الحرب غير المعلنة التى يشنها الغرب ضد روسيا

17/12/2015 - 11:38:07

بقلم - د. نبيل رشوان الخبير فى الشئون الروسية

لا روسيا ولا أمريكا ولا الناتو يريدون الذهاب إلى فيتنام أو أفغانستان أخرى من هنا كانت حرب تكسير العظام الاقتصادية.


رغم الأزمة الروسية ـ التركية الحالية، يبقى الغاز هو شعرة معاوية بين البلدين، التى يحرص كل طرف على عدم قطعها، روسيا لأسباب اقتصادية، وتركيا لعدم بديل حاضر فى الوقت الحالى.


العالم كله يتابع تدخل روسيا فى سوريا لمكافحة الإرهاب بها والذى تخشى روسيا انتقاله إليها او إلى الدول الحليفة لها فى وسط آسيا. يسمع العالم فقط ازيز الطائرات وقرقعات الرصاص، ويسمع ردود أفعال الدول على محاربة روسيا للإرهاب، فبينما تعتبره بعض الدول العربية المؤيدة للمعارضة السورية عدواناً واحتلالاً روسيا، وأن الرئيس السورى باع بلاده لروسيا مقابل الحفاظ على السلطة، تعتبره دول أخرى أنه تدخل جاد للقضاء على الإرهاب والتطرف،والذى فى حالة نجاحه فى الاستيلاء على السلطة فى سوريا سيحرق المنطقة كلها، لكن العالم لا يسمع أى شئ عن حرب أخرى تدور رحاها فى صمت على الصعيد الاقتصادى لإنهاك واستنزاف روسيا اقتصادياً.


على أى حال ليس هذا هو بيت القصيد، القضية الرئيسية أن الكثير من الدول العربية وخاصة المؤيدة للمعارضة السورية، والتحالف الدولى بقيادة الولايات المتحدة تنبأت لروسيا بالفشل بل وتسعى لإفشال مهمتها فى سوريا، من خلال إمداد المعارضة بالسلاح والتهديد بإمدادها بصواريخ مضادة للطائرات لإسقاط الطائرات الروسية. وبينما تسعى روسيا من خلال ضرباتها للقضاء على المنظمات الإرهابية، وإخضاع المعارضة لتجلس كل الأطراف إلى مائدة مفاوضات للبحث عن حل سياسى، تحاول أطراف أخرى إفساد الدور الروسى الذى تعتبره تماديا وخروجا عن الحدود المرسومة له فى المنطقة.


لكن كما قلت هناك حرب أخرى تدور رحاها بعيداً عن الأعين وعن أزيز الطائرات. فكلنا يعلم أن حوالى ٤٥٪ من دخل روسيا يأتى من تصدير النفط والغاز فى الوقت الحالى بعد أن كان ٧٠٪، وفى الغالب كان النفط والغاز يصدر إلى أوربا عبر أنابيب، واستمر هذا التعاون على مدى عقود منذ أن كان الاتحاد السوفييتى موجوداً وحتى فى ذروة الحرب الباردة، ولم يسع السوفييت لاستغلال سلاح الطاقة مع أوربا الغربية بأى حال. وبعد انهيار الاتحاد السوفييتى وعندما حاول الغرب العبث بالحديقة الخلفية، لروسيا عبر جورجيا عام ٢٠٠٨ أشعلت روسيا دون تردد وقامت حرب روسية ـ جورجية لعزم الأخيرة دخول الناتو، لكنها لم تقطع روسيا إمداداتها لأوربا من النفط والغاز، ولعل السبب بالدرجة الأولى هو اعتماد روسيا على مداخيل النفط والغاز بالدرجة الأولى، وحتى بعد الأزمة الأوكرانية التى نشبت لنفس أسباب أزمة جورجيا تقريباً ظلت روسيا وفية لالتزاماتها.


