سحبناه فى عهد «المجلس العسكرى» وقطعنا العلاقات فى عهد «المعزول»: لماذا لا تعيد القاهرة سفيرها إلى دمشق؟!

17/12/2015 - 11:43:23

  السفارة المصرية فى سوريا.. إلى متى تظل مغلقة؟ السفارة المصرية فى سوريا.. إلى متى تظل مغلقة؟

بقلم - أحمد النجمى

تحت ضغط “المحظورة” ونوابها فى “برلمان قندهار ٢٠١٢ ” سحبت الدولة المصرية فى عصر “المجلس العسكرى” سفيرها من دمشق (فبراير) ٢٠١٢، وتحت تأثير قطر وتركيا اللتين كانتا آنذاك تحركان السياسة فى القاهرة، أعلن “المعزول مرسى” قطع العلاقات المصرية - السورية ١٥ يونيه ٢٠١٣، قبل سقوطه بثورة٣٠ يونيو المجيدة بأقل من ثلاثة أسابيع.. تصورنا أن القاهرة التى استردت وعيها السياسى وأخذت تتطلع إلى دورها العربى الكبير فى عهد الرئيس السيسى، وصارت معنية - بقوة - بحل الأزمة السورية التى بلغت أقصى درجات التعقيد، تصورنا أنها ستعيد سفيرها إلى دمشق.. لكن شيئاً من هذا لم يحدث..!


طلاب الشهادة الابتدائية - لن نقول طلاب الثانوية العامة - يعلمون أن مصر وسوريا هما عصب الأمة العربية، ودولتا المواجهة الرئيسيتان فى الجبهة مع العدو الإسرائيلى عدو العرب التاريخى، والبلدان - مصر وسوريا - مرتبطتان جغرافيا وتاريخيا منذ آلاف السنين، جمعتهما (دولة واحدة( فى عصر “الدولة الحديثة” الفرعونية - قبل أكثر من ثلاثة آلاف عام - حين فتح”تحتمس الثالث” المعروف بـ «نابليون العالم القديم.. وهو لقب ظالم لتحتمس الثالث، كونه انتصر على طول الخط بينما أنهى نابليون حياته مهزوما، تلك الأراضى ووصل بقواته المنتصرة إلى العراق وتركيا، ودخلت الأراضى السورية ضمن الدولة المصرية، سواء في عصر “الخلافة الفاطمية” أو فى عصر “السلطنة الأيوبية” أو “السلطنة المملوكية” ففى هذه العصور كان مركز الحكم فى القاهرة، وكانت «دمشق»-الشام - جزءا من الدولة المصرية، وهو الوضع الذى عاد لمدة ثلاث سنوات فقط فى عصر الزعيم خالد الذكر “جمال عبدالناصر”، تحديدا من ١٩٥٨ إلى ١٩٦١، ثم انفرط عقد الوحدة المصرية - السورية، وبقيت العلاقة بين القاهرة ودمشق علاقة “عضوية” لايمكن لعراها أن تنفصم.!


ولفت العلامة العظيم د. جمال حمدان إلى أهمية علاقة مصر - سوريا كثيراً في مؤلفاته، مؤكداً أن زوال هذه العلاقة العضوية بينهما يعنى خللا ضخما فى منظومة الأمن القومى العربى.!


فما الذى حدث.. إذن؟


ما حدث أن ثورتين اندلعتا ضد نظامى الحكم فى القاهرة ودمشق فى ٢٠١١، فسقط نظام الحكم المصرى “نظام المخلوع مبارك” ولم يسقط النظام السورى “بشار الأسد”، ولاشك لدينا فى نوايا الثورتين، تحديدا الثورة المصرية التي اندلعت ضد التوريث والفساد والفقر فى ٣٠ عاما من حكم مبارك، لكن الثورة السورية لم تكن بنفس البراءة.. كشفت الأيام أن وراءها ما وراءها، فيما عبرت مصر - بأمان - من مخاطر النزاع الذى اندلع فى سوريا وليبيا واليمن، نجت هى وتونس من كل هذا، صحيح أن مصر اضطرت إلى تجديد ثورتها فى ٣٠ يونيو لتسقط حكم المعزول مرسى والجماعة الإرهابية، لكنها حافظت على توازنها وتماسكها، وظلت العلاقة الفريدة بين شعبها وجيشها كما هى، أما الوضع فى سوريا فقد اختلف شكلا وموضوعا..!


