سـيناء .. ميدان الحرب القادمة بين مصر وإسرائيل

20/12/2015 - 10:08:19

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

إيهود إيلام - ترجمة:د. فاطمة نصر - كاتبة ومترجمة مصرية

منذ نهاية أربعينيات القرن العشرين، ظلت إسرائيل ومصر في صراع مستمر حتى نهاية السبعينيات حينما توصلتا إلى عقد اتفاقية سلام اتجه اهتمام إسرائيل إلى التعاطى مع الفلسطينيين، وحزب الله، وسوريا وإيران، وعلى الرغم من ذلك، ظلت من المحتمل حدوث أزمة حادة، بل حتى حرب بين إسرائيل ومصر.


يركز هذا الكتاب على إمكانية حدوث حرب في المستقبل “حرب حاشدة مكثفة بين إسرائيل ومصر وحدهما”. سيكون على إسرائيل الاعتماد على قواتها، وكذلك مصر، ذلك لأن حلفاء مصر التقليديين يشهدون حالة من التدهور ثمة حرب أهلية في سوريا، ولا يكاد شعب العراق يستطيع الحفاظ على وحدة دولتهم، ولدى الأردن مشاكلها الداخلية الخاصة، فيما أن دول الخليج العربية مشغولة بإيران، وعلى الرغم من أن إيران عدو لإسرائيل لكنها ليست حليفاً طبيعياً لمصر، لدى الدولة ذات الغالبية السنية، وتلك ذات الغالبية الشيعية خلافات أساسية، وتريد كل منهما الهيمنة على المنطقة، هذا علاوة على أنهما لم يقاتلا معاً أبداً ضد عدو مشترك، ناهيك عن إسرائيل، ينطبق هذا أيضاً على مصر وحزب الله، بالإمكان أن تساعد حماس، وهى منطقة غير تابعة لأية دولة، مصر بيد أن تلك الجماعة الضعيفة عسكرياً، لن يكون لها تأثير في الحرب إن اندلعت.


يتفحص الكتاب المشهد الذى ستكون عليه أية حرب في المستقبل وذلك من خلال تتبعه للتطورات منذ أوائل الثمانينيات، والتى تتمثل إلى حد كبير، في نزع سلاح معظم شبه جزيرة سيناء، والاستعدادات العسكرية في مصر وإسرائيل وتعزيز قدرات جيشيهما، بيد أن تركيزنا هو على الصلة بين أية حرب مستقبلية وبين الحروب الماضية “ 48 - 1949 - 1956- 1967 - 70 - 1973” يحمل هذا التاريخ العسكرى ثقلاً كبيراً، ذلك لأن أية حرب في المستقبل بين الجيشين ستجرى في نفس الميدان الذى ظلا يشتبكان على أرضه منذ عام 1948، أى شبه جزيرة سيناء، وعلى الرغم من التغييرات الكثيرة التى شهدها الجيشان في العقدين الأخيرين، مثل دقة الأسلحة النارية، فمازالا يعتمدان على قواتهما الجوية، والمدرعات والمشاة والمدفعية، كما كان يحدث في الماضى، ومن ثم من الممكن أن يكون لنماذج الاشتباكات في الحروب الماضية علاقة بأية حرب في المستقبل، لذا فإن الفترة الزمنية المقدرة لحدوث مثل تلك الحرب في المستقبل هى ذاتها المقدرة للبلدين الاستمرار في الاعتماد على أنظمة أسلحة مثل الدبابات والطائرات، إلخ.


لهذا الكتاب هدفان رئيسيان: الأول تحليل التاريخ العسكرى منذ عام 1948 وحتى 1973، وبخاصة من حيث الأبعاد الاستراتيجية والعملياتية، ثانياً: تفحص كيف لمصر وإسرائيل أن تديرا حرباً حاشدة مكثفة ليس الهدف هو ابتكار سيناريو شامل، بل تقييم العوامل كل على حدة من أجل توضيح أهميتها، وسيتبع النقاش في كل فصل التسلسل الزمنى للحروب.


