هل تنجو ليبيا من قبضة الإرهاب؟

17/12/2015 - 11:41:05

بقلم - أحمد بان

جددت الأنباء الواردة حول توافق الفرقاء فى ليبيا على توقيع اتفاق نهائى وشيك لإنهاء الصراع، الأمال فى استعادة ليبيا الدولة الواحدة الأمر الذى يبدو صعبا جدا فى ضوء العديد من الحقائق التى لاسبيل لإنكارها، أول تلك الحقائق أن بإمكانك أن تشعل حريقا فى وقت تختاره لكن الأعقد والأصعب هو أن تسيطر على الحريق فى مدى تقدر أجله.


الأمر فى ليبيا بالغ التعقيد وساهمت عوامل متعددة فى وصوله إلى هذا المستوى، فمنذ لحظة انطلاق ما سمى بالربيع العربى فى ليبيا كانت الأجواء الليبية مهيأة للفوضى الكاملة، ففى ظل مجتمع متعدد العرقيات يضم العرب وخليطا من الأمازيغ والأتراك والشركس والموريسكيين والرومان واليونان والأفارقة والطوارق والتبو، فضلا عن تقسيم سياسى قديم جعل ليبيا تضم تاريخيا ثلاثة أقاليم هى طرابلس وبرقة وفزان فكان ما كان..


ليبيا الدولة الأغنى فى الشمال الإفريقى وربما فى القارة كلها مقارنة بعدد سكانها القليل فى مقابل مواردها النفطية الكبيرة، حيث تحتفظ بعاشر احتياطى عالمى وكانت تحتل المركز السابع عشر عالميا فى الإنتاج قبل الثورة الليبية، وربما كان هذا أهم الأسباب التى لعب من أجلها حلف الناتو أخطر أدواره فى إطلاق الفوضى من عقالها هناك، ومحاولة الدفع ببناء نظام سياسى موال لمصالحه بما يثبت صيغة خادمة للمصالح الغربية الكبرى بالأساس.


أطلق حلف الناتو الفوضى بعمليته المريبة هناك، والتى كان من أهدافها إعادة تقسيم ليبيا إلى ثلاث مناطق من جديد هى برقة وفزان والصحراء.


فور إسقاط حكم العقيد القذافى التئم نظام سياسى جديد لم يستقر بفعل محاولة إخوان ليبيا السيطرة عليه وإقصاء باقى الفرقاء، فى ظل التركيبة الليبية المعقدة وفى ظل ترسانات الإسلحة التى تركها القذافى نهبا لكل المكونات القبلية والمتطرفة التى تزخر بها ليبيا، حيث تحولت أكثر من ثلاثة ملايين قطعة سلاح متنوع إلى لاعب جديد فى الساحة الليبية، بما أيقظ الصراعات القبلية واستشرفته مجموعات التطرف التى وجدت ليبيا فرصة سانحة.


تصورت مجموعات الإخوان فى لييبا أن بمقدروهم حسم الأمر عسكريا من خلال امتلاك ذراع عسكرية هو ميليشيات فجر ليبيا، التى رفعت شعار حماية الثورة الليبية كما لو كانوا هم من قام بها فى محاولة لاستنساخ تجربة الإخوان فى مصر، لكنهم سبقوا بخطوات بالالتحام بمجموعات أخرى مسلحة وبدأ الصراع بين مجموعتين الأولى تمثل الحكومة اللبيبة الشرعية المعترف بها دوليا فى طبرق، والتى حاولت دعم الجيش الليبى الذى اختير اللواء حفتر لقيادته وساهم الصراع بين قواته من جهة وميليشيات فجر ليبيا من جهة أخرى فى تمكين مجموعات داعش، التى زحفت من شمال مالى والغرب والجزائر وتونس إلى ليبيا مستهدفة السيطرة على ليبيا واتخاذها قاعدة جديدة للتنظيم، سيطر التنظيم سيطرة كاملة على مدينة درنة فى الشمال الشرقى بالقرب من الحدود المصرية ورفع رايته فوق الأبنية الحكومية، وقام برفع راياته السوداء على الملاعب الرياضية التى تحولت إلى ساحات لتنفيذ الإعدامات وعمليات الحدود الوحشية والإجرامية بالغة القسوة، التى هى من أدوات التنظيم المفضلة فى بث الرعب ونقل رسائله للخصوم المدينة التى تقع على الساحل بالقرب من الحدود المصرية والبالغ عدد سكانها ١٠٠ ألف نسمة، والتى تكمن أهميتها أنها لاتبعد أكثر من ٢٠٠ ميل عن الشواطئ الجنوبية لأوربا، وهو ما حاولت داعش إبرازه وتأكيده فى رسالتها المصورة عندما أقدمت على قتل ٢١ مصريا من أبنائنا فى الخامس عشر من فبراير من العام الماضى.


