عرض « غيبوبة » .. فعل شبه مسرحي فاضح يهين الشهداء

20/12/2015 - 10:11:21

عرض غيبوبة عرض غيبوبة

محمود الحلواني - كاتب مصري

لم يصنعوا عسلا، للأسف، فضيعوا علينا لذة الاكتشاف والتحذير من أنهم يدسون السم في العسل.


لم يعبئوا مادتهم في زجاجات، لم يصنعوها على هيئة أقراص، فعز علينا تحذير القاطن في دير النحاس، أن: "يا أحمد إبراهيم، لا تشرب الدواء الذي أرسلت ابنتك في طلبه.. الدواء فيه سم قاتل". فقط هو السم، قدموه لنا دون قناع أو تورية.


نعم، أتحدث عن عرض "غيبوبة " الذي يُقدم حاليا على مسرح السلام بالقاهرة، بعد أن انتهى من جولته المظفرة في الإسكندرية، وواصل فتحه المؤزر في أسوان، مندوبا عن وزارة الثقافة المصرية، لتنمية الوعي الثقافي والحضاري لدى أولادنا في جنوب الوادي، أولادنا الذين حرموا ـ يا عيني ـ من التنوير، وذلك ضمن المشروع القومي الرائد "صيف ولادنا"!


ليسمح لي المؤلف محمود الطوخي، والمخرج  شادي سرور، بأن أنسب العرض أولا للممثل أحمد بدير، ليس لأنه الأكثر نجومية وشهرة، والعياذ بالله، ولكن لأنه المسؤول الأول ـ حسب تقديري ـ عن فساد الطبخة، وسوء منظرها، حتى بات من المستحيل عليها، أن تقدم نفسها بوصفها عسلا، يمكن دس السم فيه، كما بات من المستحيل أن يحسبها الظمآن ماء.


أعرف المخرج شادي سرور، وشاهدت له عروضا جيدة، لذلك أدرك تماما أنه غير مسؤول ـ كتقني إخراج ـ عن وفاة الإيقاع في العرض، ألف رحمة ونور عليه، ومع ذلك لا أُبَرِّئه تماما، حيث أراه وقد ترك لبدير الحبل على الغارب، وقد  قرر الأخير ـ مستغلا كونه النجم ـ أن "يسوق" بنفسه؛ فيتوقف بالعرض على مزاجه، ومتى أراد، مرتجلا فواصله المملة التي لم تتعد كونها تهريجا ثقيل الظل، والتي تفتقد تماما  إلى الوعي بتقنيات وأساليب الكوميديا الحديثة، التي يتقنها الشباب الآن، ويصنعونها  في مسارحهم الفقيرة.


لم  يدرك أحمد بدير أن ما يحقق الحضور الجيد له ـ ولأي ممثل ـ  هو التزامه بأداء شخصية درامية تكون مكتوبة جيدا، وأنه بمعزل عن  تلك الشخصية  يصبح عاريا تماما، لا حول له ولا قوة، كما بدا هو ـ تماما ـ في العرض!


لا يمكنك أن تعرف كم من النص ينتمي إلى مؤلفه محمود الطوخي،  وكم منه ينتمي إلى أحمد بدير، بسبب كثرة الخروج الواضح للممثل عن النص، دون ضابط من نص، أو رابط من مخرج. التفاصيل كثيرة، وأقل شأنا من أن أذكرها، ولن أسمح لنفسي ـ احتراما للقارئ ـ  بتكرار الشتائم التي برع النجم في حشو العرض بها! كما لن أقص عليك دراما "الشبشب"، والباروكة، والتحرش "بالمزز"، ومعاجم ألفاظ "التعريض" التي شغلت حيزا معتبرا من زمن العرض، أقصد وقت الناس المحترمة التي تريد أن تلحق بآخر باص.