على قوات الدفاع الإسرائيلية والقوات المصرية، وعلى غرار الجيوش الأخرى مثل جيش الولايات المتحدة، أن تكون مستعدة للدخول في حرب حاشدة ومكثفة إذا أخذنا في الاعتبار التحديات القائمة، يتعاطى هذا الكتاب مع مثل تلك المواجهة، بين مصر وإسرائيل، اللتين تملكان جيشين من أقوى جيوش الشرق الأوسط، نموذج مثل هذا التصادم المحتمل موجود، أيضاً في مناطق أخرى مثل المواجهة التى قد تحدث بين روسيا والناتو، أو بين الهند وباكستان، واليابان، أو بين الولايات المتحدة والصين.. إلخ.


سيناء.. الميدان الرئيسى لأية حرب قادمة، أرض مصرية تبلغ مساحتها 60000كم2 “تكاد تضاهى مساحة ولاية غرب فيرجينيا” يحد شبه الجزيرة البحر المتوسط شمالاً، والبحر الأحمر جنوباً، وخليج السويس، وقناة السويس غرباً، وخليج إيلات العقبة وإسرائيل شرقاً، تقع صحراء النقب علي الجانب الآخر من حدودها مع إسرائيل، وهى منطقة صحراوية مفتوحة في غالبيتها، أصغر كثيراً من سيناء حيث تبلغ مساحتها حوالى 21000كم2.


سيناء صحراء بها مساحات مفتوحة شاسعة، بخاصة في شمالها ووسطها، يوجد في شبه الجزيرة، أيضا جبال وأراض وعرة، كتلك التى توجد في الجنوب والغرب، ثمة ممرات حيوية مهمة موجودة على بعد بضع عشرات من الكيلومترات إلى الشرق من قناة السويس وحوالى 150كم غربي إسرائيل، مثل ممر جيدى ومتلا، كما يوجد بها بعض المدن مثل العريش في الشمال الشرقى، إلى جانب بعض البلدان الصغيرة، يبلغ عدد سكانها حوالى نصف المليون نسمة، يكسب أهالى سيناء عيشهم من السياحة والزراعة.. إلخ.


كما يعمل بعضهم بالتهريب، وحرب العصابات، وأنشطة أخرى إرهابية، الأمر الذى يعنى أن تلك المنطقة عصية على التحكم بها إلى حد بعيد، وفقاً لاتفاقية السلام لعام 1979، فقد تم نزع سلاح القوات الموجودة بمعظم سيناء، وأصبح بإمكان مصر نشر فرقة عسكرية واحدة من المشاة والتى يتوجب عليها التواجد في مساحة تمتد لمسافة 55 كم من قناة السويس، وإلى غرب سيناء ومن ثم فإن جنود تلك القوة يسمح لهم بالتواجد على بعد 150 كم من إسرائيل، توجد أيضاً وحدات عسكرية مصرية أصغر كثيراً في شبه الجزيرة مثل فرقة حرس الحدود.


هذا الكتاب مؤسس على مصادر منوعة من كتب ومقالات.. إلخ. ويضم عشرات الوثائق من أرشيفات قوات الدفاع الإسرائيلية تعود إلى الخمسينيات وحتى السبعينيات، وجميعها أصبحت متاحة وبعضها لم يكشف عنها سوى في السنوات الأخيرة، تم إدماج المعلومات التى حوتها تلك المصادر في متن الكتاب بحيث تصبح عملية القراءة سلسة.


أكملت درجتى الماجيستير والدكتوراه وكان موضوعهما، هو الاستراتيجية القومية والمبدأ العسكرى لإسرائيل ظللت مشاركاً أكاديمياً وعملياً في دراسة ذلك المجال لما يربو على العشرين عاماً، وبين أشياء أخرى، عملت لبضع سنوات في وزارة الدفاع الإسرائيلية كمقاول خاص في مجال خبرتى، هذا الكتاب، مشروع شخصى بالكامل وليس جزءاً من أبحاث قمت بها لحساب وزارة الدفاع الإسرائيلية، وهو يعبر عن أرائى الشخصية ولايمثل بالضرورة، أراء أى أحد آخر، فكرة هذا الكتاب أتتنى منذ سنوات عديدة بعد السنوات الثلاث التى قضيتها مجنداً في فرقة الأسلحة المضادة للطائرات بقوات الدفاع الإسرائيلية، وقد عملت على هذه الدراسة في إسرائيل، وأيضاً في الولايات المتحدة حيث أعيش الآن.


