تمثيل ضباط الشرطة والجيش فى البرلمان: ارتفاع منطقى

17/12/2015 - 1:03:50

جدول يوضح نسبة ضباط الشرطة والجيش ( ٢٠٠٠ – ٢٠١١) جدول يوضح نسبة ضباط الشرطة والجيش ( ٢٠٠٠ – ٢٠١١)

بقلم - د. يسرى العزباوى رئيس منتدى الانتخابات والبرلمان بمركز الأهرام للدراسات السياسية

تأتى زيادة نسبة تمثيل العاملين السابقين في جهازى الشرطة والجيش فى البرلمان أمرًا طبيعيًا، وتتسق مع السياق العام الذي تمر به الدولة المصرية، وذلك لعدة اعتبارات، أولها حالة الإرهاب غير المسبوقة التي شهدتها البلاد بعد الثورات المصرية، وعلى وجه التحديد ثورة ٣٠ يونيه. ثانيها، استمرار محاولات تفكيك بنية الدول العربية من بعض القوى الكبرى والدول الاستعمارية الأخرى في المنطقة، خاصة وأن تلك القوى عملت على خلق واحتضان الجماعات التكفيرية التي سيطرت على أقاليم كاملة من بعض الدول العربية. ثالثها، الدور الكبير الذي تلعبه المؤسسة العسكرية في عملية التحول الديمقراطي التي تدور رحاها الآن، والذي أصبح دوراً ضامنَا وضروريًا ولا يمكن الاستغناء عنه رابعها، الدور التنموي الذي تقوم به المؤسسة العسكرية، وحيث تقود قاطرة التنمية من خلال إقامتها للمشروعات القومية الكبرى، وإنجازها لمثل هذه المشروعات في أوقات قياسية، وهو ما حدث في مشروع قناة السويس الجديدة. وخامسها، عودة العلاقات الطبيعية التعاونية بين المواطنين والشرطة، على الرغم من محاولات نفر أو قلة قليلة في إحداث شرخ في العلاقة الجديدة. وأخيرًا، شعبية الرئيس عبد الفتاح السيسي الذي حاول الكثيرون الاستفادة منها في حملاتهم الانتخابية للحصول على شرف التمثيل داخل البرلمان.


أولا- الخبرة السابقة في تمثيل العسكريين


إن الخبرة التاريخية المصرية تؤكد على التواجد الدائم للعسكريين وضباط الشرطة فى البرلمان، وعلى الرغم من تراجع نسبتهم في برلمان عام ٢٠١٢ إلى ١.٤٪ بعدد ٧ نواب، وكان ذلك أيضًا أمرًا طبيعيًا بعد التراجع الحاد في تواجد ضباط الشرطة السابقين بين أعضاء المجلس بعد أن تزايد حضورهم ضمن نوابه خلال المجالس الثلاثة السابقة بصورة ملحوظة، ووصل ذروته في مجلس ٢٠١٠ الذى ضم ٥٠ ضابط شرطة سابقا سجل ٤٠ منهم أنفسهم بهذه الصفة فيما سجل عشرة أنفسهم في مهن أخرى مختلفة.


وقد ضم مجلس ٢٠١٢ سبعة أعضاء سجلوا في خانة المهنة «ضابط شرطة سابق» من بين ١٠ أعضاء كانوا ضباط شرطة، غير أن ثلاثة منهم سجلوا أنفسهم في مهن أخرى. وتبلغ نسبة من سجلوا أنفسهم بهذه الصفة ١.٤٪ من إجمالي أعضاء المجلس الحالى، نزولا من نسبة بلغت ٧.٨٪ في مجلس ٢٠١٠، ومقارنة بنسبة بلغت ٤.٥٪ و٤.٦٪ في مجلسى ٢٠٠٥ و٢٠٠٠. وبينما اكتسب ثلاثة من هؤلاء الضباط السبعة السابقين عضوية المجلس بصفة «فئات»، فإن أربعة منهم اجتازوا الانتخابات بصفة «فلاح».


ومن الجدول يمكن إبداء عدة ملاحظات:


أولا، كان هناك استقرار في نسب تمثيل ضباط القوات المسلحة السابق داخل البرلمان تقريبًا عند ذات المستوى الذى حققته خلال المجالس المختلفة، وهو ما بين ١.١- ١.٣٪. إلا أنه زاد بشكل تدريجي في عام ٢٠١٢، وهو ما عرف باسم «برلمان الإخوان» ليصل إلى ١.٦٪.


ثانيًا، هناك تزايد في نسبة تمثيل ضباط الشرطة السابقين من برلمان ٢٠٠٠ وصولاً إلى برلمان ٢٠١٠ والذي وصل فيه عددهم إلى ٤٠ نائبًا، ولكن تراجع مع انتخابات ٢٠١٢ بسبب عزوف بعضهم عن الترشح، ومع ذلك استمر تمثيلهم داخل البرلمان.


