خليل كلفت وداعاً .. ابن زمن وقف على حافة كل شيء

20/12/2015 - 10:10:06

خليل كلفت خليل كلفت

محمود الورداني - روائى مصرى

  لم يكن خليل كلفت،الذي رحل عن عالمنا الشهر الماضي ،عن أربعة وسبعين عاما،مجرد كاتب ومترجم وناقد أدبي فقط ،على الرغم من إنجازه الضخم و إنتاجه الوفيرفي كل هذه ا لمجالات.


  عرفتُ خليل كلفت في أوا خر ستينيات القرن الماضي.كانت بلا دنا تعيش كابوس هزيمة 1967 المروعة،كان اللون الأسود بلا أي  مبالغة يغطي كل شئ .كنانتجرع الهزيمةحرفيا لأن حجم الأوهام والأ كاذيب التي صدّعت الناصرية رؤوسنا بها كان مروعاأيضا.وربما كان المثقفون والكتّاب تحديدا من أوائل من واجهوا الهزيمة ،بل وقاموا بالمحاولة الأولى لانتزاع حريتهم ، بعد عقود من تأميم كل وسائل التعبير وا لنشر،وأسسوا مجلتهم المحترمة "جاليري 68 ".


  في تلك الفترة تحديدا قرأت قصيدة "عين سين" لخليل ،وبعد ذلك قرأت له عددا من أجمل القصص القصيرة،حتى أنني مازلت أتذكر قصته التي نشرت في


 المساء أيام خالد الذ كر عبدالفتاح الجمل "وفاء النيل"،وكذلك قصته "مات همد يوم عودته من القاهرة"التي نُشرت في مجلة جاليري  68،ومالبث  أن توالت مقالاته ودراساته النقدية في المساء و68 ومجلة الآداب اللبنانية.


  أذكر كل هذه التفاصيل لأؤكد أن الطريق الذي اختاره ،أي الانخراط السياسي والفكري في العمل السري ،لم يكن مخططا له ،لكنني أشير هنا إلي أن المناخ الذي فرضته هزيمة كبرى ذات تداعيات كبرى أيضا،دفعت الغالبية من المثقفين والكتاب إلى البحث عن أسباب الهزيمة والانفلات من أسر الناصرية.وهكذاسرعان ماتشكلت مجموعات   من الحلقات الماركسية الصغيرة التي اندمج بعضها ليتشكل تنظيم متطرف في شيوعيته ،وكان ا لأكثر راديكالية بين الحلقات التي جاءت بعده.


  ومن المؤكد أن خليل لعب دورا رئيسيا في تكوين هذا التنظيم ،واختار منذ تلك اللحظة أن يحيا حياة سرية كاملة بكل مايترتب  عليها من أعباء،محترفا  العمل الحزبي منذ أوائل السبعينيات وحتى أوائل الثمانينيات،أي نحو عشرين عاما ،كتب خلالها عددا من أهم وثائق حزب العمال الشيوعي المصري ،إلى جانب عدد آخر من الكتب مثل كتابه عن المسألة الزراعية وكتابه عن نمط الإنتاج ا لآسيوي وكتابه عن القومية العربية  ..وكل تلك الأعمال نُشرت باسمه الحزبي صالح محمد صالح ،وتكاد تكون مفقودة الآن،أو أغلبها على الأقل .ولاشك أنها ذات قيمة فكرية وسياسية ،لكن الواقع سرعان ماابتلع كل شئ،فقد سقط الاتحاد السوفييتي وانتهت الحرب الباردة،إلى آخر تلك التداعيات المعروفة التي فرضت إعادة النظر (لاأريد أن أستطرد هنا وأجادل حول ضرورة الاشتراكية وأنها النظا م الإنساني الوحيداللائق بالبشر)،لكن خليل لم يهتز يقينه مطلقا ،حسب الوثائق والدراسات السياسية التي أُتيح لي قرائتها له وحماسي الشديد لها آنذاك .لامجال هنا للجدل حول مدى تاريخية أعماله وانتمائها للماضي ، فلا معنى ا لآن مثلا لحزب سري على الطراز اللينيني أو ا لدفاع عن ديكتاتورية البروليتاريا،إلا أن خليل كان ابن مرحلة وابن زمن وقف على الحافة :حافة كل شئ حتى شهد أفول شمس النظريات الكبرى  .


  وباستثاء مايقرب من ثلاثة أعوام قضاها مسجونا عام 1975بتهمة تشكيل تنظيم شيوعي كتب خليل أعمالا بالغة الأهمية في السياسة  والنشاط العملي والتنظيمي ،غيرأن أغلبها للأسف ينتمي للماضي ومكبل بروح الماضي وعقله،لكن هذا لايمس إ خلاص خليل وتضحياته ودأبه واجتهاده.


  وبعد فشل التجربة،وهو أمر مأساوي في حد ذاته،وفي أ وائل ثمانينيات القرن الماضي ،عاد خليل للحياة العلنية متأخرا ،واللافت للنظر حجم ماأنجزه خلال الفترة التالية،فقد ترجم من الأعمال الأدبية سواء من القصص أو الروايات عددا كبيراوخصوصا لكتاب أمريكا اللاتينية المعاصرين،وترجم عددا آخر من كتب النقد الأدبي ،وعددا آخر من كتب


السياسة والاقتصاد والفلسفة بما يزيد عن الثلاثين كتابا،فضلا عن معجم تصريف الأفعال العربية بالاشتراك مع آخرين وترجمته لمعجمين آخرين.


  بالنسبة لكثيرين من هذا الجيل والأ جيال التاليةمن اليساريين في مصر –وأنا منهم – أحبوا خليل واحترموه وتعلموا منه ،وعندما تلقيت خبر رحيله اضطربت بشدة ،فهو جزء عزيز من التجربة التي عشتها..وداعا خليل كلفت لتصحبك السلامة !