لا أظن أن نص الطوخي  يحتوي على هذا الكم من الشتائم التي أطلقها بدير، وراح يبدرها هنا وهناك، على سبيل الكيد السياسي، والرغبة في استدرار الضحك! ولا أتصور أيضا أنه يحتوى على كل هذه المشاهد الطويلة، المرتجلة، من التحرش بالعناصر النسائية،  والتي افتعلها الممثل.


عرض "غيبوبة"، بسبب خروج بدير عن النص، أيا كان رأينا في وجهة النظر التي يطرحها النص، يدفعك إلى الاستخفاف به، واعتباره مجرد "هرتلة شعاراتية" ثقيلة الظل، مبتذلة. استمد خطابه من "المعجم البذيء" الذي يحتوي أسوأ ما ارتجله المصريون، من ألفاظ وسلوكيات، وقيم عشوائية، في ظل سنوات التنطع والفساد السياسي، والتهرؤ الاجتماعي، الذي ساد في الأربعين سنة الأخيرة.


أقبل التفاهة، والخفة، والإضحاك من أجل الإضحاك، نحتاج إلى ذلك كثيرا، كنوع من "الترويح الكوميدي" الذي بات يشكل ضرورة ملحة، لمواجهة حياتنا الكئيبة، والمأساوية، التي نحياها، وكأنها باتت قدرا. أقبل ذلك ولكني لا أتحمل أن تقدم لنا تلك "الطبخة" نفسها، بوصفها "المنقذ من الضلال"، تقول لنا: أنا الرسالة الوطنية السامية.. وحدي أملك الحقيقة الوحيدة، والمطلقة.. أنا الشرف، والنقاء، والطهر،  ومن يرى غير ما أراه  فهو الخائن والإرهابي والعميل، وعدو الوطن.


ثورة 25 يناير ليست مقدسة بالطبع، لذلك فهي تحتمل اختلاف وجهات النظر.


من حقك أن تؤمن بها، ومن حقك أن تكفر، وتعتبرها مؤامرة، كحال كثيرين، من بينهم الخطاب الذي ينطق به عرض "غيبوبة"، ويكاد يصرخ به.


ولكن حين تكون الثورة موضوعا لعمل مسرحي، فلا يكفيك هنا أن تعلن عن إيمانك أو كفرك به، أو أن تسرده من وجهة نظرك، أو أن تعلق عليه انطلاقا من موقفك منه، أو أن تحول رأيك فيه إلى شعار ترفعه، كذلك لا يصح ـ من باب اللياقة واحترام دم الشهداء ـ أن تحوله إلى عمل تهريجي، أما إن قررت أن تفعل ما لا يكفي، وما لا يصح معا، كما جاء عرض أحمد بدير ـ مع احترامي للجهد المبذول فيه ـ فذلك شأنك، وستجد من يضحك من مجرد رؤيته لك على المسرح وهم كثر، تسكرهم رؤية النجوم، ويقبلون عليهم، وربما  يزداد إقبالهم، كلما ازداد هؤلاء النجوم إسفافا.


لم يتعامل "غيبوبة" مع الثورة، كمطلب شعبي، أو كفعل يستحق التقدير، كما يستحق النظر في ملابساته، ومحاولة التجادل معه، تجادلا دراميا، صراعيا، للكشف عن  أخطائه أو خطاياه، ونقدها، عبر فعل درامي، يستخلص لنا وجهة نظر تخصه كعمل فني، معني ـ بالضرورة ـ  بتقديم تفسير للحدث، وللعالم، بأدواته ذاتها، على العكس من ذلك، استعار العرض وجهة نظر مسبقة، منتشرة، مريحة، تتطابق تماما مع الحكاية الرسمية التي يقدمها إعلام مبارك للثورة. ولم يبذل العرض أية محاولة درامية لجعل وجهة النظر هذه  مقنعة، اللهم إلا تقديمها عبر حكاية  تمتلئ بالثقوب والتناقضات المنطقية، والكثير من الشعارات، والكيد السياسي.