الغرب وأوربا على وجه التحديد كانوا يدركون أنه لو استغنوا عن الغاز والنفط الروسى سيصيب روسيا والاقتصاد الروسى فى مقتل فسعوا لإيجاد بدائل للنفط والغاز الروسيين. وعندما احتدت الأزمة السورية وتدخلت فيها روسيا بشكل مباشر وخلطت كل الأوراق فى منطقة الشرق الأوسط، كان لابد من الضغط عليها اقتصادياً من خلال محاربتها فى أهم مصدر للدخل من العملات الصعبة ـ النفط والغاز ـ والتى تبنى روسيا ميزانيتها على أساس أسعارهما، من خلال إغراق الأسواق العالمية بالنفط، فالولايات المتحدة أعلنت أن لديها ٧٠٠ مليون برميل احتياطى، والبدء فى تطوير تقنية الزيت الصخرى والغاز الصخرى بل وشجعت، بعض الدول فى هذا المجال، ودفعت حلفاءها فى أوربا لشراء الغاز المسال من قطر والنفط من المملكة العربية السعودية كما تفعل هذا بولندا حالياً بل وتصدر الغاز المستورد من قطر إلى ليتوانيا على بحر البلطيق، وهناك مسعى فى أوربا بصفة عامة لاستيراد غاز قطرى مسال كبديل عن الغاز الروسى، بحيث يتجمع فى دولة أوربية واستغلال الأنابيب الموجودة لضخه لبقية دول أوربا.


والافتراض بأن الأزمة الحالية غير المسبوقة بين موسكو وكييف هى نتيجة سعى القيادة الأمريكية إلى وضع منظومة نقل الغاز وتوزيعه فى أوكرانيا تحت سيطرتها تعتبر محل جدل حتى الآن، لكنها ممكنة خاصة بعد أن تداخل نجل نائب الرئيس الأمريكى جو بايدن مع مجمع الطاقة الأوكرانى بعد الإطاحة بالرئيس الأوكرانى السابق فيكتور يانوكوفيتش، أيهما حدث أولا مسألة مثل أيهما خلق أولاً البيضة أم الدجاجة . لكن الحقيقة الوحيدة فى هذا الموضوع هو السعى لتقليل اعتماد أوربا على الغاز الوارد من غازبروم الروسية بهدف إضعاف روسيا، هل تقوم بهذا أوكرانيا أو دولة أخرى ليس هذا هو المهم ، لكن المهم أن هذا أدى إلى نشوب ما يعرف بحرب الأنابيب.


لفت خروج شبه جزيرة القرم من تحت السيادة الأوكرانية وعودتها لروسيا بلا شك انتباه الخبراء لمساعى روسيا القادمة، و كان نتيجته هذا التصعيد الواضح داخل أوكرانيا والذى انتهى بنشوب حرب أهلية وما تلا ذلك من عقوبات غربية على روسيا ومن ثم التقارب بين موسكو وبكين وغيرها من التحركات التى تهدف إلى تحقيق توازن أوروآسيوى مع الغرب. من هذا المنطلق بالتحديد يجب النظر إلى العلاقات التى تربط اللاعبين الإقليميين الرئيسيين ومراكز القوى الخارجية و التى تشمل الولايات المتحدة و الاتحاد الأوربى وروسيا وتركيا و الصين وإيران وإسرائيل و العربية السعودية وقطر والهند وباكستان و الناتو ومنظمة شنغهاى للتعاون .


لقد كنت ومازلت أتابع تعليقات وسائل الإعلام على التشابة و الاختلاف بين الانتخابات الرئاسية التى جرت فى كل من أوكرانيا والجزائر ومصر وسوريا وإسرائيل، و الانتخابات البرلمانية فى العراق. وبصرف النظر فى أى بلد من البلاد المذكورة جرت هذه الانتخابات، إلا أنه انتابنى إحساس غامض وغريب، على الأقل من ناحية الاهتمام الذى يوليه الخبراء بهذه الانتخابات، وهو أمر لا يتناسب مع أهمية هذه الانتخابات التى لن تحدد مصير العالم أو حتى تحديد مصير دولة محددة وعلاقتها بمحيطها الخارجى وأهمية من يحكم فى هذه الدولة أو تلك. ففى واقع الأمر المصالح الاقتصادية والجيوسياسية و العسكرية الاستراتيجية للقوى العظمى و اتباعها وحلفائها هى التى تحكم العملية، أما الديموقراطية بما فى ذلك فى أوكرانيا فهى ليست أكثر من آلية لتحقيق مصالح القوى العظمى، وهو ما تحدث عنه رئيس الولايات المتحدة الحالى بصراحة ووضوح . ميزة باراك أوباما أنه يتحدث عن طموحات بلاده بوضوح ويضع النقاط على الحروف فى الوقت الذى كان يفضل فيه أسلافه المواربة.


