تدمر في زمانها الجميل .. ساحة فتنة لأربع نساء

20/12/2015 - 10:13:26

مشهد عام لأعمدة تدمر الاثرية مشهد عام لأعمدة تدمر الاثرية

عرفة عبده علي - كاتب مصري

   وحشية لم تعرفها الإنسانية فى تاريخها، هى دستور هذه الجماعات الإرهابية التي تستهدف دمار الأمة وزوال تاريخها وفناء حضارتها، اجتاحت بلاد الرافدين ودمرت مواقع أقدم تراث إنسانى ومتحف بابل بما يحتويه من كنوز، ثم اجتاحت سوريا ودمرت أيضا عددا من الكنوز الحضارية والمساجد الأثرية ووصلت إلى مدينة "تدمر" التاريخية فدمرت معبد "بعلشمين" ومعبد "بل" وعددا من الأعمدة الأثرية الشهيرة، ثم فجرت "قوس النصر" أو قوس هادريان فى أكتوبر 2015، كما تم ربط عدد من الأشخاص فى ثلاثة أعمدة وتفجيرها يوم 27 أكتوبر 2015!


        "تدمر" من أقدم المدن الأثرية فى العالم، تقع على نحو 215 كيلومترا شمالي دمشق، حملت الطابع الإغريقى بأبنيتها الملكية وأعمدتها الكورنثية وأبوابها وقوس النصر والمسرح والمدرج والساحة العامة وقصورها ومعابدها خاصة معبد "بل" إله الشمس وحامى المدينة الذي يبرز فى النقوش والمنحوتات التدمرية، وكان هذا المعبد هو الأشهر فى الشرق القديم، بالإضافة إلى تماثيل "زاخوس" إله الخمر و"عشتار" إلهة الخير، والشارع المستقيم الذي تحفه الأعمدة الأثرية ويمتد لعدة كيلومترات، ثم قلعة ابن معن وسبيل حوريات الماء ومجلس الشيوخ والحمامات العامة. وكان يمر بها طريق الحرير التاريخى، واشتهرت "زنوبيا" ملكة تدمر أكثر ملوك الشرق قوة وثراء، والمدافن الملكية غاية فى الفن والبراعة، وكانت تزين بالورود وأعدت مصاطب للجلوس فى رحابها وكان يطلق عليها "منازل الأبدية"! وكانت تدمر واحة غناء تنتشر فيها بساتين الفاكهة تحيطها أشجار النخيل وكان أكثر أهلها ـ خلال القرن العشرين ـ يعملون فى إرشاد السياح وخدمتهم! كانت مملكة عظيمة نافست روما عاصمة الإمبراطورية الرومانية، وفى عصرنا الحديث اجتاحتها ودمرتها جحافل الجهل والتخلف والظلام!


الليدي ستانهوب في تدمر


        كان النموذج الكامل للرحلة فى أدبيات الغرب هو ما أطلق عليه "الحج إلى الصحراء" فقد كان الأدباء والرحالة الفرنسيون بصفة خاصة يعدون زيارة الصحراء "فضاء أدبيا وجماليا" فأبدعوا فصولا رائعة فى وصف الصحراء العربية وفى وصف البدوى وحياة البادية.


        فى ربيع عام 1813 التقت "ايستر ستانهوب" محمد على باشا الذي أهداها فرسا عربية أصيلة، وانتقلت من شواطئ مصر وسيناء إلى فلسطين ولبنان حتى وصلت إلى بلدة "دير القمر" ثم قررت الرحيل إلى سوريا، وتجولت فى ربوع دمشق قبل أن ترحل إلى حماة، كانت قد اعتادت لغة البدو وملابسهم وتقاليدهم بالإضافة إلى حبها للمغامرة وطبيعتها الجسور. وقد قررت أن تحقق حلمها برؤية "تدمر" فرحلت إليها برفقة الشيخ ناصر بن مهنا أحد أمراء البادية ومعها د. ماريون وخادمتها مسز فراي وخمسة وعشرون فارسا، واثنان وعشرون جملا تحمل خيام الشعر والأمتعة والحطب والأرز والطحين والتبغ والبن والصابون وحدوات الخيل!


