« فضاء » جمال مليكة .. رحلة البحث في روح العالم

20/12/2015 - 10:12:19

جمال مليكة جمال مليكة

شذى يحيى - ناقدة مصرية

    عندما سئل سيزان عن مضمون أعماله رد قائلا إن ما أحاول أن أترجمه لكم لهو أشد غموضا ويتشابك مع أصول الوجود ذاتها، ومع منهج الإحساسات الذي لا يمكن لمسه. ولعل هذا هو السبب الذي أراد من أجله سيزان أن يكون فنانا، فترى لماذا أراد جمال مليكة أن يصبح فنانا تشكيليا؟


    إن سألت مليكة هذا السؤال سيحكي لك حكايته عندما كان صغيرا ومروره المتكرر على ورشة النحات زوسر مرزوق وقطع الطين التي كان يحصل عليها منه ليلعب بها ويعيد تشكيلها، وعن رحلته مع الأصدقاء كل يوم جمعة للهرم ومناجاته المتكررة لتمثال أبو الهول، وحلمه أن يصنع يوما تمثالا في حجمه، وتشجيع حامد ندا وغالب خاطر وراغب عياد له في مدرسة الموهوبين. ولكن هل كانت هذه هي الحقيقة؟!


    الحقيقة التي وراء هذه الحكايات أن ما دفع مليكة ليصبح فنانا تشكيليا هي تلك الرغبة الخفية التي دفعت الفنانين منذ بدء الخليقة ليبدعوا فنهم، هذه الحقيقة هي ذلك الشعور بأنه الوحيد الذي يدرك العالم، وأن لديه القدرة الجسدية والمادية ليجعلنا كمتلقين ندرك هذا العالم معه، وبعينيه ويده ورؤيته، وبإيمانه بأنه يستطيع أن يضيف لنا نظرة جديدة لوجودنا، يعطينا شكلا جديدا للواقع الغائب عنا حالة من التكامل بين الإدراك العقلي والروحاني، بين الرائي والمرئي في حركة دائرية متصلة تهدف إلى جعل الوجود الخارجي الكبير جدا والمتشتت وجودا داخليا حاضرا برمته في عين الرائي، والوجود الداخلي المحصور في داخل حيز النفس وجودا خارجيا لا محدود في حركة جدلية عبر الزمان، وتتجاوز أيضا حدود المكان والمحسوس والمرئي، الفنان فقط هو صاحب تلك القدرة العجيبة على إقامة دعائم الوجود في الوسط الإنساني.


    ومليكة ببساطة ككل فنان يحمل عالمنا في خلجاته وأعماله تحول العالم المفروض علينا إلى عالم يقيمه هو وهذه هي الإجابة الحقيقية عن السؤال الخاص برغبة كل فنان في أن يصبح فنانا، أو كما يقول موريس ميرلوبونتي "إن المصور يعي بفضل جسده بفضل حلوله في جسده وبفضل حلول جسده في العالم". مليكة يعي هذا تماما ويستغل لحظة الوعي هذه وهذه الشعلة تماما في إنتاج أعماله الفنية، ولذلك يأتي حرصه على انتهاج أسلوب التعبير المباشر اللحظي في إنتاج لوحاته حتى لا تتغير اللحظة الزمنية التي يتصل بها مع الوجود الخارجي والداخلي وتتغير حالته الجسدية والفكرية، وهذا نابع من وعيه بأن الفن هو أسلوب حياة وعمليتا انعكاس وخلق غير منفصلتين تحملان في طياتهما ثقافة الأزمان الماضية مع عدم إغفال الحاضر الذي يعيشه، هو مدرك تماما أنه شريك في حركة الكون والتاريخ كمرآة وكمحرك في ذات الوقت، وبفنه هذا وككل فنان يسعى مليكة إلى الكشف لمتلقيه عن روح العالم، تلك الروح التي تحرك الكون بشكل خفي، وتدفع بحركة التاريخ للأمام، ويظهر اللاشيء "العدم" هنا ليس على أنه الوجه المقابل اللامحدود للكائن بل ينكشف بصفته منتميا لكون الكائن، أو كما قال هيجل  "الكون الخالص والعدم الخالص هما إذن الشيء نفسه"، فالكون والعدم متلازمان، لأن الكون ذاته في ماهيته نهائي ولا يتجلى إلا في تعالي الكينونة على الكائن وتعرضها فيما وراءه للعدم، والكائن يحتوي من الواقع بقدر ما يحتوي من العدم وكانعكاس للفراغ فإنه يمكن اعتبار العدم كائنا في حد ذاته، بل هو الكائن بسبب نقائه، ولا وجود للواقع إلا في قلب الصيرورة وعبرها الناجم عن الفعل السلبي وشمولية قلب الكائن والعدم، وهذا التناقض هو المحرك للعلم والفكر، وهذا الجدل هو أساس التموضع التدريجي للروح الإنسانية التي يرى هيجل أنها دائما في حالة حركة، فالروح لا تستريح أبدا، إنها دائما تتقدم، وقد لا تشغل كل هذه النظريات مليكة ولكنه يعيها جيدا يعي تماما أمرين:


