يوسف ذنون شيخ خطاطي الموصل : الخطوط العربية تجليات روحانية

20/12/2015 - 10:09:05

الفنان يوسف ذنون مع د. على عفيفى الفنان يوسف ذنون مع د. على عفيفى

حوار: د. علي عفيفي علي غازي - كاتب مصري

    يشهد العالم العربي صحوة كبيرة في الاهتمام بفن الخط العربي، على الصعيد الرسمي الحكومي، أو على الصعيد الشعبي، باعتباره رمزا للهوية العربية الإسلامية، بل تعدى الأمر للاهتمام بهذا الخط ليشمل بعض الدول غير العربية، والتي تكتب بالحرف العربي كتركيا وإيران، وبرز خطاطون غير عرب من الهند والصين والفلبين. ورغم تراجع الخط العربي أمام التطور الكبير في الكمبيوتر، والذي بات يحل محل الخطاط عبر برامجه الأكثر تطورا، ورغم ذلك يظل للخط رونقه وأهميته التراثية.


    الفنان يوسف ذنون، شيخ خطاطي الموصل، وعضو هيئة تحكيم المسابقة الدولية للخط العربي والزخرفة الإسلامية في اسطنبول، والخبير القضائي في الخط والمخطوطات والآثار، يحدثنا عن قضايا الخط العربي، بعد إنجازات ومشاركات منها تمثيل الخط العربي في معرض "سحرة الأرض" في فرنسا سنة 1989، وقد عرضت إحدى لوحاته التي اعتبرت من روائع الخط في العالم في معرض للخطوط أقامته مكتبة الكونجرس سنة 1975، وكرمه العراق سنة 1974، والمغرب عام 2014.


ـ كيف كانت بدايتك مع الخط العربي؟


    في المدرسة الابتدائية، كنت مهتما بالرسم، ومن جملة الرسم اعتبرت الخط كذلك، وفي المرحلة الابتدائية لم يشجعني أحد، فواصلت الاهتمام به في المرحلة المتوسطة (الإعدادية) وزاد اهتمامي به في المرحلة الثانوية، ولم أعرف كيفية العمل به، فكنت أرسم جميع الخطوط، وصرت أعرفها، وشاركت مع الطلبة من المرحلة الثانوية في المسابقات المدرسية، فكنت من المتفوقين فيه، فازداد اهتمامي أكثر بسبب النتائج التي حققتها، وازداد اهتمامي أكثر في المرحلة التي تعينت فيها بالتعليم بعد تخرجي في دار المعلمين، وقد ساعدني الخط على التفوق في إعداد الوسائل التعليمية المعينة في الدروس المختلفة، وكذلك في النشرات المدرسية. وفي هذه المرحلة تعرفت على بعض أدوات الخط، وخاصة القصب فتمرست بالكتابة به، فوجدت أن لي إمكانات تفوق الآخرين، فتابعته في المصادر والمراجع التي كتبت عنه، وتطلعت إلى مصادره التعليمية، واستغللت العطلة الصيفية في متابعة ذلك.


    وفتحت لي رحلتي إلى تركيا سنة 1957 آفاق تعلم الخط من مصادره الكبيرة، فحصلت على كراسات تعلمه وأدوات تنفيذه، وحققت مستوى يؤهلني للاتصال بأكبر خطاط عثماني لا يزال حيا في ذلك الوقت هو حامد الآمدي (1891-1982) يرحمه الله، فعرضت عليه المستوى الذي حققته، فأقر بأني مستحق الإجازة على هذا المستوى، فمنحني إياها، وكان ذلك سنة 1967، واكتسبت منه الكثير من الخبرات المتقدمة، ومنحني تقديرا بالتفوق اعتبر بمثابة إجازة ثانية، وكان ذلك عام 1969، عندها انطلقت باندفاع في مجالات الخط المختلفة.


ـ كيف ترى معارض الخطوط العربية؟


    المهرجانات والملتقيات والمعارض كثيرة، وكان أول المعارض الخطية سنة 1973 في العراق فكان فاتحة المعارض العربية والإسلامية، وأعقبه أهم مهرجان للخط العربي في بغداد عام 1988، وهو "مهرجان بغداد العالمي للخط العربي والزخرفة الإسلامية"، وكان الشرارة الأولى في نشاط الخط العربي. وتوالت المهرجانات ولكنها لم تبلغ مستواه باعتراف الجميع، سبقه بالمؤتمرات اقتراحي بإجراء مسابقات للخط العربي في مركز الأبحاث للتاريخ والفنون والثقافة الإسلامية "إرسيكا" ولا يزال جاريا حتى الوقت الحاضر، وكنت أحد واضعي شروطه، وحكما في مسابقته الأولى والثانية، وتلامذتي كانوا ولا يزالون من أبرز المشاركين في هذه النشاطات، منهم في الوقت الحاضر محفوظ ذنون، زياد حيدر المهندس، وأحمد عبد الرحمن وغيرهم كثير. وكان الدافع الأول من العراق فتحرك الأتراك في هذا الاتجاه باعتبار أن الدولة العثمانية كانت "دولة خط" بشكل غير مسبوق. وأعتقد أن معرض دبي الدولي للخط العربي، يسير على النهج نفسه في الاهتمام بالخط.