    وصلت إلى تدمر بعد خمسة أيام، وأقاموا لها "خيمة الشعر" أو "الخيمة السوداء" كما سماها الرحالة الأوروبيون، تحيط بها عدة قبائل عربية توجتها "ملكة على تدمر" تحت قوس النصر ولعب أمامها فرسان تدمر لعبة الغزو والجريد بين طلقات الرصاص وزغاريد النساء، ثم مضت فى طريق الأعمدة إلى معبد "بل" تحيط بها بنات تدمر يحملن باقات الزهور ويرقصن الدبكة! واتفق شيوخ القبائل على أن كل أوروبى يسمح له بزيارة تدمر لا بد له أن يحصل على "تصريح" من الملكة مقابل ألف قرش عثمانى! وداومت على زيارة آثار تدمر ودراستها.


        وتسجل المصادر التاريخية أن "البتراء" كانت مركزا مهما للتجارة والرخاء منذ أواخر القرن الأول الميلادى إلى أن بدأت فى الانحدار مع صعود نجم "تدمر" التي أصبحت مركز التجارة الأول فى المنطقة والطريق الرئيسى للقوافل. وكتبت ستانهوب فى مذكراتها : "سمات المكان لن تعجز عن التأثير فى أعماقك، فالبتراء شعلة وردية فى صحراء من الصخور، أما تدمر فحجارة ذهبية وسط حقول خضراء بالإضافة إلى الجمال الهادئ الذي تتمتع به".. وكتبت أيضا "ها هى تدمر. بقايا المجد القديم والأعمدة الشامخة، عرض رائع للأعمدة الكورنثية والتي تكاد تتطابق مع مثيلاتها فى المدن الإغريقية – الرومانية".. ووصفت جلسات السمر فى ضوء القمر. وتمنت "لو يراها قومها فى لندن وهى تتوج ملكة على تدمر"!


        عاشت ستانهوب تنعم برفاهية الشرق، يحيط بها حاشية من العرب، فى أجواء من العلاقات الودية والسياسية مع السلطان العثمانى وأمراء الدولة وكبار شيوخ الصحراء فى الشام والعراق. هكذا عاشت الليدى ستانهوب "حلما أو وهما" أن تحكم إمبراطورية شرقية عاصمتها "تدمر"! والتي كانت تردد عنها دائما "ليس فى بادية سوريا سوى تدمر واحدة كما أن السماء ليس فيها سوى شمس واحدة"!


جين.. عصفورة الصحراء


        الليدي "جين دجبي" صاحبة أشهر صالون أدبى فى باريس فى ثلاثينيات القرن التاسع عشر، ارتاده أعظم الأدباء: فيكتور هوجو، ألفريد دى موسييه، شوبان، جوته، بلزاك الذي أطلق عليها لقب "عصفورة الصحراء" وكان يقول لها دائما "كأنك يا صديقتى تنتمين إلى الشرق"! لبت الليدى دجبي نداء الشرق، وبدأت رحلتها من بيروت واخترقت قافلتها بادية الشام فى طريقها إلى "تدمر" وكان قائد القافلة الشيخ "مجول المصرب" شيخ عشيرة "السبعة" التي كانت تسيطر على الطريق من حمص ودمشق إلى تدمر، وتتكفل بحماية المغامرين والرحالة الأجانب. ووصف بعضهم الشيخ مجول بأنه "كان فارسا بدويا رشيقا وسيما نبيل الشمائل، يتحدث الفرنسية والتركية ويعرف البادية وآثارها كالنسر المحلق ويبرع بالحديث".