    أولهما أن قوام الفن الحقيقي هو الحس، والثاني أن مهمة الفنان أن ينتقل من لحظة الجزئي إلى لحظة الكلي من خلال العلم الحقيقي، وهو العلم الذي بلغته الإنسانية على تنوع أجناسها وشعوبها عبر أزمنتها، وقد كتب الناقد أسامة عفيفي في الفقرة الأخيرة من تقديمه لمعرض "المراقب" الذي أقامه مليكة العام الماضي: "أعتقد جازما أن هذه التجربة ستفتح لجمال مليكة أبواب مرحلة فنية ملحمية جديدة تتجلى فيها قدراته وموهبته وواقعيته، ليقف أكثر صلابة عند الخط الفاصل بين الوجود والعدم"، وهذا ما حدث فعلا وتحققت النبوءة في معرضه "فضاء" الذي أقيم في مركز الجزيرة للفنون بالزمالك (من 4 نوفمبر حتى 18 نوفمبر 2015)، فقد ظهر تماما مدى نضج وتبلور تجربة مليكة التي بلغت ذروة عطائها فكريا وحسيا ومعرفيا وظهر تماما مدى قدرته على أن يعبر في أعماله عن تلك الحالة من الديالكتيك المعرفي التي تشمل أصل العالم في جدليته، والثقافة الكونية في انبعاثها، وتحقق الوعي الجزئي بكل معاناته وكشوفه، فتبدو أشكال مليكة في لوحات هذا المعرض منفتحة لها خطوط منطلقة في حركة أشبه بالطيران الذي لا تخطئه العين، لتقيم علاقات بينها وبين الفراغ المحيط بها، وتظهر وكأن أجسادها تتحلل بعيدا عن كتل الجسم الكلية، في محاولة منها للتمسك بأهداب العالم.


    ففي لوحة "العناق" يباغتك توغل الشكل في الزمان والمكان، ليبدو المشهد كأنه حالة عناق كونية فوق مادية، حالة من الحرية في ترك الكائن يكون، في أن يقبل على المجال المنفتح الذي يمكن أن يتجلى فيه كل كائن، ففي ترك الكائن ليكون تحدث الحقيقة وهي كشف الكائن. أما أعمال جمال مليكة البارزة أو مشاهد الحيوات المتراكبة ـ كما يحلو له أن يسميها ـ بألوانها المستمدة من الأثير والغبار وعناصر الذهب والفضة الرامزة للخلود، فقد تمكن فيها مليكة مما أطلق عليه روجيه جارودي في كتابه "واقعية بلا ضفاف" اسم "القواعد الفكرية العميقة للفن الروماني المسيحي"، أي قانون الحد الأقصى من الارتباط المعبر عن العلاقة بين الكائن "الكائن في حالتنا هذه هي البيوت التي  كان ينظر إليها من أعلى بمنظور عين الطائر، ويشاهدها بكل عشوائيتها وعيوبها، كأنها أجزاء من أجساد بشرية. بيوت أنسنها مليكة وأعطاها حياة ساكنيها وأرواحهم "والخير الذي يتحرك فيهم ويبدو ترابط أشكال البيوت  الملتصقة معا في كتلة متماسكة كما لو كانت تخضع لقانون جاذبية خاص بها، وقانون الحركة المتصلة المتمثلة في الخطوط المتداخلة دون أن يتوقف أحدها في فراغ فالكل يتداخل هنا معا، وخطوط القوى تستمر وتفرض على أنظارنا دورة لانهائية، دورة تؤكد أن الفراغ الذي نشعر به ونحسه هو الحقيقة الوحيدة التي نعرفها ولكنها حقيقة جدلية لأننا لا نستطيع أن ندرك ما هو أكثر منها، حتى في عمله التركيبي الذي هو ذروة محاولاته لاكتشاف المطلق والاشتباك معه ـ من خلال الكتلة والفراغ والغائر والبارز والوحدة والتنوع والذي يتبدى فيه ولعه الأكبر بفكرة الربط بين السماء والأرض ـ يبدو اهتمامه الأكبر في إيجاد العلاقة بين الكتل والأجسام والفراغ المحيط بها من خلال طبقاتها وبروزها ورغبته في اكتشاف الفراغ المجهول من خلال ذلك الثقب الذي ينغرس فيه رأس القطعة الفنية، محاولا استكشاف المجهول ونقله للجمهور الواقف تحته، وربط تلك الكرات أو العوالم المتشظية مع ذلك العمود الذي هو بمثابة الرابط بين الصاعد والهابط بأرضية من حبات الرمل الصفراء المكون الأساسي لنسيج المادة، كأنه يحاول إيجاد رابط بين ما هو روحي وما هو مادي.


    أما أبو الهول، فهو أسطورة مليكة الصرحية التي تجمع بين قدرته على اللعب بالملمس والخط الخشن وتضاده مع الخط اللين، وسط تهشير وتقشير يبدو كأنه طبقات وطبقات من الزمن أو أجزاء حكايات من أزمنة مرت على هذا الكائن الملحمي فأعطته وجها من الموزاييك الكوني،  فأبو الهول هنا هو صاحب الوجود الداخلي المحصور في حيزه، ويتصارع مع الوجود الخارجي الممثل بالفراغ حوله هذه المرة في جدلية أزلية، لأن أبو الهول هو رمز مليكة الأمثل، أيقونته الذروة التي اختزل بها ترجمته لكل الشفرات، هو اشتباكه الأقوى مع أصول الوجود ومنهج الإحساسات الذي لا يمكن لمسه كما عبر سيزان.


    أبو الهول مليكة الذي يتغير ويختلف في الشكل واللون والتكوين هو مفتاح تجربته الذي يواجه به تيارات الاغتراب، ويربطه بالجذور، بأصله وتراثه وعالمه الخاص المكتفي المتوحد معه والمعبر عنه، فيه تشعر بإيقاع عالم يحمل في داخله الاكتمال ونغمية موسيقى الروح، فيه حل للغز الوجود كما يراه.


    معرض "فضاء" يعيد إلى الذهن كلمة قدم بها الراحل كمال الملاخ مليكة في معرضه الأول بالقاهرة قال فيها: "في الخيال الثائر بكل إبداع، أعمالك الفنية تذكرني وتنقلني للتو إلى أجواء أساطير الحضارة وعوالم الإيمان".