من كل ما ذكرنا، من الممكن أن نستنتج أن الهدف الأساسى للرئيس الأمريكى هو الحفاظ على الهيمنة الأمريكية بأى وسيلة وبأى ثمن، ووفق رأيه الدولتان اللتان تعيقان هذه الهيمنة هما روسيا والصين . بمعنى أدق كانت الولايات المتحدة تسعى فى الفترة الأخيرة لإعاقة الصين فقط من أن تصبح قوة عظمى، أما روسيا فقد كانت تعتبرها الولايات المتحدة بعيدة عن فلك الدول العظمى فى الاستراتيجية الأمريكية، وقد ظهر هذا بوضوح من خلال تعيين السفراء الأمريكيين فى موسكو، وبدلاً من تعيين شخص متميز جداً مثل وليم بيرنز ، تم تعيين مايكل ماكفول غير الفاهم لدوره أصلاً ، لدرجة أنه سافر ليحل مشاكل عائلية أثناء أكبر أزمة تشهدها العلاقات الروسية ـ الأمريكية منذ الحرب الباردة (الأزمة الأوكرانية).


لكن الأزمة السورية والتدخل الروسى فيها أظهر أنه يجب أخذ روسيا فى الاعتبار، وهو الأمر الذى أغضب الولايات المتحدة حيث أعربت عن رضاها عن إقامة الألعاب الأوليمبية الشتوية فى سوتشى الروسية وهددت بمقاطعتها، و لذلك أعتقد أن عملية الإطاحة بالرئيس الأوكرانى يانوكوفيتش تم الإعداد لها أثناء الأوليمبياد الشتوى ٢٠١٤ ، بنفس السيناريو الذى نشبت به الحرب الجورجية ـ الروسية إبان أوليبمياد عام ٢٠٠٨ فى بيكين عندما هاجم الرئيس الجورجى أوسيتيا الجنوبية ، وهو ما يدل على فقر الوسائل الأمريكية وعدم الإبداع فى الوسائل التى لدى القيادة الأمريكية الحالية . ويمكننى القول بثقة، أن هناك سيناريو لا أحد فى القيادة يمكن أن يتصوره، وهو لا الولايات المتحدة ولا الاتحاد الأوربى وبالتالى الناتو يريدون الإنجرار إلى «يوغسلافيا» جديدة ، ولا روسيا ترغب فى الذهاب إلى أفغانستان ولا الولايات المتحدة لفيتنام جديدة، على الرغم من أن بعض المحاربين القدماء الذين خسروا الحرب فى فيتنام يرحبون بذلك مثل جون ماكين .