مبدأ إسرائيل العسكرى


ظلت قوات الدفاع الإسرائيلية تستثمر بقوة في التكنولوجيات المتنوعة فيما هى تركز على التدريبات والاستعدادات الأخرى لحرب ضد عدة قوى وعلى جبهات مختلفة، وعلى تصادم مع إيران، منذ السنوات الأخيرة في السبعينيات ظل الجيش المصرى يستوعب ويتزود بنظم أسلحة أمريكية في غالبيتها مثل الدبابات وطائرات 16-F.


فى أعقاب حرب 1948 - 1949 وضعت إسرائيل سياسة للأمن القومى انتهت إسرائيل إلى أنه إن كان عليها أن تتعاطى في السنوات التالية مع هجوم عربى آخر، فعليها أن تكون المبادرة بالهجوم، أدى أسلوب التفكير هذا  إلى الحرب الوقائية عام 1956 وإلى الضربة الاستباقية عام 1967 حدث الهجوم الإسرائيلى بعد استفزازات واضحة من الجانب المصرى، وبخاصة في عام 1967، في عامى 1956 و 1967 واجهت إسرائيل تحالفاً عربياً، بيد أن السبب الرئيسى في الهجوم الإسرائيلى كان هو خوفها من مصر التى كان لديها أقوى جيش عربى،ومن ثم ركزت إسرائيل جهودها على الجبهة المصرية، أما في أية حرب مقبلة فلن يتغير ذلك التكتيك ولنفس الأسباب، قد تنضم لمصر بعض القوى المعادية لإسرائيل، مثل حماس في قطاع غزة، وربما غيرها من بلدان أخرى في الشرق الأوسط، مثل سوريا، بيد أنه وفى أعقاب ضعف الجيش السورى، فإن القوى المجتمعة لكل أولئك الحلفاء المحتملين لن تضاهى قوة الجيش الإسرائيلى.


تقليدياً. دائماً ما سعت قوات جيش الدفاع الإسرائيلى إلى اتخاذ قرارات سريعة في ميدان القتال، قامت قوات الدفاع الإسرائيلية بخوض حروب مستطالة ضد مصر امتدت لأعوام، حرب الاستنزاف ما بين عامى 1967 و 1970 والحروب الحدودية في أواسط الخمسينيات، استمرت حرب 1948 - 1949 لما يقرب من عام فيما استغرقت حرب 1973 ما يقرب من الشهر، أما حربا 1956 و 1967 فقد استغرقت كل منهما حوالى الأسبوع، في أىة حرب في المستقبل سيكون هدف قوات الدفاع الإسرائيلية إنهاء المعارك في غضون بضعة أيام، ومثلما كان الأمر في الماضى، ستكون الأسباب هى تحقيق تقدم قبل حدوث أى تدخل دولى، وتقليل الإصابات الإسرائيلية إلى الحد الأدنى، وهذا أمر حيوى لإسرائيل نظراً لحساسية هذا الأمر بالنسبة لها وذلك لعدم التوازن من حيث عدد السكان بين إسرائيل والدول العربية وبخاصة مصر، التى بإمكانها تحمل خسائر باهظة من حيث العامل البشري.


فى عام 1956، كانت مصر قد وحدت القيادة مع الأردن وسوريا تحت إمرة مصر التى أصدرت الأوامر لحليفتيها بشن ضربات جوية ضد إسرائيل ، لكن لم يتم تنفيذ تلك الأوامر إذا اجتاحت إسرائيل سيناء في أية حرب مقبلة فقد تطلب مصر المساعدة بحيث يحتمل لها من دون أى تنسيق مسبق، أن تطلب من بعض الدول العربية وبعض التنظيمات غير التابعة للدولة وأيضاً من إيران ووكلائها، المساعدة ضد عدوهم المشترك أى إسرائيل . قد يتدخل بعض هؤلاء على شكل تزويد مصر بعض الأسلحة والذخائر وغير ذلك من المواد الحربية، أو إطلاق الصواريخ والقذائف على إسرائيل من ثم سيكون على إسرائيل أن تسعى إلى تحقيق نصر سريع قبل مشاركة لاعبين شرق أوسطيين أخرين، الأمر الذى سيتيح لإسرائيل التعاطى معهم بعد إخراجها مصر من المعادلة.