ـ وكيف كانت تجربتك في كتابة المصحف الشريف؟


    لا يوجد من يتقن الخط إلا ويفكر في كتابة المصحف الشريف لتوفيره لعموم المسلمين، ولكن المطابع الحديثة وفرت ملايين النسخ، والوقت المحدود للخطاط في الوقت الحاضر، الأمر الذي جعل قلة من الخطاطين هم الذين يفكرون بكتابة القرآن الكريم، ومع ذلك فإنني كتبت مصحفا كريما كاملا، وأعددت لمصحف ثان، ولكن بالاستعانة بالوسائل الحديثة عن طريق الكمبيوتر، أنجز كاملا في 16 مايو 2000، في 203 أشكال، و33 لوحة، أما الأول فلا يزال حبيسا، والثاني لم يتم طبعه لأنني الكاتب، والطابعون هم المختصون في هذه الآلة، وقد شغلوا بسبل المعيشة.


ـ كيف تنظر إلى واقع الخط العربي على الخريطة الثقافية الإماراتية؟


    رعاية الإمارات جيدة ونأمل أن تتواصل رعاية أنشطة الخط العربي المختلفة، وهناك تميز بإصدار مجلة حروف عربية من دبي، المجلة الوحيدة المتخصصة بموضوع الخط العربي، وهي تواصل مسيرتها التي نتمنى لها الدوام والارتقاء.


ـ وما رأيك في ما وصل إليه الخط العربي في مصر؟


    بدأت مصر الاهتمام بالخط العربي منذ القرن التاسع عشر الميلادي على يد واليها محمد علي باشا تقليدا للدولة العثمانية، ولكنها تحركت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر للنهوض بالخط على نطاق مدرسي على يد المصلح علي مبارك، والخطاط محمد مؤنس، ثم عاد الخطاط عبد الله زهدي من الحرمين الشريفين إلى مصر، وتوفي فيها، وجاءت النقلة الكبرى في زمن الملك فؤاد حينما أمر بفتح مدرسة تحسين الخطوط سنة 1922، ومشاركة بعض الخطاطين العثمانيين فيها، من أمثال عبد العزيز الرفاعي الذي توفي عام 1934، واستمرت هذه الهبة إلى الخمسينيات، ولكنها أخذت بالتراجع لأنها لم تواكب الطرق الحديثة، ولم تجد تشجيعا من الدولة، إلى أن ظهر جيل جديد تأثر بالنهضة الخطية العامة في المنطقة، فحاول النهوض بمستوى الخط الحالي، ومن أشهرهم أحمد فارس، وشيرين عبد الصابر وغيرهما. ومحاولة الخطاطين الباقين متابعة هذا الركب.


ـ ماذا تقترح للنهوض بفن الخط العربي في مصر؟


    التفات الدولة إلى هذا الفن الذي هو جزء من شخصية العربي والمسلم، ثم إعادة مناهج تعليم الخط في المدارس بأسلوب عصري يناسب المرحلة والتدرج فيه، وإدخاله كافة مراحل الدراسة، لأنه علم مرتبط باللغة، ويرتبط بخصوصية الفرد العربي والمسلم، والعمل على وضع المناهج المناسبة لكل مرحلة، وكل دراسة بالاستعانة بذوي الخبرة والتخصص من تربويين وعلماء نفس الطفل ومختصين في الخط.


ـ ما مدى تأثير الحاسب الآلي على الخط العربي؟ وإلى أي مدى يطغى الكمبيوتر على هذا الفن ويحوله إلى فن إلكتروني؟


    عن موضوع الحاسب الآلي والخط، أعددت بحثا عنوانه "فن الخط العربي وأثر الرقمنة فيه"، نشر في تونس، وأعدت نشره في كتابي الأخير "زينة المعنى: الكتابة والخط والزخرفة". سجلت فيه أن محاولات الرقمنة باتت معروفة ومطبقة، وهي تهيء مادة ميسرة للباحث في كل ما يتعلق بفن الخط العربي، ولكنها تقف عند حدوده المعرفية، ويبقى للإبداع مجاله الأرحب في التطور، فاستعمال أجهزة الحاسوب ومنظوماتها المتطورة، وشيوعها كوسيلة مغرية ومناسبة لإيقاع العصر، له أثره الواضح على الخط، والذي يمكن أن نخضع فيه جانبا واحدا للرقمنة، وهو الجانب المادي (العلمي) ولكن يبقى الجانب الآخر (الفني) مستندا إلى الخطاط، وهذا الجانب لا تلامسه الرقمنة، فهو جانب وجداني يهيمن على تجليات الخطوط المختلفة ومشاهدها، وكان هو الفاعل الحقيقي الذي نقل تطور الخطوط العربية من مادة كتابية كأداة لغوية إلى فن له خصائصه التي تطورت طوال العصور في مراحل مشهودة من تاريخ هذه الأمة.


