الحقيبة

20/12/2015 - 10:14:12

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

انتصار السري - كاتبة من اليمن

    وصلت محطة القطار باكرا. هكذا قيل لها، قبعت على أحد المقاعد، عيناها تجولان وتسجلان ما يدور حولها، تشعر بألم لأنه لا توجد في اليمن قطارات.


    تضم حقيبتها إلى صدرها، في الجهة الأخرى من السكة ينتظرها خالها المقيم في الإسكندرية، تفكر بلحظة لقائها به.


    دون إرادة منها تنهمر دموعها، تكابد غصة تمزق حلقها، تطارد مخيلتها بقايا صور لما كان يسمى منزل وعائلة، لم يبقَ منه غير أطلال تداخلت في بعض.


   يد تمسك بها، تشدها، صوت يقول لها:


ـ هيا أسرعي، اهربي سوف يسقط الصاروخ الثاني.


    ساقها تخوران تسقط على ركام الجثث من بينها يد لمع خاتم زواج فيها، قدرت أنه لوالدتها، حملتها، فتشت بين الحطام عن أنامل كانت تداعب بفراشتها ألوان علم بلدها، وأخرى تعزف لحن وطنها، كانتا لإخوانها، من بين الأشلاء عثرت على قدم والدها تقف صامدة، لملمتها وضعتها في حقيبتها، وعدت نفسها بإعاده خلقها.


    ما زالت اليد تشدها، تحثها على النهوض، هناك لمحت ألبوم صور احترق أغلب صوره، حملته معها.


    غادرت يجرها حارس منزلهم خارجا من حطام، استودعت نفسها روح عائلتها، في الشوارع كانت الجبال تنثر حجارها المتطايرة من عنف القصف، تسرق أرواح من تصادفهم في طريقها، هي تجري شعثاء الشعر ممزقة الثياب، عيونها لا ترى سوى صدى الموت وأذناها لا تسمعان غير عواء الخوف، والراعب ينهشها.


    في محطة القطار تشتد حركة الناس ذهابا وإيابا، صوت صافرة القطار تعلن بدأ رحلتها، أعادت ما تبقى من ذاكرة أشلاء وصور محترقة إلى جوف حقيبتها، وقفت تتهيأ لصعود القطار...