        وفى الطريق إلى البادية، كانت الليدى والشيخ مجول يتقدمان القافلة ويلهوان بالطراد والقنص، ويقص عليها حكايات البدو والبادية وعجائب الآثار، ونمت بينهما مشاعر الإعجاب الذي تحول إلى حب جارف! وطلبت الزواج به فرفض فى البداية، وبعد مشاورات ومداخلات قبل الاقتران بها بشرط أن تعيش حياة البادية بكاملها، وتزوجته على طريقة البدو أمام شيوخ العشيرة، وزفت إليه فى مراسم عرس بدوية بين الأهازيج وعروض الفرسان. عاشت خمس عشرة سنة فى البادية مطيعة لزوجها "تغسل له قدميه وتحلب النوق وتعتنى بالخيل وتكنس خيمة الشعر وتداوى المرضى"!.. وكانت العشيرة بأجمعها وبدو الصحراء عامة يحبونها ويقدرونها واشتهرت بينهم بلقب "أم اللبن" لشدة بياض بشرتها!


        وبعد موافقة الشيخ، شيدت دارا فى حى "مسجد الأقصاب" بدمشق، كانت أشبه بالقصر، وتحدثت المصادر عن سيرتها المتألقة فى دمشق، حيث كان يجتمع بقصرها الأمراء ورجالات دمشق وشيوخ القبائل والقناصل.


        ودونت "عصفورة الصحراء" انطباعاتها فى تدمر، فكتبت: "ممرات عظيمة تحف بها الأعمدة الرومانية الكورنثية البالغة العظمة، رؤوس بعضها مهشم وبعضها الآخر مزخرف بتيجان. ترنو إلى السماء فى شموخ وتمرد عنيد ضد أهوال الزمن. وتدرجات غير منتظمة من الحجر وكتل جرانيتية ضخمة، أبنية بالغة القدم وبوابة حجرية (قوس النصر) وتلال جميلة مكسوة بشجيرات خضراء، وواحة تزدان ببعض أشجار النخيل والتين والمشمش والشعير الأخضر تحيط بها صحراء تمتد بلا حدود، تتناثر فيها بعض الشجيرات والنباتات البرية. بإمكان أى إنسان أن يضجع على الأرض اليابسة النظيفة أو الرمال الناعمة المتوهجة بضوء الشمس. فى هذه البقعة من العالم: سلام من نوع خاص! وعظمة المشهد لا يمكن أن تمحى من الذاكرة"!


الليدى إيزابيل الحالمة بتاريخ زنوبيا


        الليدي "إيزابيل برتون" قرينة العالم والدبلوماسى والرحالة البريطانى الأشهر ريتشارد بيرتون، الذي عمل قنصلا لبريطانيا فى دمشق بين عامي 1869 و1871. كان صالونها مقصدا لولاة الشام وشيوخ القبائل والأدباء والمثقفين والرحالة. كانت "تدمر" محور اهتمامها وأحاديثها، قررت الرحيل إليها، وانطلقت قافلتها في العاشر من مارس 1870 إلى "دوما" بضواحى دمشق ومنها إلى "سهل قطيفة" ثم إلى منطقة "جيرود" وغيرها من المدن والمناطق التي تتداولها وسائل الإعلام اليوم. استمرت الرحلة ثمانية أيام حتى بدت لها آثار تدمر. كانت إيزابيل حالمة بسحر الشرق وتاريخ الملكة زنوبيا "رمز الشجاعة لكل امرأة فى العالم".. وكتبت فى مذكراتها: "بدت أعمدة تدمر أشبه بكوكبة من الفرسان تسير على نسق واحد فى منظر مدهش، قد تبدو من بعيد مخيبة للأمل ثم شيئا فشيئا تسمو وتتألق بنور الشمس، الأطلال راسخة عملاقة متفردة فى كبريائها، جميلة، رائعة، كأن الجن الذي شيدها لسيلمان النبى لا يزال يعيش فيها"!


