البيت الجديد

20/12/2015 - 10:19:59

حراس القذافى حراس القذافى

أحمد إبراهيم الفقيه - كاتب ليبى

كنت قد عدت للاستقرار في طرابلس إقامة وعملا بعد أن أنهيت سنوات البعثة الدراسية في بريطانيا، وتنازلت عن عرض للعمل في مجال الهندسة الوراثية الزراعية هناك، لرغبتي في أن أفيد بلادي في هذا العلم الجديد الذي سيكون له مردوده في مجال الزراعة وتنمية الإنتاج في هذا المجال، وكان البيت الذي شرعت في بنائه في منطقة بن عاشور، بعد حصولي على قطعة الأرض، وإتمام إجراءات القرض، قد واجه مشاكل كثيرة بسبب وجودي خارج البلاد، وغياب أحد من أهل الخبرة يمكن أن يحل مكاني، فلم يستطع شقيق أصغر مني أن يقوم بإكمال المهمة إذ تعرض لنصب وسوء استغلال، فنفدت أموال القرض، دون أن يكتمل بناء البيت الذي بقى مجرد هيكل يحتاج إلى جهد ووقت وأموال لإتمامه، وفي الوكالة التي جئت إلى صاحبها أبحث لديه عن سكن أكتريه، إلى أن يحين الوقت لاستكمال البيت، سمعته يقول اقتراحا مفاده، أنه توفيرا للجهد والوقت والمال فإنه يستطيع أن يجد من يشتري البيت الذي لم يكتمل في بن عاشور بثمن مجز أتمكن به من شراء بيت أصغر مساحة، أسكن فيه، خاصة وأن هناك دارة جميلة نزلت إلى السوق ينصحني بأن أراها فورا وعلى استعداد لتسهيل أمر شرائها إذا أعجبتني، حتى قبل استكمال صفقة بيع بيت بن عاشور.


    وبسرعة حدد لي موعدا وذهبت إلى حي الزهور في اليوم نفسه لمعاينة البيت، الذي كان فيلا صغيرة من دور واحد على مساحة ثلاثمائة متر، ووجدت نفسي لا أدخل بيتا في بلد ينتمي إلى عالم ثالث مازال يتهجى أبجديات التعامل مع مفردات الحضارة الحديثة، بل تحفة عصرية، تنتمي إلى أرقى وأجمل مرتبة وصلتها أذواق الناس في العالم المتقدم، أثاث تتحول فيه البساطة إلى قيمة فنية جمالية، التحف واللوحات تعطي في مجملها وتكاملها وانسجام ألوانها تكوينا متجانسا متفردا كان لا يكتمل إلا بوجود كل قطعة في المكان الذي وضعت فيه، ولو تحركت من مكانها لأحدثت خللا في بناء وبهاء وحسن هذا التكوين، وكنت وأنا أشعر بالغبطة والدهشة، أشعر أيضا بالأسف لأن هذا الأثاث الذي صنع هذه المادة المبهجة للبصر والقلب، سوف يأخذه صاحب البيت معه، ولكنني بسرعة انتبهت إلى أن أسرار هذا الجمال لا تقتصر فقط على الأثاث ولكن الديكور الثابت والبناء والنسب في البناء والأقواس وشكل النوافذ وأطرها والأرفف الرخامية التي تنبثق عنها وأطر الخشب بنقش الأرابيسك التي تحيط بها هي التي تعطي المكان شخصيته واكتمال ما توفر فيه من رقي في الذوق والتنسيق والترتيب والهندسة.


