مستقبل الصحافة القومية!

17/12/2015 - 11:52:36

بقلم - عبدالقادر شهيب

رغم أن الدستور المصرى الجديد يقر ضمنا بوجود صحافة قومية وأيضا تليفزيون الدولة بتأكيد إحدى مواده تشكيل اللجنة الوطنية للصحافة، التى تشرف وتدير (الصحافة القومية) ، إلا أن ذلك لايمنع البعض من المطالبة بين الحين والآخر بتصفية الصحافة القومية، وكذلك تليفزيون الدولة أو على الأقل تقليصها .. ويستثمر هؤلاء فى دعواتهم هذه الأوضاع الصعبة التى تعيشها الآن المؤسسات الصحفية القومية فى ظل تراجع مواردها المالية والاقتصادية وتحملها لأعباء ديون متراكمة عبر عدة عقود.


ومن الخطأ بالطبع الاستجابة لهذه الدعوات التى ستجد فى الأغلب طريقها للطرح فى البرلمان الجديد من خلال عدد من النواب الذين يرون أو ترى أحزابهم أن احتفاظ الدولة بصحف أو مجلات أو محطات تليفزيونية بدعة ليست موجودة فى الدول المتقدمة أو العصرية.


من الخطأ خصخصة المؤسسات الصحفية القومية الآن على غرار ما كان يحدث بالنسبة لشركات قطاع الأعمال العام، والذى مازلنا حتى الآن ندفع ثمنه باهظا .. وذات الشىء ينطبق على التليفزيون المصرى (تليفزيون الدولة) .


وأنا لا أتحدث هنا فقط عن مصير العاملين فى هذه المؤسسات الصحفية (من صحفيين وإدارايين وعمال) وعددهم يقدر بالآلاف، وإنما أتحدث أيضا عن دور يجب أن يقوم به الإعلام القومى والصحافة القومية لن يستطيع أن يقوم به الإعلام الخاص والصحافة الخاصة .. فلايوجد فى العالم كله، وليس فى مصر وحدها، إعلام مستقل .. الإعلام المستقل أكذوبة روجها البعض مع ظهور ونشأة الصحافة الخاصة فى بلادنا ومن قبلها الفضائيات الخاصة.. فكل إعلام يعبر عمن يملكه أى صاحب الجريدة والمحطة التليفزيونية ... وإذا فرطنا فى وجود صحافة قومية وتليفزيون الدولة لن تجد الدولة من يتحدث عنها وعن سياساتها وتوجهاتها، لأن الصحف الخاصة والمحطات التليفزيونية الخاصة سوف تدافع عن مصالح أصحابها.


وهكذا إذا قمنا بخصخصة المؤسسات الصحفية القومية سنضع آلاف العاملين فى مهب الريح ومستقبلهم على كف عفريت، فى ظل اتجاه ملاك بعض الصحف الخاصة الآن للتخلص من بعض العاملين لديهم ترشيدا للإنفاق وإعادة لهيكلتها الاقتصادية .. وأيضا لن تجد الدولة من يتحدث عنها ويهتم بالقضايا والأمور العامة (الوطنية فعلا) ولا يصح أن يتحجج بعض المتحمسين للتخلص من المؤسسات الصحفية القومية ومعها تليفزيون الدولة بأنها لاتقوم حاليا بدورها القومى الذى نحتاجه لأسباب شتى وعديدة، فإن ذلك أمر يجب تغييره وعيب يتعين التخلص منه، ودور مفقود لابد أن تقوم به الصحافة القومية وتليفزيون الدولة.


كما أننا إذا قمنا بخصخصة المؤسسات الصحفية القومية سوف نفقد دورا ثقافيا، وليس إعلاميا فقط، تقوم به هذه المؤسسات، حيث تقدم خدمات ومنتجات ثقافية فى شكل كتب بأسعار مخفضة، ويبرز هنا دور كل من مؤسستى دار الهلال ودار المعارف.


باختصار الخسائر التى سوف نجنيها كمجتمع وكدولة من خصخصة المؤسسات الصحفية القومية تفوق ما تتحمله خزانة الدولة الآن من دعم مالى تقدمه حاليا لهذه المؤسسات حتى تبقى قادرة على الوقوف على أقدامها ولا تلفظ أنفاسها .. هذا من الناحية الاقتصادية، وأسرع للقول أن التغيير الذى أقصده وأعنيه هنا ليس تغيير قياداتها، وهو الأمر الذى يشغل بال الكثيرين الآن بمناسبة قرب انتهاء الفترة التى كلفهم فيها بإدارة هذه المؤسسات المجلس الأعلى للصحافة الذى - طبقا لقانون أو قرار إنشائه - لايملك أو يقدر على المد لهذه القيادات أو تغييرها.. وإنما التغيير الذى أقصده وأعنيه هو التغيير الذى يبدل حال هذه المؤسسات من خلال إعادة هيكلتها اقتصاديا بعد مراجعة كل أوضاعها المالية والإدارية والصحفية والطباعية، وما فى حوزتها من أصول وما تحتفظ به من ملكيات وأنشطتها المختلفة والمتنوعة.