        وصعدت إلى قمة أحد الجبال المطلة على المدينة حيث قلعة ابن معن التي تشرف على أطلال فى سهل فسيح نحو الشرق تحيط بها بساتين النخيل. ثم هبطت عند المساء ورغبت في التجول وحدها بين المعابد وأروقة المعابد فى ضوء القمر، فهذا المكان بالنسبة إليها هو "الأنسب للتأمل واستحضار التاريخ وعظمة تدمر فى عهد الملكة زنوبيا"!


الليدي بلنت.. عاشقة البادية!


        الرحالة والأديبة البريطانية الليدي "آن بلنت" حفيدة الشاعر اللورد "بيرون" تميزت بشخصية جذابة، وهى سليلة عائلة نبيلة توارثت العلم والأدب، ومؤلفاتها عن بلاد الرافدين ونجد والقبائل العربية تمثل إضافة متميزة فى أدب الرحلة. عشقت "آن بلنت" الصحراء واعتبرت أن "الحرية لا تتمثل إلا فى البادية دون العالم كله"! قررت وزوجها العالم والمستشرق "ويلفرد بلنت" القيام برحلة إلى بلاد نجد، فى السابع من ديسمبر 1878 قضت نهار ذلك اليوم بصحبة الليدى "دجبى" وزوجها مجول المصرب الذي كتبت عنه: "هو رجل راق مهذب، أعطانا الكثير من النصائح المهمة حول رحلتنا".. قاد صديقهما البدوى التدمرى محمد عبد الله العروق رحلتهما من دمشق إلى "حائل" بشمال جزيرة العرب.


        قررت الليدى بلنت أن تمكث عدة أيام فى مدينة تدمر وكتبت "ها نحن فى الصحراء. صحرائنا. هنا نشعر بالألفة التي لا نجدها فى المدن".. وصفت معبد "بل" وقوس النصر والأعمدة الأثرية، بالقرب منها لم يبرح خيالها مشهد صفوف المصلين فى صلاة العشاء "جمعتهم أخوة الإسلام من الطبيب الذي ارتدى معطفا من الفراء إلى راعى الإبل فى ثيابه البالية، وصدى اسم الله يتردد عبر الأروقة المعمدة وتتوحد الحركات فى صمت وخشوع"!


        نزلت الليدى ورفاقها فى دار تضم ثلاث أسر، كان الرجال غائبين عنها، بعضهم حمالون فى الأسواق والبعض يرعى قطعانا من الخراف والماعز، وكتبت: "استقبلتنا نساء الدار بالترحاب ودعوننا للجلوس وتناول القهوة ـ قهوة ممتازة لم نذق مثلها ـ وبعثن بطفلة من بناتهن لجلب الإبل من الخارج كى تنظر إليها، فقامت الطفلة بهذه المهمة ببراعة لا تقل عن أمهر رجل" وأشادت الليدى بالكرم العربى فى أكثر صورة بساطه وشاعرية وأضافت: "عادت الطفلة لتجلس على البساط، كانت تنظر إلينا فى فضول، بينما يكتسى خداها بحمرة طبيعية مع ابتسامة جميلة ثم ترفع عينيها الزرقاوين لتعبر عن دهشتها الساذجة من هؤلاء الغرباء"!


        وصفت الليدى بلنت جلسات السمر فى ضوء القمر الساحر: "وقد انتظم البدو فى دوائر تلقائية، أشعلوا النار لإعداد القهوة المرة مع قليل من التمر"، وأفادتها ثقافتها الموسوعية عن أنساب الخيل وأنساب القبائل وبطونها وفروعها، والأساطير العربية والأدب العربى ـ وهى التي ترجمت المعلقات إلى الإنجليزية ـ فى هذه السهرات القمرية وعلى حد تعبيرها "وسط مشاهد شرقية فى واحة فريدة رومانسية يعلق سحرها بالنفس كما يعلق بالنخيل والآثار والذكريات"!