    كان صاحب البيت موجودا بمفرده لاستقبالي بعد أن أخذ أسرته إلى مكان آخر لكي يعطيني فرصة أن أتامل كل جزء في البيت بحرية، قد لا تتوفر مع وجود الأسرة داخله، ووجدته رجلا على مشارف الخمسين، بالغ الأناقة في ملابسه الكاجوال، التي أجاد انتقاء ألوانها، وكان توفر هذا الذوق، وهذا الحس، في ملابسه، وفي أثاث بيته، وتصميم هذا البيت، ما أوحى لي بأن مهنته هي الفن التشكيلي، ولكنه لم يكن فنانا تشكيليا، كما أجابني، وفي ذات الوقت، ليس بعيدا عن المجال، فهو أستاذ هندسة الإنشاءات بالجامعة، وكانت الجامعة تعيش في ذلك الوقت حالة من الفوضى، أطلق فيها الزمام لمن يسمون باللجان الثورية، يطاردون الأساتذة، ويحتلون مكانهم في إدارة الجامعة، إلى حد تنصيب عمداء ورئيس للجامعة من بينهم، ويجرون انتخابات في الكتاب الأخضر، لزملائهم ومن يفشل في الإجابة يطردونه، ويدمرون مستقبله، فأبديت أمامه أسفي لما تشهده الجامعة من فوضى، وكان الأجدى بالمؤسسات التعليمية أن تبقى بعيدا عن هذا الحراك الثوري والسياسي، ولكن الرجل تبدى مدافعا عما يحدث في الجامعة باعتباره ظاهرة إيجابية، وأن القائد الذي يقود هذا الحراك الثوري لم يفعل ذلك من فراغ، وإنما من قراءة عميقة للتاريخ، وتمثل ما حدث في بلدان التقدم، عندما أدت الثورة الطلابية إلى تغييرات طالت المجتمع في جوانبه العلمية والثقافية والسياسية، وتركت انعكاسها على الإسراع بتحطيم القوالب القديمة، واحتضان القيم العصرية والحضارية الجديدة، وهذا ما يستهدفه الحراك الثوري الطلابي الذي يجعل من المشاركة الطلابية حقيقة من حقائق الحياة، وليست مجرد شعار عاطل باطل كما تفعل الأنظمة التقليدية، والحقيقة فوجئت بهذا الدفاع المستميت على ظواهر بشعة ومتخلفة وبدائية، ورأيته دفاعا يناقض ما أراه في مظهره وما تبدى من ذوق وحضارة في بيته، وصرت أتحفظ في الكلام معه، لأنني اعتبرته عنصرا من عناصر اللجان الثورية التي انضم إليها تسلقا وتزلفا وبحثا عن الترقيات بطرق غير مشروعة، ولم أشأ الاستمرار في المجادلة، بل إنني سحبت كثيرا مما قلت، باعتباري رجلا يوافق القائد على منهجه الثوري في السياسة وتطبيقاته في الاقتصاد والتجارة الذي جاء بنتائجه المبهرة، واكتفيت بذلك دون أن أكمل قائلا، والتي كانت دمارا وخرابا للاقتصاد ولمستوى معيشة الليبيين، واستفحال أزمات السكن والبطالة والعنوسة، وغيرها لأنني صرت أخشى أن يقوم بالتبليغ عني، إن لم أظهر أمامه الولاء الشامل الكامل للنظام الثوري وقائده، وكان صاحب الوكالة قد ذكر لي مبلغا يريده صاحب البيت ثمنا لبيعه، واعتبرته مبلغا مناسبا، فاتفقت معه على شراء البيت، شرط أن يفي صاحب الوكالة بتدبير هذا الثمن، مما سيحصل عليه من بيعه لبيتي غير المكتمل، وصافحته متمنيا له النجاح في عمله الجامعي، وسط هذه الأنواء والعواصف الثورية، والتوفيق في السكن الجديد الذي سينتقل إليه في مزرعة يملكها أهله في ضاحية تاجوراء، وطمأنني صاحب الوكالة أن الموضوع الآن تحت السيطرة، وإتمام الإجراءات، وخلال شهر واحد سأدخل بيتي الجديد، ورجعت سعيدا بما تحقق لي، وما استطعت توفيره من جهد، ووقت، وحرق أعصاب، في البحث عن سكن، بسبب وجود هذا البيت الجميل الأنيق، الذي لم أكن أطمح في الحصول على بيت أكثر منه بهاء، واعتبرته توفيقا من الله، لكي أتفرغ لعملي في مركز البحوث الزراعية، وإظهار نتائج عملي في تحسين سلالات من الخضراوات والفواكه تنتظر هذا العلم الجديد الذي جئت به من دراساتي في جامعة ميريلاند في أمريكا.