منذ الأيام المبكرة في الخمسينيات اجتهدت قوات الدفاع الإسرائيلية لنقل القتال إلى الأراضى العربية ذلك لافتقادها العمق الاستراتيجى مثلاً، كانت مصر حتى عام 1967، تتحكم في قطاع غزة الذى يقع على بعد حوالى 80 كم جنوبى منطقة تل أبيب شديدة الأهمية وكثيفة السكان .ظل قطاع غزة وخاصة بعد أن استولت عليه حماس عام 2007، منصة للهجوم على الإسرائيليين وبخاصة من يعيشون منهم قى النقب، جنوب البلاد وقريباً من قطاع غزة أطلقت حماس القذائف على أهداف إسرائيلية غالبيتها مدنية في نوفمبر 2012 حدث صدام بين إسرائيل وحماس، وعلى الرغم من ذلك ، لم تشن قوات الدفاع هجوماً أرضياً بل إنه، حتى قبل ذلك ، أى في المواجهة التى حدثت في ديسمبر 2008 حتى يناير 2009 لم تستول إسرائيل إلا على جزء صغير من القطاع وتخلت عنه بعد انتهاء تلك  الحملة .شهدت علاقة مصر بحماس تقلبات عدة أما اليوم فبالإمكان توقع أن يتقبل أى شيء في مصر في حالة حدوث صدام آخر بين إسرائيل والفلسطينيين وبخاصة إن تقدمت إسرائيل لاجتياح غزة، فقد تدخل مصر من خلال إرسالها قوات لإعاقة إسرائيل لكن إسرائيل لن تســــمح بــأى تواجد عسكرى مصرى كبير في شمال شــرق سيناء .


 في الحروب السابقة سعت قوات الدفاع الإسرائيلية إلى القضاء على الوحدات العسكرية العربية والاستيلاء على مناطق حيوية ، في حرب 1956، استولت القوات الإسرائيلية على جميع سيناء تقريباً فيما انهارت أمامها ثلاث فرق حربية مصرية، في حرب 1967، لم تخسر مصر فقط جميع سيناء ، بل أيضاً حوالي 80% من قواتها هناك ، قد تركز قوات الدفاع الإسرائيلية إذا نشبت حرب في المستقل علي الاستيلاء علي أجزاء سيناء التي قد تستخدم كمنصات للهجوم على إسرائيل بواسطة قوات من  أفراد حرب العصابات أو من مجموعات إرهابية   سيعمل الجيش المصرى على حماية أرضه، الأمر الذى سيجبر قوات  الدفاع الإسرائيلية على تدمير الوحدات المصرية أو إجبارها على التقهقر. بعد مثل تلك الحرب الحاشدة المكثفة، قد تقوم إسرائيل باحتلال بعض المناطق في سيناء، ذلك لحاجتها لإضافة عمق للنقب، ومن ثم تدافع عن 600.000 إسرائيلى يقيمون هناك وتبلغ نسبتهم 10% من مجموع سكان النقب، وسيكون هذا متطلباً في حالة نشوب حرب من قوات متعددة (مهجنة) أو حرب منخفضة  الكثافة ضد مجموعات من رجال حرب العصابات أو من  الإرهابيين،  أو القوات المصرية كما حدث في حرب الاستنزاف  ما بين عامى 1967 - 1970 .


تعتبر شرم الشيخ، وهى ميناء جنوبى سيناء، أحد أهم الأهداف فهذا الميناء بالغ الأهمية للتحكم في مضايق تيران منفذ إسرائيل الوحيد إلى البحر الأحمر وأقصر طرقها إلى آسيا، في المرتين السابقتين، حينما استولت قوات الدفاع الإسرائيلية على ميناء شرم الشـيخ في عـامى 1956 و 1967، ثم فعل ذلك بسهولة وبسرعة خاطفة أما في أية حرب قادمة، فإن المسافة بين إسرائيل وشرم الشيخ تقدر بمائتى كم، وقد يجعل هذا الاستيلاء عليه مشكلة وبخاصة إذا بدأ الجيش المصرى القتال، ذلك لأن القواعد المصرية شديدة القرب من شرم الشيخ، مما سينجم عنه قتال طويل مضن حول الميناء قد ينهك قوات الدفاع الإسرائيلية في مواجهتها مع حزب الله عام 2006، اعتمدت قوات الدفاع على إطلاق الأسلحة النارية بأكثر من اعتمادها على  المناورات العسكرية وعلى الرغم من أهمية الأسلحة النارية في أية حرب قادمة ، فإن قدرة قوات الدفاع على المناورة، وبخاصة في أرض شاسعة مثل سيناء، ستكون ضرورية، بل حاسمة في بعض الحالات.