ثم يأتى هجوم بعض المتطرفين على السفارة الروسية فى كييف، و إعلان وزير الخارجية الأوكرانية عن احتمال قطع العلاقات الدبلوماسية مع روسيا، وطلب كييف من الغرب فرض عقوبات تصيب الاقتصاد الروسى بالشلل، ثم مغامرة إنشاء خط دفاعى أوكرانى على الحدود مع روسيا، ثم تصريحات حاكم دنيتسك التابع للحكومة التى كان من شأنها جر روسيا وأوكرانيا للحرب، كل هذه أمور تذكرنا بأسوأ أيام الاستفزاز أثناء الحرب الباردة، وعلى الرغم من تمسك روسيا بالحوار الدبلوماسى مع الغرب بخصوص الأزمة الأوكرانية، فأعتقد أن الصدام بين روسيا و الناتو على خلفية الأزمة الأوكرانية مستبعد تماماً تحت أى ظرف من الظروف . واستيلاء تنظيم الدولة الإسلامية على مناطق شاسعة من العراق وسوريا دليل واضح على ذلك، فعلى الرغم من المخاوف من تقسيم العراق فى المستقبل القريب إلى دولة سنية ستنتهج بلا شك الإسلام المتطرف، وهو الأمر الذى سيشكل خطورة على الشرقين الاوسط و الأدنى أكثر من طالبان، فى الوقت الذى لا يستطيع فيه أحد أن يراهن على دعم أمريكى، فالعراق يستطيع الاعتماد على طهران أفضل من الأمريكيين . فالأمريكيون تخلوا عن نورى المالكى ، الذى على الرغم من علاقته الجيدة بإيران ودعمه لبشار الأسد كان بالنسبة لأوباما جزءا من تنفيذ الاستراتيجية الأمريكية فى العراق، و يمكننا توقع أن نفس مصير نورى المالكى سيلقاه بيوتر بوروشينكو الرئيس الأوكرانى الحالى ورئيس وزرائه ارسينى ياتسينيوك و تورتشينوف رئيس البرلمان (القيادة الأوكرانية الحالية) .


فى الوقت الحالى واضح جداً أن هدف الولايات المتحدة هو الحفاظ على أوكرانيا على وجه الخصوص كدولة ترانزيت لعبور الغاز الروسى إلى أوربا، لأن هذا يعنى ضخ موارد مالية فى اقتصاد أوكرانيا على حساب موسكو بشكل غير مباشر، هذا فى نفس الوقت الذى ستدور سياسياً وعسكرياً فى فلك واشنطن وبروكسل (الناتو) فقط . وعلى الرغم من أن ممر الغاز الشمالى (North Stream ) الذى أنشئ بصعوبة يعمل ووقف ضخ الغاز من خلاله أصبح غير ممكن، فإن مشروع (ٍ(South stream يتم تدميره بكل الوسائل الممكنة من الأوربيين و الأمريكيين، لتبقى أوكرانيا ممر الغاز الوحيد لأوربا، كما أن هذا يقوى من الموقف السياسى و الاقتصادى لدول عبور الغاز من خلال مثل بلغاريا وصربيا وتركيا، وكذلك الدول المصدرة للغاز التى حسب تخطيط القيادات الأوربية و الأمريكية سيكون عليهم تنحية روسيا ولو جزئياً من السوق الأوربى، وعلى رأس هذه الدول أذربيجان ودول وسط آسيا وعلى رأسها تركمنستان، وضغط الغرب على أذربيجان وتركمنستان لتنفيذ مشروع خط أنابيب غاز بحر قزوين أو ما يعرف «ممر غاز قزوين الجنوبى» فى شهرى مايو ويونيه من العام الجارى من الممكن أن يؤتى ثماره فى المستقبل القريب، كما أن إحياء مشروع إنشاء منظومة قوية لتوريد الغاز لأوربا من كردستان وإيران فى تخطى لروسيا مازال على جدول أعمال الأوربيين على خلفية الحوار المرتقب بين الولايات المتحدة وإيران. رغم أن طهران لم تبد مرونة كبيرة فى موقفها حول برنامجها النووى، ومع ذلك تم توقيع الاتفاق فى النهاية.


بمعنى آخر فإن الغرب على استعداد لأن يسلم بإيران نووية، كما سلم من قبل بنووية الهند ونووية باكستان، مقابل دخول الموارد النفطية الإيرانية كعنصر فى حرب الغرب الاقتصادية على روسيا، وهناك ضمان لأن توافق إيران على هكذا تقارب مع الغرب بنسبة مائة فى المائة. فالمهمة الرئيسية للرئيس حسن روحانى هى التخفيف من العقوبات الاقتصادية واستئناف تصدير النفط ومنتجاته وفتح الطريق لتصدير الغاز الإيرانى للأسواق العالمية .


