الذي يقلص ميزانية التعليم من مائة ألف جنيه إلى خمسة آلاف فقط، ونقول بعد ذلك بأفضليته ونشيد بوضعه.


في رأيي - لست وحدي بل أظن كذلك كل منصف - أن اللائمة لا تعود مطلقا على علي مبارك فاللوم كله على عباس، فكيف لشاب بسيط قد عانى الأمرين في قريته برنبال ثم ذاق مرارة وشظف العيش بين بدو عرب السماعنة، ناهيك عن سلسلة التعذيب التي مر بها في مدرسة منية العز ومن بعدها قصر العيني ثم أبو زعبل فالمهندسخانة وختاما سان سير في فرنسا، كلها حلقات من المعاناة المتصلة، كيف لشاب مثل هذا أن ينأى بنفسه عن مليك البلاد وحاكمها، ويرفض له أمرا، والدليل على ذلك أنه عندما وكل الأمر إليه هو في عهد إسماعيل، رأينا نهضة شاملة تتم على يديه ولعل أبرزها مدرسة دار العلوم ودار الكتب.. وغيرها من الإصلاحات والكيانات الضخمة التي أنشئت بفضله، وما زلنا نجني ثمارها إلى الآن. فما أشبهه بفلاحة مصرية أصيلة ضاقت الأحوال بزوجها وأتاها بعد طول سعي بالقليل، فإذا بها تحمد ربها ولسان حالها يقول رب أوزعني أن أشكر نعمتك عليّ وأن أعمل صالحا ترضاه، وإذا بها تعمل عقلها فلا تضع مليما من هذا القليل إلا في موضعه، وإذ بنا نفاجأ أنها في نهاية الشهر قد أبقت منه مليمات قد ادخرتها تحسبا لتقلبات الزمان، وإذ بنا أيضا في نهاية المطاف نراها قدمت للوطن طبيبا ماهرا أو مهندسا أو عالما نابغا من هذا القليل، فعلي مبارك من هذا الصنف الذي اعتاد على القليل واعتاد على أن يصنع منه شيئا، ولا يسعني أخيرا إلا أن أقول لهؤلاء الذين زوروا التاريخ اصمتوا يرحمكم الله.