خطاب العرض يرى ـ وهذا حقه ـ أن الوحيد، الذي يستحق لقب المواطن الشريف والوطني، الجدير بحمل رسالة العرض، من بين مجموع من شغلوا فضاء خشبة المسرح، هو ذلك المواطن الذي لم يشارك في ثورة 25 يناير2011.


المواطن المصري البسيط (أحمد بدير) الذي كان في طريقه إلى مجمع التحرير، في ذلك اليوم "المشؤوم"، لاستخراج أوراق سفر أو هجرة من البلد، بعد أن ضاق به الحال، فأصابته رصاصة في مؤخرة رأسه، دخل على إثرها في غيبوبة طويلة، لم يشف منها تماما، إلا في 30 يونيو 2013. وإن استفاق من غيبوبته "جزئيا" قبيل 30 يونيو، مع ظهور حركة تمرد، إن أردنا الربط.


دعك من لا منطقية ذهاب المواطن لاستخراج أوراق، في يوم إجازة رسمية، وتناقض ذلك مع إجابته بعد أن استرد وعيه جزئيا: بأن اليوم كان يوافق عيد الشرطة.


هكذا اعتبر العرض تلك الفترة (25 يناير ـ 30 يونيو) فترة غيبوبة، زُج إليها بالمواطن المصري البسيط بواسطة، رصاصة انطلقت، لم يشغل العرض نفسه بالسؤال عمن أطلقها، وغيرها من الرصاصات التى أسالت دماء شهداء الثورة، ومصابيها، وتفرغ، بدلا من ذلك، لاتهام القوى المشاركة في الثورة، كما تفرغ لمسخرة جماعة الإخوان (الإرهابية) وجماعة 6 إبريل (التخريبية الممولة من الخارج) بوصفهما المسئولتين عما حدث، كما لم ينس أيضا مسخرة أمريكا وتقديمها بوصفها المحرك للقوى المتهمة بالثورة. لم يفوت العرض كذلك فرصة التلسين على من سماهم  "نشتاء حكوك الإنسان"، واحتفظ لجمهور الأهلي والزمالك بنصيبهما المقدر والمعروف من الاتهام بالتوظيف السياسي، مقابل أموال يتلقونها، وإن كانت هزيلة.


قامت حبكة العرض على محاولة هذه القوى، استثمار غيبوبة المواطن "مصاب الثورة " لصالحها؛ حيث راحت كل جماعة تدَّعي نسبته إليها كذبا، وتمنحه اسما وحكاية، للاستيلاء على التبرعات الضخمة التي أودعها المتعاطفون في حساب باسمه، من أجل علاجه، وضم العرض إليهم امرأة فقيرة كانت تريد أن تؤمن مستقبل ابنها، غير أن العرض كشف عن كذب هؤلاء جميعا، وعمل اللازم نحو تخوين الجميع (باستثناء المرأة) وتحميلهم مسؤولية غيبوبة المواطن، والوطن بالطبع، الذي طفح بأسوأ ما فيه.


ليس عندي دفاع عن أحد، على الأقل في هذه المساحة غير المخصصة لمناقشة السياسة، وليعتقد من شاء ما يعتقد، وما يعنيني فى الأمر ليس هو الحقيقة، كما جرت في الواقع، إنما الحقيقة التي نسجها الفن بأدواته ذاتها، وهي تلك الحقيقة التي غابت تماما عن العرض، بينما تقدمت الشعارات، والسيناريوهات الإعلامية الأكثر شهرة إلى جانب الإسفاف بالطبع.


راهن العرض على الكوميديا، دون أن ينتبه إلى أن النص ليس كوميديا، فحاول الممثلون القيام بالواجب بأنفسهم، فاصطنعوا الكثير من الحوارات والإفيهات السمجة، وكنت أتمنى لو كانوا قد استعانوا  بكاتب إفيهات "محترف" ربما أسعف العرض ببعض ما يستحق الضحك.