فى سوريا تنوع عرقى كبير، عرب وأكراد وتركمان.. وتنوع مذهبى بين سنة وشيعة، ودروز، ومسيحيين، وكل ديانة أو مذهب من هذه الديانات والمذاهب ينقسم بدوره إلى طوائف، فالشيعة منهم الإثناعشرية، ومنهم العلوية مثل “عائلة الأسد نفسها”، والمسيحيون منهم العرب والأرمن، وهذه الطوائف تتوزع فى تنوع جغرافى على مناطق سوريا.. مما يجعل التنوع الدينى والعرقى تنوعا جغرافيا أيضا.. هنا تكمن اللعبة الاستعمارية.


إنها نفس “لعبة العراق” الذى نعرف منذ غزوه فى ٢٠٠٣، أنه قد أريد له التقسيم إلى ثلاث دول: واحدة كردية فى الشمال، والثانية للعرب السنة فى الوسط، والثالثة للشيعة فى الجنوب ،سوريا أيضا يراد لها التقسيم إلى عدة دول.. إنها “سايكس - بيكو” الجديدة.. والتى حالت ثورة ٣٠ يونيو المجيدة فى مصر دون إتمامها، إنه الخطر الاستراتيجى الذى فطن له الرئيس السيسى مبكرا، ورآه متجسدا فى سياسات النظام الإخوانى البائد، خطر التقسيم، الذى يتخذ من “الإسلام” شعارا براقا، في مواجهة شعار “الدولة القومية” بوصف “الإسلام السياسى ودولته - سواء فى مصر أو سوريا أو العراق - هى دولة القرن الواحد والعشرين، والدولة القومية في نفس هذه البلاد هى نتاج السياسة فى القرن العشرين..!


يبدو غريبا، أن تستمر الدولة المصرية الآن فى نفس النهج الإخواني تجاه الشقيقة سوريا.. صحيح أنها تستمر فيه شكلا فقط، وأن تنسيقا واتصالات تجرى بين الطرفين فى الفترة الماضية، لكن قطع العلاقات - الخطوة التى اتخذها المعزول مرسى - لاتزال سارية.. ولقد كانت خطوة إخوانية بامتياز..!


لنرجع إلى عام ٢٠١٢.. تحديدا فى فبراير، فى زمن “المجلس العسكرى” بقيادة المشير طنطاوى، حين قررت مصر استدعاء سفيرها لدى سوريا “السفير شوقى إسماعيل” وفى المقابل استدعت سوريا سفيرها فى مصر “يوسف الأحمد” أو بتعبير أدق: استبقت سوريا الخطورة المصرية حين علمت بها.. بصورة ما.! وعلى الحكمة العربية السائرة فى الشعر نسير فنقول: “يرضى القتيل وليس يرضى القاتل” فالمجلس العسكرى كان يظن أن البرلمان الذي كان أغلبية إخوانية - سلفية تسيطر عليه، سوف يهلل ويكبر لهذا القرار.. ويخفف الضغوط التى كان يمارسها على طنطاوى وعنان والمجلس، لكن العكس هو ما حدث.. فنواب “المحظورة” آنذاك قالوا إنها “خطوة محدودة ومتأخرة جدا” داعين إلى “قطع العلاقات مع نظام الأسد”، ونحن هنا ننقل عبارات بنصها من الصحف اليومية المصرية التى صدرت آنذاك.. وكانت حجتهم هى نفس الحجة التى روجت لها “الجزيرة” بنشاط محموم في ذلك التوقيت، قال نواب المحظورة: “الوضع فى سوريا يمثل جريمة بشعة وعدوانا وحشيا من نظام ديكتاتورى مستبد ليس لديه أى قدر من الإنسانية !”