ـ للزخرفة دور مهم في إكمال اللوحة الخطية، ما دورها في جمال الخط وجاذبيته؟


    شبه القدماء الخط بالإنسان العاري، وتأتي الزخرفة كرداء له، ولذلك تركز الاهتمام عليها، وصارت جزءا مكملا للخط خاصة في اللوحات الخطية حينما صار الخط زينة الأماكن التي يوجد فيها. وهناك أنواع معينة من الزخارف منها التورقية، والتذهيب، الذي يسمى (الحل كار) أي صنعة الذهب، وتوجد أنواع مختلفة منها النباتية، والزركشتة، والهتاي (أي الصينية) وغيرها.


ـ كيف ترى ما تشهده نهضة الخطوط العربية الإيرانية والتركية؟


    تجذرت في إيران تجربة الخط، ولديها مناهج وجمعيات ومسيرة حافلة في فن خط النستعليق والشكستة، وماضية في طريقها في فنها المحدود بهذه الخطوط. أما تركيا فقد قاطعت الخط في أول أمرها في أوائل القرن العشرين، ولما رأت النهضة الخطية في البلاد العربية عادت بقوة إلى الخط عن طريق المؤسسات، وبخاصة الجامعية، ولذلك استعادت زمام المبادرة في الوقت الحالي بالاستفادة من إرثها العثماني، والتجارب الحديثة في العالم العربي.


ـ ما هي انطباعاتك عن مجلة "حروف عربية"؟


    مجلة "حروف عربية" مجلة متفردة في اختصاصها، ورغم قلة كوادرها إلا أنها قائمة بشكل مرض في العمل على رفعة فن الخط العربي، وأهم مشكلة فيها هي النشر والتوزيع، وعندما تتغلب على هذه المشكلة فإنني أقدر أنها بإمكانها مواكبة هذا الفن وتطوره، ونمو كادرها الذي سوف يُغطي ما يكون مطلوبا منها في تنوع أبوابها، وتغطية جميع الجوانب التي يحتاجها الخط العربي في مسيرته الصاعدة.


ـ ما نوع الخط المحبب من الخطاط يوسف ذنون، والذي لو طلب منه رسم لوحة الآن سيبادر إلى استخدامه دون تردد؟


    لو سألت أي خطاط لكان يُجيبك من دون تردد أنه خط الثلث، فهو أبو الخطوط جميعها، ولكن مع ذلك فإن هناك بعض العبارات في اللوحات تنسجم بشكل أكبر مع أحد الخطوط، فاللوحة بمحتواها هي التي تفرض نوع الخط الملائم لاستعماله فيها، ولذلك تجد هناك تنوعا في خطوط اللوحات حسب محتواها، وهذا هو المطلوب في اختيار الخط المناسب لخط اللوحة الفنية.


ـ كيف تنظر إلى تجربتك في إنشاء مدرسة لتعليم الخط العربي؟


    مدرستي في تعليم الخط هي مدرسة عالمية بإيجاد طرق جديدة وسهلة لتعليم الخط العربي، وقد كان من نتائجها نشر الخط العربي في كثير من البلدان العربية بما في ذلك العراق، عن طريق الدورات والمعاهد، ولعل من أهم التجارب مشاركتي في تأسيس معهد الفنون الإسلامية التطبيقية في الأردن والتابع لجامعة البلقاء، والذي تحول إلى كلية في تدريس الخط العربي والزخرفة الإسلامية.


ـ هل استطاع الخطاط العربي إدخال تجديدات فنية وجمالية ملموسة على أصول الخط العربي الكلاسيكية وتكويناته التشكيلية؟


    الخط العربي في جوانبه العامة فن قائم بذاته، وهذا يعني أن الفن مجال حيوي للإبداع، ولذلك نجد أنه لم يقف في تطوره خلال العصور، فهو متطور أبدا، وحينما عاش تجربة الفنون المعاصرة خضع في بعض جوانبه للإبداع والتطور، وظهرت عندنا أساليب متعددة في هذا الجانب من أبرزها الحروفية وغيرها، وقد كسرت العديد من القواعد القديمة، وانطلقت من عقالها المعهود، ولكنها في النتيجة لم تتخل عن الأسس المعروفة في الحرف، فكانت نتاجاتها الحروف الكلاسيكية، والحروف التي تمحورت تشكيليا، فتولدت أساليب متعددة في أنماط تعتمد التقليد، وأخرى تنتهج الانعتاق، فصارت هنا وهناك مساحات متعددة لفن الخط العربي نجدها الآن في المعارض المختلفة.