تعزيز قوات الدفاع الإسرائيلية


من خمسينيات القرن العشرين، وحتى سبعينياته، كان الجيش المصرى يعرف تحديداً على أنه “العدو” في تدريبات قوات الدفاع الكبرى مثل “بيلات” في مايو 1956، و “تامار” في نهاية نوفمبر1965، و“عوز” في بداية فبراير 1972 . حتى بداية السبعينيات، كانت قوات الدفاع الإسرائيلية تعطى الأولوية الكبرى لتنظيم وحداتها بحيث يمكنها التعاطى مع الجيش المصري، وبقدر أقل لإعدادها لمواجهة “ الجبهة الشرقية” أى سوريا والأردن والعراق . بعد حرب 1973 حيث تغيير في أساليب قوات الدفاع الإسرائيلية، الأمر الذى كان يعنى عدم تركيزها على جبهة واحدة بعينها . في عام 1991، حينما انهارت جبهة الناتو الشرقية في أعقاب سقوط الاتحاد السوفييتي، أصيبت الجبهة الشرقية لإسرائيل أيضاً ذلك لأن سوريا كانت تعتمد على راعيها السوفييتى . تسببت الحرب على العراق ، وبخاصة حرب عام 2003 في نهاية قوة العراق العسكرية والآن فإن العراق وسوريا ليس بمقدورهما مواجهة إسرائيل وبخاصة في حرب حاشدة مكثفة و لدى الأردن مشاكل داخلية ضخمة كما أنها ليس لديها رغبة في الصدام مع قوات الدفاع الإسرائيلية من ثم على قوات الدفاع أن تكرس جهودها لمصر بصفتها التحدى الرئيسى في أية حرب حاشدة مكثفة في وجود حالة عدم اليقين في مصر ما بعد مبارك ، قد يعم الاستقرار مصر ، لكن في كلتا الحالتين فإن أحد أهم الدروس التى تعلمتها إسرائيل من حرب 1973 هو ألايقيم الطرف الآخر على أساس نواياه المحتملة بل على أساس قدراته .


قد لا تسعى مصر إلى مواجهة مع إسرائيل، لكن إن حدثت مواجهة لأى سبب كان، وبما أن لمصر جيشاً قوياً ، فعلى قوات الدفاع الإسرائيلية أن تكون مستعدة لهزيمته، لأنها لو لم تكن كذلك، فقد يغرى هذا مصر باختبار قوة إسرائيل . سيكون نجاح مصر في نشر قوات لها بسيناء من دون رد مناسب من جانب إسرائيل ، ناهيك عن ثباتها في مواقعها ضد الهجمات الإسرائيلية ضربة هائلة لإسرائيل.


فى بداية الثمانينيات ، وفى أعقاب معاهدة السلام استغنت إسرائيل عن وحدات ميدانية كثيرة كان من المفترض لها أن تحارب على الجبهة المصرية في نهاية التسعينيات، أقامت قوات الدفاع الإسرائيلية مقار رئيسية عسكرية للقيادة العامة للضباط (EOC) الأمر الذى مثل تعبيراً للاعتماد الدائم على التشكيلات الكبيرة للقوات الأرضية حال نشوب حرب أخرى كبيرة مع مصر على سبيل المثال في عام 2012 كان ثمة مزاعم بأن قوات الدفاع الإسرائيلية قد أهملت في العقود الأخيرة بقدر كبير، قواتها المفترض لها تتعاطى مع جبهتها الجنوبية، أى مصر بيد أن الواقع هو أن قوات الدفاع الإسرائيلية قد وضعت خططاً لنشوب حرب مع مصر ، وفى عام 2011 وضعت في اعتبارها احتمال أن تشهد السنوات الأربع التالية حرباً مع مصر .