بعد ذلك الموقف السيئ - فى مضمونه وفي تبعاته - والذى تمثل فى سحب السفير المصرى شوقى إسماعيل من دمشق فى فبراير ٢٠١٢، وصل إلى الحكم المعزول مرسى وجماعته المحظورة في يونيو ٢٠١٢.. وفى أواخر السنة السوداء التى حكم فيها هذا النظام مصر، عقد مؤتمر شهير فى استاد القاهرة تحت عنوان عجيب “مؤتمر الأمة المصرية لدعم الثورة السورية” قبل سقوط المعزول بـ ١٨ يوما فقط، بالتحديد فى ١٥ يونيو ٢٠١٣، ولا ندرى إلى الآن من العبقرى الذى أشار على المحظورة باسم المؤتمر، الذي لم يكن بحال يمثل الأمة المصرية، ولاكان مخصصا لدعم الثورة السورية، ففى ٢٠١٣، كانت الجماعات الإرهابية المسلحة من “القاعدة” و “النصرة” قد ظهرت وأخذت تستولى على أراض فى مختلف أنحاء سوريا، وتسقط بين أيديها مدن مهمة.. وفيما كان الأسد يصرخ فى دمشق قائلاً إنهم “إرهابيون” كانت القاهرة - المحكومة آنذاك بالجماعة المحظورة - تسميهم ثوارا.. أخطر ما فى هذا المؤتمر الذى لم يضم سوى الإخوان وجماهيرهم والأحزاب الدينية المشايعة لهم، أنه قرر “قطع العلاقات بين مصر وسوريا”، لأول مرة منذ عصر “تحتمس الثالث” أى لأول مرة منذ ما يقرب من ٣٥٠٠ سنة!.. الغريب أن مرسى لم ير فى جرائم إسرائيل بحق الشعب الفلسطينى ما يجعله يخجل من أن يخاطب رئيس الدولة العبرية شيمون بيريز بقوله “صديقى العزيز” فى خطاب رسمى مكتوب، ورأى فى النزاع الأهلى المسلح في سوريا ما يجعله يقطع العلاقة بين القاهرة ودمشق..! إنه الولاء الإخوانى.. الولاء لنظرية “الدولة الدينية” التى كان مرسى مكلفا بدعمها من تنظيمه المحظورأولا، ومن أسياده فى قطر وتركيا ثانيا، لخدمة المشروع الأمريكي لتقسيم المنطقة..!


كانت هذه هى الفحوى الحقيقية لمؤتمر مرسى والمحظورة، الذى أعلن قطع العلاقة بين الشقيقتين مصر وسوريا..!


وبعدها بأقل من ثلاثة أسابيع سقط مرسى ونظامه وتحررت مصر من “المحظورة” ولم تمر سنه ٢٠١٣، إلا وكانت “داعش” قد استفحلت، فاستولت على مناطق شاسعة فى سوريا ثم العراق.. لتسفر “الثورة السورية” عن وجهها الحقيقى.. لم تكن الثورة السورية أول الأمر سوى ثورة شبيهة للغاية بنظيرتها المصرية، لكنها سرعان ما تحولت إلى وجهها - دورها الحقيقى - ، تفتيت سوريا.. وآخـت تستخدم داعش “التتار الجدد” فى هذه الخطة الجهنمية.. لا حرية ولا تعددية ولاعدل اجتماعى، الثورة السورية ليست سوى خطوة “فعالة” في مشروع التقسيم.. وما فضحها بحق، ثورة مصر فى ٣٠ يونيو التى أوقفت ذلك المخطط كله فى الشرق الأوسط..!


مضى على هذا الحدث قرابة عامين ونصف العام.. وجرت فى النهر مياه كثيرة، ووضعت مصر دستورها وانتخبت رئيسها ثم برلمانها، بينما حدثت تغيرات حادة فى سوريا.. بعضها إلى الأسوأ، متمثلة في جرائم داعش في حق السوريين المنكوبين الذين وقعوا فى قبضتها، وبعضها إلى الأفضل.. إذ يحقق الجيش السورى النظامى بمعاونة الطيران الروسى - شديد الفاعلية - انتصارات شبه يومية، ويسترد فى كل يوم أرضا جديدة سلبها الإرهاب باسم الثورة..!