لكن هذا التوجه الخاص بتنوع مصادر الغاز لأوربا من الممكن أن يتم تطويره على الأكثر فى المستقبل المتوسط ، فبخلاف ممر «ممر غاز قزوين الجنوبى» الذى ستكون فيه أنقرة هى الرابحة بصرف النظر عن تطور الأحداث فى أى اتجاه، وهو الأمر الذى سيرفع من شأن المجموعة الحاكمة فى تركيا على الساحة الداخلية فى البلاد، فدور تركيا كإحدى الدول الرئيسية لعبور النفط والغاز سيبقى بصرف النظر عن مصدر النفط و الغاز الواصل لأوربا عبر أراضيها، سواء كان الخام أو الغاز من إيران أو دول الخليج، أو من شمال العراق أو من دول بحر قزوين أو حتى من روسيا فى حال بناء خط الغاز الجنوبى (south stream)، الذى لن يمتد عبر دول البلقان بل عبر تركيا التى لن يستطيع الموردون رفض خدماتها كدولة عضو فى الناتو وعضو منتسب فى الاتحاد الأوربى. وبعد الأزمة التركية ـ الروسية الأخيرة على خلفية قيام تركيا بإسقاط الطائرة الحربية الروسية، وقع الأتراك والروس فى مأزق، فتركيا لا تستطيع الاستغناء عن الغاز الروسى الذى تستورد منه ٥٠ مليار متر مكعب سنوياً، بالإضافة إلى طموح تركيا لأن تكون منطقة عبور الغاز الروسى إلى أوربا كبديل لأوكرانيا. على الرغم من فرض روسيا حظر على السياحة الروسية لتركيا ووقف استيراد الخضروات والفواكة والملابس منها، إلى أن الجانبين توقفا عند معضلة الغاز فلا روسيا اتخذت قرارا بوقف تصدير الغاز لتركيا كنوع من العقوبات ولا تركيا تستطيع الاستغناء عن الغاز الروسى على الأقل فى المستقبل القريب، وربما هذا يفسر زيارة الرئيس بوتين لإيران بعد الأزمة، وزيارة إردوجان للخليج، لا إيران إذا سنحت الفرصة سوف تتركها للخروج للسوق الأوربى للغاز من خلال تركيا، ولا الغاز القطرى بتكلفته العالية بسبب عبوره من قناة السويس سيسد احتياجات السوق التركى، البديل الوحيد للخطط التركية هو تصدير الغاز الروسى إلى أوربا مباشرة مع تخطى أوكرانيا بما فى ذلك عبر شبه جزيرة القرم ، غاز بحر قزوين يمكن كذلك تصديره إلى الشرق أى إلى الصين أو اتجاه أفغانستان ـ باكستان ـ الهند. بهذا الخصوص من الملفت للنظر فى تتبع الأحداث حول الغاز التركمنستانى (حوالى ٨٠ مليار متر مكعب سنوياً) يصدر ٥٢٪ منه بشكل استثنائى للصين، ٢٤٪ لروسيا (روسيا تشترى الغاز التركنستانى بهدف الاحتكار والسيطرة على أسعار الغاز العالمية)، ٢٢٪ لإيران. وزيادة التصدير للصين هو فى الغالب الأرجح فى المستقبل خاصة بعد إنشاء فرع جديد لخط أنابيب الغاز «وسط آسيا ـ الصين» بطول ١٨٣٠ كم وبطاقة استيعابية ٢٥ مليار متر مكعب فى العام (١٠ مليارات من تركمنستان و١٠ مليارات من أوزبيكسان و٥ مليارات من كازاخستان) وبدأ إنشاء هذا الفرع ٢٠١٢. الفرع A و الفرع B دخلا الخدمة فى أعوام ٢٠٠٩ و٢٠١٠ على الترتيب وتصدر تركمنستان إلى الصين الآن ما مجمله ٣٠ مليار متر مكعب من الغاز سنوياً .