ثانيًا- خرائط تصويتية جديدة بعد ثورة ٣٠ يونيه


وفي ضوء العوامل سالفة الذكر حدث تغير في خرائط تصويت المصريين بعد ثورة ٣٠ يونيه لصالح المرشحين ذوي الخلفية الأمنية عامة والجيش خاصة. وهو ما يمكننا أن نطلق عليه «التصويت العسكرتارى»، حيث يرى فريق من المصريين أنه من الأنسب والأدق للحفاظ على الدولة المصرية، في عملية التحول المضطربة، أن يتولى الأمور وقيادة البلاد فى هذه المرحلة أصحاب الخلفية العسكرية فى ظل حالة الضعف الشديد الذى لم تصله مصر من قبل، حتى فى عهد الرئيس الأسبق مبارك، للعبور بها إلى بر الأمان. وقد تكشفت تجليات حب المصريين لمؤسستهم العسكرية بعد ٣٠ يونيه، خاصة وأنها استطاعت، مع تولى وزير الدفاع الجديد آنذاك، أن تتخذ العديد من الخطوات فى إعادة الثقة مرة ثانية بينها وبين الشعب، بعدما ارتكب المجلس الأعلى للقوات المسلحة العديد من الأخطاء فى المرحلة الانتقالية الأولى، وانصياعه إلى رغبات التيارات الإسلامية وجماعة الإخوان اعتقادًا منه أنها الأكثر تنظيمًا وحشدًا، وتغافل الجميع أن الكتلة الصامتة لم تتحرك بعد.


إن هناك عددا كبيرا من المواطنين من مختلف الاتجاهات والمشارب السياسية والإعلامية وقفت خلف نوعية محددة من المرشحين من المؤسسة العسكرية، والتى تتميز بعدة سمات وخصائص غير متوافرة فى مرشح من خارجها، منها: الحسم والقدرة على فرض الانضباط وتحجيم الفساد الإدارى، وهى عوامل – من وجهة نظر الكثيرين- فى غاية الأهمية فى هذه المرحلة ليس فقط للقضاء على الإرهاب وحل المشكلات السياسية والاقتصادية فى الداخل، ولكن للشعور العام لدى الناخبين بأن الدولة المصرية لم تمر بهذا الضعف والترهل من قبل، وأنها مستهدفة من الخارج، كما أشرنا أعلاه.


وبناء عليه، يبرز ما عرف إعلاميًا باسم «الكتلة الحرجة أو الصامتة»، التى قامت بالتصويت لصالح المرشح ذي الخلفية العسكرية، بالإضافة إلى المناطق الريفية التى تضررت من حالة اللا أمن والعنف المجتمعى الذى لم يشهده المجتمع المصرى من قبل. كما صوّت أبناء المؤسسة العسكرية وأسرهم، الذين خرجوا من أداء الخدمة، لصالح مرشحين ينتمون إليها.


ثالثُا- العسكريون في برلمان ٢٠١٥


بداية، لا يوجد في الدستور والقانون ما يمنع العاملين السابقين في الأجهزة الشرطية والعسكرية من التقدم للترشح لنيل شرف تمثيل الشعب داخل البرلمان. فضلاً عن أنه لا توجد لديهم أية شروط مغايرة عن تلك التي يجب توافرها في المرشحين من المدنيين، وقد خضعوا جميعًا للإجراءات التي وضعتها اللجنة العليا للانتخابات من كشف صحي والالتزام بسقف الدعاية الانتخابية ..إلخ. بمعنى أكثر دقة، خضع المرشحين ذوو الخلفية العسكرية والشرطية لكل الشروط القانونية التي خضع لها باقي المرشحين من التيارات المدنية الأخرى، وبالتالى لا يمكن أن نقول إن هؤلاء المرشحين لديهم ميزة انتخابية عن غيرهم، سوى التنافس المشترك على استمالة أصوات الناخبين.


وبالفعل شهد برلمان عام ٢٠١٥ زيادة ملحوظة في عدد الفائزين بالمقاعد من ضباط الجيش والشرطة حيث وصل عددهم إلى ما يقدر بحوالى ٨٥ نائبًا، وذلك لأول مرة في تاريخ البرلمانات المصرية. ويرجع ذلك إلى جملة العوامل سالفة الذكر، فضلا عن عدة عوامل أخرى، هي ما يلي: أولا، ترشح عدد كبير منهم باسم أحزاب وفي قائمة حب مصر، حيث قام عدد كبير من الأحزاب السياسية باللجوء إلى المرشحين ذوي الخلفية الأمنية وأصحاب الشعبية في الدوائر الانتخابية، وهو ما أسفر عن فوز رجالات القوات المسلحة والشرطة.


ثانيًا، طبيعة تكوين عدد من الأحزاب السياسية، حيث قام عدد ليس بالقليل من رجال القوات المسلحة بتأسيس أحزاب جديدة أو الانضمام إلى أحزاب قائمة بالفعل، مثل قيام الفريق سامي عنان بتأسيس حزب العروبة، والفريق أحمد شفيق بتأسيس حزب الحركة الوطنية، فضلاً عن حزب حماة وطن الذى أسسه الفريق جلال هريدى وأمينه العام اللواء محمد على بلال الذي فاز بـ ١٧ مقعدًاأربعة منهم جيش وإثنان شرطة.


ثالثًا، قيام عدد من ضباط الجيش والشرطة بخوض الانتخابات نزولاً على رغبات عائلاتهم، خاصة في محافظات الصعيد، والجميع يعلم تمامًا بأن الطابع العائلى والقبلى يلعب دورًا كبيرًا في العملية الانتخابية.


ومن نافلة القول، إنه في ضوء الخبرة التشريعية للبرلمانات السابقة لعب النواب ذوو الخلفية العسكرية والأمنية دورًا كبيرًا في عملية التشريع والرقابة عمومًا، وفي سن ومناقشة التشريعات المتعلقة بالأمن القومي خاصة، فضلاً عن انتماء أغلبهم للجنة الأمن والدفاع القومي. وأخيرًا، أن العبرة للحكم على فئة أو أبناء مهنة أو طبقة اجتماعية معينة يكون عبر تقييم أدائهم البرلمان وليس الجهوي.