فى يونيو 2013 قال الماجور جنرال  (المتقاعد) عوزى ديان، والذى عمل ضمن مهام أخرى رئيساً لفرع التخطيط في قوات الدفاع الإسرائيلية إنه يجب الحفاظ على السلام مع مصر بيد أن على إسرائيل أن تكون قادرة على “استخدام القوة” في سيناء ، وأن تستعد “لوضع مختلف، وهذا يستغرق سنوات” وفى واقع الأمر ، فإنه بإمكان قوات الدفاع الإسرائيلية تنظيم عملية محدودة في شبه جزيرة سيناء، مثل شن غارة سريعة، أى في غضون أشهر معدودة، بل أسابيع وأيام إن اقتضى الأمر بيد أن أن أي صدام ضخم مع فيلق مصرى في سيناء سيتطلب سنوات من الإعداد مثلما حدث في الحروب السابقة. إن تنظيم أية فرقة عسكرية وإعدادها يستغرق سنوات طويلة وفى سيناء، سيقوم الطرفان بنشر عدة فرق.


لا بد أن نؤكد هنا على أنه ليس بمقدور قوات الدفاع الإسرائيلية الاعتماد على تلقى ما هو معروف لها بصفته “وقتاً ثميناً” أى وقتاً كافياً لإعداد قواتها للحرب. قد لا تعرف مقدماً، أن مصر على وشك بدء أزمة كبيرة، أو حتى حرب، ذلك لأن مصر بمقدورها أن تخفى استعداداتها، أو أن يأتى الصراع كمفاجأة. ربما تبدأ أية حرب قادمة لأسباب متنوعة، قد يكون بعضها وشيكاً في أعقاب حالة من عدم الاستقرار بمصر.قد لا تحصل إسرائيل على إنذار استراتيجى، أى تحذير من أن مصر تدرس بدء حرب في غضون بضع سنوات، أو أشهر عديدة من تاريخه. في بعض الحالات، فقد يكون الإشعار جد قصير:أسابيع، أيام، أو حتى ساعات.


قد يتسبب عدم استعداد قوات الدفاع الإسرائيلية لخوض حرب حاشدة كثيفة في أية مواجهة قادمة مع مصر في حدوث نكسات هائلة، وفى أسوأ الحالات، في الهزيمة. في تلك الحالة، لن تحاول مصر الاستيلاء على أراضٍ داخل إسرائيل، وستكتفى تماماً بالتحكم الكامل في سيناء، إلى جانب المزايا الأخرى لذلك النصر. ستكون مصر، مدركة تماماً كما في عام 1973، امتلاك إسرائيل لأسلحة نووية، ونظراً لترسانتها الهائلة من تلك الأسلحة، سيكون بإمكان إسرائيل رسم خط في الرمال في مكان ما بصحراء النقب، وإذا تقدمت القوات المصرية نحو شمالى النقب باتجاه مدينة ديمونة حيث يوجد المفاعل النووى، قد تقوم إسرائيل بقصف الوحدات المصرية بقنبلة نووية. إن هزيمة إسرائيل في حرب حاشدة مكثفة لن ينجم عنها تعرض وجودها ذاته للخطر على الفور، لكنها ستكون ضربة قاصمة لقدرتها على الردع ولسمعتها، وقد تقنع أناساً كثيرين بها بأن بلدهم لم يعد آمناً للعيش به. أى أنها، ربما تكون النهاية بالنسبة لإسرائيل.