لفترة طويلة كانت قطر تسيطر على عملية إنشاء خط أنابيب غاز تركمنستان ـ باكستان (على أن يمتد مستقبلاً إلى الهند) وكانت تضمن تأمينه أثناء مروره فى أرض أفغانستان وتقوم بتمويله، فى نفس الوقت تسعى أنقرة إلى عرقلة هذا المشروع لأنه فى حال الانتهاء منه ستخسر الغاز التركمنستانى الذى يجب أن يمر عبر أراضيها إلى أوربا ولهذا فهى تسعى عبر قواتها المشاركة فى الناتو وشركاتها المشاركة فى الإعمار بأفغانستان ، ومن خلال الأفغان التركمان و الأوزبك خلق نوع من التكتل التركى فى أفغانستان لإعاقة المشروع، فى نفس الوقت تسعى العربية السعودية لإفشال المشروع القطرى، إنطلاقاً من بواعث سياسية أكثر منها اقتصادية، فالصراع بين الدوحة و الرياض وصل إلى حد المواجهة المسلحة التى تجرى على أراضى دول أخرى بالوكالة عنهما عبر مجموعات إسلامية، ففى ليبيا وسوريا ولبنان والعراق ودول الشرق الأوسط و الأدنى الأخرى تجرى عملية صراع مشترك بين الوهابيين للقضاء على تنظيم الدولة و الإخوان المسلمين الذين ترعاهم قطر وجبهة النصرة القريبة من القاعدة فى سوريا، والتى تدعمها العربية السعودية. وهنا يجب الانتباه إلى محاولات تحويل شمال أفغانستان للوهابية والتى يقوم بها مبشرون سعوديون فى هيرات وحتى مزار شريف، وعبر الطريق البرى بينهما ومن هناك تتسرب الخلايا الوهابية فى النهاية إلى قزوين وتركمنستان عن طريق السيارات وهو تكتيك سعودى معروف، فحتى وقت قريب كانت الحدود الأفغانية ـ التركمانية هادئة حيث كانت تركمنستان ترسل للتركمان الأفغان مواد غذائية ومواد طبية وأدوات مدرسية، ويعمل فى أفغانستان أطباء من تركمنستان بدون مقابل وتمد تركمنستان جارتها أفغانستان بالكهرباء مجاناً. ورغم ذلك هذا العام ٢٠١٤ هوجم حرس الحدود التركمنستانى من الأراضى الأفغانية دون أسباب من مناطق فارياب وباجديس (مناطق محتملة لمرور خط أنابيب الغاز التركمانى لباكستان ثم الهند عبر أفغانستان)، راح ضحية الاشتباكات عدد من أعضاء الجماعة السلفية التركمنستانية، معروف فقط حادثتين من هذا النوع الأولى حدثت ليلة ٢٧ فبراير، حيث قامت مجموعة من مقاتلى حركة طالبان من قرية توب شيخ بمنطقة بيدجيس بقيادة عبد الله مولاوى والحادثة الثانية يوم ٢٤ مايو قامت بها مجموعة بقيادة غلام ديستيجير توبان من أراضى منطفة فارياب. تجاهلت الخارجية التركمنستانية الحادثة الأولى واعترفت بالثانية وارسلت مذكرة احتجاج لكابول . التفسير الوحيد لما حدث هو حث تركمنستان على رفض خط الأنابيب الذى سيمتد إلى باكستان ثم الهند عبر أفغانستان لصالح خط ممرغاز قزوين الجنوبى، ونلاحظ أن تنفيذ هذا المشروع سيؤثر بشكل سلبى للغاية على مواقف موسكو وطهران اللتين تعترضان على إنشاء خط أنابيب تحت مياه بحر قزوين دون موافقة كل الدول المطلة عليه كما سيزيد من توتر العلاقات بين رئيس أذربيجان إلهام علييف بنظيره التركمنستانى قورباجولى بيرديمخمدوف المتوترة اصلاً. بالإضافة لوجود أسباب موضوعية للخلافات لم تحل حتى الآن على سبيل المثال الخلافات بين أذربيجان وتركمنستان حول حقول كيابز فى سيردار وتشراج فى أوسمان وإيزيرى فى هازار وهناك خلاف بين أذربيجان وإيران فى الجزء الجنوبى من حوض قزوين حول تبعية تراكيب جيولوجية حاملة للنفط مثل أزار و الوف وشرق.