فإننى لا أعتقد أن حلول شهر يناير القادم سيحمل معه أزمة قانونية لإدارة هذه المؤسسات فى ظل عدم مقدرة المجلس الأعلى للصحافة على المد لقياداتها أو تغييرها ... هذه مجرد مشكلة طارئة وصغيرة صنعها تلكؤنا فى تشكيل وتأسيس اللجنة الوطنية للصحافة التى نص عليها الدستور لتشرف وتدير الصحافة القومية.. ويمكن حل هذه المشكلة بقرار طارئ أيضاً يقضى بالمد لقيادات هذه المؤسسات الصحفية القومية لفترة تتراوح ما بين ثلاثة وستة أشهر على الأكثر حتي ينجز البرلمان القوانين الخاصة بتشكيل المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام ، والهيئة الوطنية للصحافة والهيئة الوطنية للإعلام، وتتشكل هذه الهيئات أو التنظيمات الثلاثة.


لكن المشكلة الأهم والأكبر التى تحتاج لحلول ناصعة وعلاج شامل يتجاوز المسكنات أو تجاوز الأزمات الطارئة هى مشكلة الأوضاع الراهنة لهذه المؤسسات الصحفية، فهى أوضاع يستحيل لا أقول فقط يصعب استمرارها.


هذه الأوضاع تحتاج لقرارات شجاعة لتغييرها.. وفى مقدمة هذه القرارات سيكون قرار علاج الديون التاريخية التى تراكمت عبر عقود على هذه المؤسسات الصحفية ، سواء كانت للحكومة وبعض هيئاتها أو للبنوك أو الموردين من القطاع الخاص.. وبعد ذلك يجب أن تتوالى القرارات التى يتعين أن تصحح أخطاء تراكمت أيضاً تمثلت فى توسعات للإصدارات والمطبوعات التى تصدرها هذه المؤسسات عبر عقود ، خاصة فى تلك الفترة التى كان يتسابق فيها رؤساؤها على إصدار مطبوعات جديدة حملت هذه المؤسسات أعباء مالية ليست بالقليلة ، ومازالت تتحملها حتى الآن.


ويضاف إلى ذلك التسابق أيضاً فى فترة زمنية سابقة بين عدد من رؤساء بعض المؤسسات على التوسعات فى المبانى وامتلاك المزيد من آلات الطباعة التى تفوق احتياجاتها كمؤسسات صحفية، الأمر الذى دفع بعض هذه المؤسسات إلى الدخول فى أنشطة لا علاقة لها بنشاطها الرئيسى وهو الصحافة مثل السياحة والتعليم وتنظيم الحفلات والمعارض والمؤتمرات وغيرها.. صحيح أن تلك الأنشطة وفرت لهذه المؤسسات فى وقت ما موارد مالية أساسية ، إلا أن معظم هذه الموارد كان يأتى من هيئات ومؤسسات حكومية ومن وزاراتها المختلفة، وهو ما فقدته هذه المؤسسات فى السنوات الأخيرة وألحق بها ضررا فادحا ينقص هذه الموارد.


أما الظروف السياسية والاجتماعية التى عاشتها البلاد فى السنوات الأخيرة فإنها أضافت أعباء جديدة لهذه المؤسسات وألحقت بها مزيدا من الضرر .. فإن التراجع فى النمو الاقتصادى أثر بالسلب على أنشطة هذه المؤسسات الطباعية وعلى مواردها الإعلانية وهما مصدران أساسيان لتمويل هذه المؤسسات الصحفية، الأمر الذى أدى فى نهاية المطاف لاعتمادها أكثر على ما تقدمه لها الحكومة من دعم مالى الذى بدونه يصعب بقاء هذه المؤسسات على قيد الحياة.


كذلك .. فقد تضخمت أيضاً أعداد العاملين فى هذه المؤسسات الصحفية من صحفيين وإداريين وعمال، رغم أن ما كان لديها من عاملين كان يزيد على حاجتها، وذلك فى ظل تصاعد المطالب الفئوية وسعى بعض قيادات المؤسسات لكسب رضا العاملين أو تفادى غضبهم.


لكل ذلك وغيره لم نفصله هنا.. فإن مؤسساتنا الصحفية القومية تحتاج لعمل جراحى يخلصها مما تعانى منه من أمراض مزمنة ومشاكل مؤرقة، وأوضاع مختلة، وذلك حتى نضمن بقاءها ليس فقط على قيد الحياة ولكن تتمتع بقدر مناسب من العافية يمكنها من أداء دورها الوطنى المهم، صحفيا وإعلاميا وثقافيا، وحمايتها من التصفية سواء بالخصخصة أو بالموت البطيء.


هذا العمل الجراحى يتعين أن يأتى بعد دراسة دقيقة لأوضاع كل مؤسسة صحفية على حدة .. أوضاعها المالية والاقتصادية والإدارية والطباعية، وأوضاع مطبوعاتها والعاملين لديها.


لكى نضمن مستقبلاً واعدا لهذه المؤسسات الصحفية والحفاظ على دورها الوطنى الذى ننشده، الذى يتجاوز دور التصفيق للحكومة أو التهليل لها، ليذهب إلى الهدف الأهم وهو الدفاع عن كيان الدولة الوطنية فى مواجهة كل الأخطار التى تهددها، وحشد الرأى العام لتحويلها إلى دولة عصرية حديثة وديمقراطية تقوم على مبدأ المواطنة والمساواة والعدالة الاجتماعية ويحترم فيها القانون.