الأزمة الأكبر التى تواجه محاولات استعادة ليبيا تكمن فى التركيبة المعقدة للصراع الحالى فى ليبيا، فقد تجاوز الأمر الصراع بين الإخوان وباقى المكونات التى التئم جمعها فى مؤتمرات تحظى برعاية دولية، فلدينا صراعات قبلية تتصارع بعيدا عن ساحة التطرف ولدواع قبلية وتاريخية لا تعدم دعم تشاد والسودان، فضلا عن مكون قبلى سيطر على بعض حقول البترول واكتسب مركزا قانونيا جديدا، ففى المثلث النفطى الأهم فى راس لانوف والسدرة حيث تقع موانئ تصدير النفط تسيطر قبيلة تسمى نفسها حرس المنشآت النفطية تحت قيادة إبراهيم جذران الذى أيد حفتر فى البداية قبل أن يعلن انشقاقه عنه، كما يسيطر أيضا على منطقة فى شمال اجدابيا هو وقبيلة بوظفيرة.


تمثل المشكلة الثانية التى قد تواجه أى حكومة موحدة وجيش موحد هى قوة الميليشيات التى سيطرت على العديد من المواقع المهمة والمطارات والموانئ النفطية، حيث سيخوض هذا الجيش معارك على العديد من الجبهات يحتاج فيها إلى إسناد جوى كبير، هل سيقدمه العرب من خلال تحالف عربى أم حلف الناتو الذى سيعود ليكبل ليبيا الجديدة بقيود جديدة.


تبدو فكرة قوات مشتركة من دول الشمال الإفريقى فكرة تستحق الدراسة، باعتبار أن خطر مجموعات الإرهاب يهدد صيغة الدولة فى الشمال الإفريقى كله فهل تنجح تلك الدول فى تكوين قوة مشتركة تساعد فى استعادة وحدة وسلام ليبيا ومواجهة صناعة بؤرة جديدة للفوضى، على غرار ما حصل فى سوريا والعراق.


أتصور أن نقطة البدء الصحيحة هى فى تأمين قرار دولى ودعم كبير لتشكيل قوة مشتركة عربية وإفريقية تأخذ بزمام المبادرة فى القارة، وهو أمر رغم أهميته وأولويته إلا أنه يصطدم بالتباين فى المصالح والأجندات والارتباطات بين بعض الدول الإفريقية والمصالح الغربية.


عندما نعلم أن داعش اختارت ليبيا لتكون المركز البديل لحركتها بعد ما تواجهه فى سوريا والعراق، مع تقارير تتحدث عن فرار أبوبكر البغدادى زعيم التنظيم إليها بعد إصابته وتلقيه العلاج فى تركيا، والإفلات من الضغوط على تركيا التى تتعرض لضغوط من روسيا وأوربا بالأساس من أجل المساهمة فى القبض عليه أو قتله، وعندما نعلم أن أكثر من ٤٢ تنظيما مسلحا حول العالم بايع داعش منها ٨ تنظيمات فى إفريقيا وحدها، أنصار الشريعة فى ليبيا وعقبة بن نافع فى تونس وأنصار بيت المقدس فى مصر وبوكو حرام فى نيجيريا وجنود الخلافة فى الجزائر وجماعة المرابطين فى مالى، ندرك أن التنظيم يطوق ليبيا ويتجه لها، وعندما نرصد حرصه على استهداف الموانئ النفطية والسيطرة على مراكز إنتاج النفظ نتأكد من محاولة استنساخ السيناريو الذى سلكه فى سوريا والعراق.


التحدى الآخر هو أن ٩٠ ٪ من مساحة ليبيا صحراء تسمح لهذه التنظيمات بالانتشار فى مجموعات، وخوض حرب عصابات طويلة لذا تبدو مواقف الدول الأقرب لليبيا مثل مصر وتونس والجزائر والمغرب ليست على مستوى ما تخبئه الأقدار لها، فتنظيم داعش لايخفى طموحاته فى ضم تلك الدول إلى خلافته المزعومة، التى أعد لها جيوشا من الأتباع تزحف نحو الساحل الليبى منذ شهور طويلة تحت سمع وبصر الجميع، لتؤسس بؤرتها الجديدة فهل تنتبه الدول العربية فى الشمال الإفريقى وتستعيد الحد اللائق والكافى والضرورى من التنسيق والعمل المشترك، من أجل مواجهة هذا الخطر وتوفير كافة أشكال الدعم السياسى لوحدة الشعب الليبى بكل مكوناته، ورعاية هذه المصالحة وتحييد أكبر قدر ممكن من أبناء الشعب الليبى بعيدا عن دائرة الإرهاب، لعزل هذه المجموعات والتعاون مع الجيش الليبى الموحد فى مواجهتها فى حرب قد تطول لسنوات، لكنها تبقى حرب تقرير مصيرنا جميعا فى مواجهة التتار الجدد أعداء الدين والإنسانية، إن إنقاذ ليبيا من قبضة الإرهاب هو أمر ممكن فقط لو سعينا لإنقاذ أنفسنا بدعم وتعاون مطلق مع خيارات الشعب الليبى الواحد دون إبطاء أو ركون لتباين زائف حول مصالحنا.