على مدى سنوات عديدة سعت تركمنستان لتخريب أى تعاون مع أذربيجان فى إطار «ممر غاز قزوين الجنوبى» إلا أنه فى خريف هذا العام تغير الوضع تماماً تحت ضغط من تركيا والاتحاد الأوروبى والولايات المتحدة وتم الإعداد لاتفاقية إنشاء خط غاز قزوين بدأت منذ عام ٢٠١١ وفى نهاية عام ٢٠١٣ تم تسليمها لحكومتى أذربيجان وتركمنستان، وتعرفت القيادات العليا فى كل من تركيا وأذربيجان وتركمنستان على التفاصيل السياسية للاتفاقية فى مؤتمر الدول الناطقة بالتركية فى بودروم التركية ، وقد حضر رئيس تركمنستان التى لا تعتبر عضواً فى هذه المنظمة هذا الاجتماع كضيف شرف، واستمرت مناقشة المشروع فى مؤتمر الغاز الذى عقد فى الما آتا عاصمة كازاخستان خلال الفترة من ٢٥ ـ ٢٦ يونيه، على أساس أنه فى حالة الموافقة على المشروع ستوقع الاتفاقية النهائية يوم ٢٩ يونيه فى منتجع أويزا بتركمنستان على بحر قزوين . خط غاز قزوين هام جداً للاتحاد الأوربى وقد ساعد على الدفع به مانويل بورزو رئيس اللجنة الأوربية آنذاك، ومثل الولايات المتحدة فى المشروع نائب مساعد وزير الخارجية الأمريكى لشئون جنوب ووسط آسيا. البنية التحتية من جنوب تركمنستان حتى شاطئ بحر قزوين «خط الأنابيب شرق ـ غرب» ستكون جاهزة مع حلول عام ٢٠١٦ ، الأنابيب ستمتد من حقل جاليميش حتى محطة بيليك غرب البلاد، وسيتخذ خط الأنابيب طريق تينجيز (كازاخستان) ـ تركمنباشى (تركمنستان) ـ باكو (أذربيجان) ـ تبليسى (جورجيا) ـ إيزوروم (تركيا) ومن المفترض أن ينقل الخط ما بين ٢٠ ـ ٣٠ مليار متر مكعب من الغاز إلى الاتحاد الأوربى، تجدر الإشارة إلى أن خط أنابيب الغاز باكو ـ تبليسى ـ إيزوروم يعمل بالفعل، خصوصية الوقت الراهن تكمن فى إقناع تركمنستان بعدم تصدير الغاز إلى الصين لصالح التصدير غرباً عن طريق نقل الغاز بعيداً عن روسيا (حيث تنقل الغاز عن طريق خط روسى مما يعطى روسيا فرصة للتحكم فى سعر النقل مما يرفع سعر الغاز حتى لا يكون منافساً للغاز الروسى) عن طريق خط أنابيب بحر قزوين الذى يمر فى كازاخستان، وتؤكد القيادة التركية أن الصين لم تعد فى حاجة إلى غاز من تركمنستان بعد توقيع اتفاقية طويلة الأمد مع روسيا، لكن الخبراء يعتقدون أن هذا غير صحيح فالمنافسة سوف يحكمها فقط الأسعار التى ستبيع بها كل دولة الغاز، على الرغم من أن إنشاء خط أنابيب غاز ألتاى الممتد من غرب سيبيريا للصين والمعروف باسم ((Siberian Powerوالذى اثار جدلاً فى القيادة الروسية، ربما سعر الغاز المتدنى نسبياً والفترة طويلة الذى نصت عليها الاتفاقية (٣٠ عاما) مع الصين أخذاً فى الاعتبار احتمال المنافسة مع الغاز التركمنستانى. ولهذا دخلت روسيا مجال الغاز المسال لإعطاء نفسها حرية حركة فى تصدير الغاز، ووقعت اتفاقية مع مصر لتصدير غاز مسال، ومن المتوقع توالى هذا النوع من الاتفاقيات لتنافس بذلك قطر، كما من المتوقع مشاركة عملاق الغاز الروسى غاز بروم فى تنمية حقل الغاز المصرى شروق مع إينى وقد تقوم الشركة الروسية بعمليات بحث وتنقيب فى المياه العميقة قبالة مصر بعد النتائج التى حققتها شركة إينى الإيطالية، كما مدت روسيا خط أنابيب ثان تحت بحر البلطيق سيصل إلى المانيا الشريك التجارى الأكبر لروسيا فى مجال الطاقة وذلك تمهيداً للتخلى نهائياً عن أوكرانيا كدولة ترانزيت للغاز الروسى، باختصار روسيا تتجه شرقاً فى تصدير الغاز والنفط، لتأمين زبائن جدد عوضاً عن الزبون الأوربى المستهلك الأكبر للغاز الروسى، كما اتفقت روسيا على تصدير ٥٠ مليار متر مكعب من الغاز إلى تركيا.