فى عام 2013، كانت قوات الدفاع الإسرائيلية قد خططت لإنهاء خدمة عدة ألوية حربية، بما فيها ألوية مدرعات للدبابات القديمة: من بينها m-60 ومركافا، وكذلك وحدات مدفعية ولوجيستية ومعها بعض السفن. أيضاً، تحاول قوات الدفاع الإسرائيلية جاهدة الاستثمار في تحسين الاستخبارات وإضافة وسائل الحماية للمركبات المدرعة، واستيعاب مزيد من أنظمة الأسلحة التى تعترض القذائف الموجهة والصواريخ مثل القبة الحديدية، ومرجام داود، وآرو (السهم)، فيما تقوم بتحديث أساليب الحروب السيبرية وإرشاد الصواريخ لأسلحتها الجوية والأرضية والبحرية. ستحصل أيضاً على غواصات وطائرات جديدة. لن تقتصر تلك المشاريع على مساعدة قوات الدفاع ضد أعدائها “الهجين” مثل حزب الله، والدول المعادية مثل إيران، بل ضد مصر أيضاً. على قوات الدفاع الإسرائيلية التأكد، في المستقبل، أن أنظمة الأسلحة الجديدة التى تحصل عليها يجب أن تكون فاعلة ومؤثرة، وفى بعض الحالات مفيدة، بخاصة، ضد الجيش المصرى.


المدرعات والقوات الجوية الإسرائلية:


فى أعقاب صفقة مصر من الأسلحة مع الاتحاد السوفييتى في 27 سبتمبر 1955، والتى كانت أحد أسباب الرئيسية في حرب 1956، تلقى الجيش المصرى مئات من الطائرات والمركبات المدرعة كالدبابات، لكنه واجه صعوبات في استيعابها في عشية حرب 1956، بذلت قوات الدفاع الإسرائيلية، جهداً لا يُستهان به لاستيعاب عشرات الطائرات ومئات المركبات المدرعة. كان بعض أنظمة الأسلحة تلك قد وصل قبل شهر، أو أسابيع، أو حتى أيام قبل بدء المعارك. عادة ما تمر الجيوش، من أمثال الجيشين المصرى والإسرائيلى بمرحلة أو أخرى وهى تتعلم كيفية تشغيل أحد أنظمة الأسلحة الجديدة. لدى حدوث أزمة في المستقبل لن يرغب أى من الجيشين أن يفَاجَأ بأن عليه استيعاب أنظمة أسلحة لا يتسع الوقت المتاح له للتدرب عليها كما حدث عام 1956.


فى حرب 1967، أوضحت الفرق المدرعة الإسرائيلية مهاراتها، الأمر الذى دعم وضعها في قوات الدفاع الإسرائيلية بصفتها نظام الأسلحة الأساسى. تركت أطقم الدبابات تأثيراً عميقاً، وبخاصة بعد هزيمتها للقوات المصرية واجتياحها سيناء. أثر ذلك النصر في تطوير قوات الدفاع الإسرائيلية في السنوات التالية.فى بعض الحالات، في حرب 1967، تطلبت الدبابات الإسرائيلية مساعدة فرق أخرى، مثل: المشاة، بيد أن كثيراً من قوات الدفاع، تجاهلت ذلك الدرس.


فى بداية السبعينيات، زعم سعد الدين الشاذلى، رئيس الأركان المصرى، أن ثمة فجوة تُقدر بحوالى عشر سنوات بين القوات الجوية الإسرائيلية ونظيرتها المصرية لصالح سلاح الطيران الإسرائيلى ومثل الفرق الإسرائيلية المدرعة تميز سلاح الطيران الإسرائيلى في حرب 1967، بسبب إنجازاته الهائلة على الجبهة المصرية.


كـــانت حرب 1973 تــجـربة ساحقة بالنسبة لقوات الدفاع الإسرائيلية، ويرجع هذا إلى حد كبير، إلى أن المعارك دارت على الجبهة المصرية. مع كل الانتكاسات على الجبهة السورية عام 1973، فقد شكل الفشل بالقرب من قناة السويس صدمة أعظم للإسرائيليين. بعد بضعة أيام من بداية الحرب كانت قوات الدفاع الإسرائيلية هى المسيطرة في مرتفعات الجولان. أما في سيناء، فقد استغرق الأمر حوالى الأسبوع كى تسير الأمور في صالح قوات الدفاع، التى استوعبت إصابات وقتلى أكثر على الجبهة المصرية، وتمكن الجيش المصرى، بعكس نظيره السورى، أن يحتفظ بجزء من المناطق التى استولى عليها في المرحلة الأولى من الحرب.