الوضع الآن فى سوريا هو صراع بين محورين: الأول يمثله الرئيس بشار الأسد والدولة السورية والجيش العربى السورى وروسيا الحليفة الأولى وإيران وحزب الله.. والثانى تمثله أمريكا وتركيا وقطر والإرهابيون الداعشيون وغير الداعشيين فى سوريا.. صراع عالمى تدور رحاه فى سوريا العربية، الأخت الشقيقة لمصر.. بينما مصر تتحرك في هذا الملف بصورة تبدو بطيئة.. وأحيانا غير مفهومة!.


نعلم أن دولا خليجية - مهمة - لديها علاقات وطيدة مع مصر، ودعمتها بقوة فى ثورتها فى ٣٠ يونيو تقف ضد بشار الأسد، مما يحجم قدرة مصر على تغيير سياستها تجاه دمشق بصورة واضحة.. لكن المصالح العليا لمصر، تقتضى السير فى اتجاه آخر.. فسقوط سوريا ولا سيما الآن قبل انتهاء الإرهاب على أرضها يعنى - مباشرة - بقاء داعش لسنوات قادمة، ويعنى أيضا تقسيم سوريا - ومن ثم العراق - إلى دويلات، مما يهدد الأمن القومى المصرى، بل يضربه فى مقتل..!


الرئيس السيسى خير من يعلم مقتضيات الأمن القومى لمصر.. كما أن “أخلاقيات الصراع” في سوريا على حقيقتها ليست كما تقدمها هذه الدولة الخليجية أو تلك.. الحقيقة أن الجميع أخطأ، والجميع تلوثت يداه بالدماء، لكن الخطورة الآن تهدد وحدة الأراضى السورية وبنية الدولة هناك.. تلك الدولة التى تتعرض لمؤامرة باتت شديدة الوضوح، ولم تعد القضية قضية ثورة.. الجيش السورى الحر الذى أسسته الاستخبارات الأمريكية وبه عناصر كثيرة تنتمى إلى “المحظورة” لم يعد موجودا تقريبا، الموجود الآن “داعش” وبقايا “النصرة” فى مواجهة الدولة السورية.. وقوى المعارضة التى اجتمعت في السعودية مؤخرا بينها عناصر يمكن أن نصفها بارتياح بأنها عناصر إرهابية أو على الأقل داعمة للإرهاب..!


سيادة الرئيس.. أقترح عليك إلغاء قرار «المعزول» بقطع العلاقات وإعلان عودتها وأن تعيد السفير المصرى إلى دمشق، وبحسابات العقل - لا العاطفة - ستكسب مصر الآتى:


- ستسترد دورها الغائب فى سوريا، تلك الدولة التى باتت كل الأطراف تلعب فيها عدا مصر، ووجودنا المحسوس فيها سيساهم فى تحريك الموقف.


- سيمثل هذا الإجراء مزيدا من الشحن الإيجابى لعلاقتنا مع موسكو، تلك العاصمة التى باتت حليفة للقاهرة، ولدينا ما يدفعنا إلى القول بأن موسكو سوف تزيد من أواصر علاقاتها مع القاهرة فى حالة إذا ما أعادت الأخيرة سفيرها إلى دمشق.


- سوف يشكل هذا الإجراء صفعة على “قفا” أردوغان.. المعادى لمصر والمناصر للجماعة المحظورة والعابث بأمن سوريا، فضلا عن “عقاب” سياسى لواشنطن على مواقفها المتعاقبة ضد القاهرة.


- أمنيا.. ستستفيد القاهرة “ ودمشق بالطبع..” من تبادل العلاقات الذى سيفتح الباب واسعا لتبادل المعلومات، على نطاق أوسع وأكثر دقة، وبما يفيد الطرفين.


سيادة الرئيس.. إننا نرى فيك زعيما عربيا كبيرا، وأنت أكبر من أية حسابات ضيقة، ومصر أعلى من أية دول أخرى تريد أن تشل إرادتها، عودة السفير المصرى إلى دمشق الآن.. تساوى الكثير لمصر يا سيادة الرئيس.. فهل تفعلها؟!