    إلا أن حلم الهناء والاستقرار وتكريس الوقت والجهد للبحث العلمي، تبدد في الهواء إثر إخطار من رئيس المركز بأن أذهب إليه في مكتبه ، وهناك وجدت لديه رجلا يرتدي طاقم البذلة الكاملة بثلاث قطع رغم اعتدال الطقس، له صلعة في مقدمة الرأس شديدة السطوع واللمعان، كأن هناك مصباحا يضيؤها تحت جلدة الرأس، قدمه لي بأنه العميد عبد السلام، من ضباط الأمن الداخلي، وأنه لم يشأ أن يصدر أمرا بإحضاري إلى مكتبه، احتراما للمركز وللمكانة العلمية التي أحتلها، وجاء بنفسه للاستفسار عن مسألة أمنية يريدني أن أكون صريحا وشفافا في تقديم إيضاحاتي حولها، وعندما سألته في قلق وانزعاج عن طبيعة هذه المسألة الأمنية، أشار إلى البيت الذي ذهبت لزيارته في حي الزهور، ولقائي بأستاذ الإنشاءات في كلية الهندسة، وذكر اسمه الدكتور المديني، فأكدت له أنني لم أسمع اسم الرجل إلا منه الآن، لأنني ذهبت إليه، وقابلته، دون أن أعتني بمعرفة اسمه، وشرحت له قصة بحثي عن بيت، وذهابي لمعاينته عن طريق الوكالة العقارية، ويستطيع أن يتصل بصاحبها ليتأكد من صدق كلامي، فقال إنه تم استجواب صاحب الوكالة، ولكنه يريد أن يعرف مني مباشرة، إن كان ذلك صحيحا، وأنه سيكتفي بهذه الجلسة على أن نعود للقاء في جلسة أخرى، إذا استدعى الأمر، وتركني في حيرة من أمرى وعما يمكن أن يكون لهذه القصة من تداعيات، وتجنبت الاتصال بصاحب الوكالة للاستفسار منه عن سبب هذا التحقيق، خوف أن يجر الاتصال مزيدا من المتاعب والتحقيقات، تاركا الأمر للظروف وما تسفر عنه الأيام القادمة من جديد، وأن أسلم طريقة هي البقاء في البيت والالتزام بروتين العمل، دون خروج عن هذا السياق، وتجنب الاتصال بأي أحد أو الحديث حول هذا الموضوع مع أي إنسان،لأنني أعرف مدى رعب وشراسة التورط في مثل هذه القضايا الأمنية ذات الطابع السياسي.


    لم تمض سوى بضعة أيام لا تزيد على أسبوع واحد، حتى جاء الإعلان عن مؤامرة ضد الثورة دبرها عملاء المخابرات الأجنبية والصهيونية، وأن محاكمات ثورية جرت لعناصر المؤامرة، أمرت بإعدام ستة من الرؤوس المدبرة، وانتقلت كاميرا التليفزيون إلى ساحة تنفيذ الإعدام رميا بالرصاص في العناصر العسكرية التي تزعمت المؤامرة، وأظهرت لحظة سقوطهم تحت رصاص فرقة الإعدام، ثم انتقلت إلى الخونة الثلاثة المدنيين، وكان أول واحد ظهر منهم وهم يصعدون به إلى منصة الإعدام ويضعون رأسه في الكيس الأسود الذي سيخفي ملامحه لحظة الإعدام، هو مدرس الهندسة الإنشائية الدكتور المديني صاحب البيت المعروض للبيع، وقد ظهر واضح الملامح لا لبس ولا غموض في صورته، كل ما حدث أن بياض الوجه وإشراقه تحول الآن إلى وجه يميل إلى السواد، كانت الأيام السبعة الماضية ذرت فوقه رمادا أبدل إشراقه إلى عتمة.


    أحسست بفجيعة المصير الذي آل إليه رجل له كل ذلك الذوق والحس الجمالي والحضاري، وتأسفت لأنني حسبته على لجان التزلف والنفاق والثورة، بينما كان في تلك اللحظة يضع غطاء يداري به شخصيته التي تمتلئ نقمة على النظام، ولم يقل كلامه الذي رأيت فيه دفاعا عن كوارث النظام، ورئيسه إلا خوفا من التسجيلات التي ترصده، وربما رآني شخصيا أحد الذين جاءوا لاستدراجه كي يلعن النظام، فكان لا بد أن يقول كلاما لا يفضح شخصيته، ولا يشي بميوله المعادية لما يحدث في الجامعة بل وما يحدث في  كل البلاد، وها هو المسكين يقدم حياته فداء لما يؤمن به، عليه رضوان الله.


    صرفت النظر بطبيعة الحال عن شراء ذلك البيت، بل وشراء أي بيت آخر، واتصلت بجامعة ميريلاند لأعرف إن كان العرض مازال قائما، فشاءت ربات الحظ السعيد أن يكون العرض موجودا والوظيفة بانتظاري، لم تذهب إلى أحد غيري، فلم أنتظر حتى ترسل الجامعة تذاكر السفر لي وعائلتي، وإنما قررت شراء التذاكر، والسفر حال أن أجد حجزا في الطائرة التي تقلني مع العائلة إلى هناك، وودعت طرابلس ومركز البحوث الزراعية، وآمالي في إحداث تطوير في السلالات الليبية لأشجار الفاكهة وأنواع النباتات التي تتصل بالخضار والزهور وغيرها، لأنني صرت على يقين بلا جدوى أي عمل في هذه البلاد تحت هذا النظام، سافرت وفي قلبي حسرة على الرجل الليبي الحضاري الذي لقي حتفه إعداما، وأيضا على ضياع ذلك البيت الجميل من يدي، الذي رسمت له في ذهني، صورة بيت الأحلام الذي سيكون مستقرا لي ولعائلتي داخل الوطن، إلى آخر العمر.