فى أعقاب حرب 1973، ركزت قوات الدفاع الإسرائيلية على التعاون بين مختلف الألوية والفرق العسكرية، وعلى الرغم من أن فرق المدرعات وقوات الطيران الإسرائيلية حققت إنجازات كثيرة في حرب 1973، إلا أن قوات الدفاع الإسرائيلية انتهت إلى أنه من الخطأ الاعتماد عليها بشكل أساسى وأنه من غير المفيد أن تزيد من الاستثمار في فرق وقوات بعينها على حساب الأخريات. في أىة حرب مستقبلية، إذا لم تستطع قوات الدفاع الإسرائيلية هزيمة القوات المصرية وحدها، أو بسرعة كافية لاسترضاء الضغوط الدولية لإنهاء الحرب، سيكون على فرق المدرعات الإسرائيلية وغيرها من الوحدات الأرضية التدخل. قد لا تستطيع إسرائيل، وعلى الرغم من رغبتها في التقليل من خسائرها البشرية من خلال اعتمادها على القوات الجوية، تأجيل هجومها الأرضى لوقت يكفى لإضعاف عدوها من خلال القصف الجوى. بالإمكان أن يكون أى هجوم أرضى في سيناء تحدياً، إذا أخذنا في الاعتبار قوة الجيش المصرى واستعداده، وبخاصة إن لم تكن قواتها الأرضية مستعدة لخوض حرب حاشدة كثيفة.


فى عام 2003، كانت القوات الجوية الإســرائــيلـيــة تعـتبر أفضل من مثيلتها المصرية. في عام 2008، قدَر أنطونى كوردسمان، الذى يشغل كرسى آرلى إيه. بيرك في الاستراتيجية، بمركز الدراسات الدولية والاستراتيجية، أن القوات الجوية الإسرائيلية هى القوة الجوية الوحيدة في الشرق الأوسط التى تجمع جميع مكونات القوة الجوية الحديثة، هذا على الرغم من التحسن الكبير الذى شهدته القوات الجوية المصرية فى2010، زعم كوردسمان أن القوات المصرية تعانى المشاكل، مثل وقوع الحوادث، وعدم التنسيق بين وحدتها. أما من حيث القاصفات المقاتلة، فتمتلك القوات الجوية المصرية ما يقرب من 250طائرة مقاتلة معظمها من طراز f.16، فيما تمتلك القوات الجوية الإسرائيلية أكثر من 350 15.f وf.16، من ثم يمكن القول إن القوات الجوية الإسرائلية متفوقة إلى حد كبير على مثيلتها المصرية.


فى عام 2013، كان لدى الجيش المصرى اثنتا عشرة فرقة، وفى أية حرب قادمة فإن بعضها على الأقل، ومعها قوات الطيران والبحرية المصرية، قد يكون لديها القدرة للتعاطى مع قوات الدفاع الإسرائيلية محققة بعض الأهداف المتواضعة، وفى هذا السياق، مازالت مصر تعتبر حرب 1973 انتصاراً، هذا على الرغم من خسائرها في الأرواح والتى كانت أكثر بكثير من خسائر إسرائيل. علاوة على ذلك، فقد اجتاحت إسرائيل جزءاً كبيراً من الضفة الغربية لقناة السويس، واحتفظت بغالبية سيناء في أيديها، وطوقت الجيش الثالث المصرى. بالإمكان، في أىة حرب قادمة، أن تفقد مصر أعداداً من الجنود أضعاف ما تفقده إسرائيل بل إنما أيضاً قد تفقد معظم سيناء، وقد ينتهى الأمر بحصار الوحدات المصرية في شبه جزيرة سيناء، بيد أن بإمكان القوات المصرية أن تبقى قبضتها على مناطق سيناء الوعرة والجبلية، وهى مناطق لا تمتلك قوات الدفاع الإسرائيلية خبرة قتالية تُذكر فيها. أيضاً، يالإمكان أن تكون الخسائر في إسرائيل في الأرواح منخفضة العدد. بالنسبة لمصر وآخرين بما في هذا إسرائيل فإنه بالإمكان النظر إلى نتيجة كتلك على أنها تعنى، وبمعنى ما أنها انتصار مصرى.


من كتاب


The Next War


Between


Israel and Egypt


المؤلف: Ehud Eilam


دار النشر: Valentin Mitchell


London - portland


2014


يصدر هذا الشهر عن "سطور الجديدة