من المتوقع أن يكون استهلاك الصين من الغاز مع حلول عام ٢٠٢٠ حوالى ٢٠٠ مليار متر مكعب سنوياً، فى حين إنتاجها السنوى لا يزيد عن ١٢٠ مليار متر مكعب، أى أنها ستستورد حوالى ٨٠ مليار متر مكعب فى العام، نتيجة لهذا سوف تشتعل المنافسة ليس بين روسيا ومنتجى الغاز فى وسط آسيا على سوق الغاز الصينى ولكن مع منتجى الغاز المسال الذى كانت تستورده الصين من دول أخرى مثل استراليا وإندونيسيا وقطر.


على أى حال خط غاز قزوين الجنوبى أنشئ بهدف وضع العراقيل بل ونسف فكرة بناء(south stream ) وأسباب هذا ليست اقتصادية بالدرجة الأولى بل تدخل فى إطار السياسة. وبالمناسبة مشروع نقل غاز قزوين لأوربا ظهر قبل الأزمة الأوكرانية وغير مرتبط بها بأى حال من الأحوال، ويعكس المشروع حقيقة العلاقة مع روسيا من جانب الغرب للتعاون والتى يستخدمها الغرب حسب ضرورياته، ولا يدخر وسعاً لإضعاف موقف روسيا والصين على الساحة الدولية.


فشل خط الأنابيب الروسى (south stream) بعد أن رفضت بلغاريا بإيعاز من الاتحاد الأوربى مرور الأنابيب عبر أراضيها، مما اضطر روسيا أن تنهى الخط عن مضيق البوسفور وأن توكل تركيا فى بيع الغاز إلى أوربا مع إعطائها تخفيض، يسمح لها بتحقيق ربح بالإضافة إلى رسوم الترانزيت. وكان إفشال (south stream) رداً على إفشال روسيا للخط الأوربى نوبوكو عندما اشترت روسيا وإيران والصين معظم غاز وسط آسيا حتى لا يجد خط نوبوكو أى غاز لنقله، الذى قام الغرب بدعاية صاخبة له، وأسماه على اسم الملك البابلى نبوخذ نصر.


فى نفس الوقت تدرك أوربا أن روسيا فى إطار تأمين زبائن لغازها سوف تتجه شرقاً ومن هنا جات فكرة خط الأنابيب تاب (TAP) لنقل الغاز من حقل شاه ـ ديجيز فى أذربيجان من خلال تركيا ـ اليونان ـ البانيا وإيطاليا عن طريق خط أنابيب فى البحر الأسود، ويتوقع تطوير الخط بعمل تفريعات بين اليونان وبلغاريا إلى البلقان، وربطة بخط إنتشسيكو ـ أدرياتيك.


الهدف النهائى لهذه الحرب الضروس هو حصار روسيا اقتصادياً لإركاعها والحد من طموحاتها الجيوسياسية المتنامية، بعد استعادتها للقرم وفرضها لكلمتها فى الشرق الأوسط من خلال الأزمة السورية، ورغم الخسائر التى تتعرض لها السعودية نتيجة انخفاض أسعار النفط إلا أنها ترفض خفض إنتاجها من النفط لرفع السعر، وتهدف بذلك الضغط على روسيا لتغيير موقفها، روسيا صامدة حتى الآن، لكن الأزمة مرشحة للتفاقم خاصة بعد دخول إيران التى لديها ثانى احتياطى عالمى لسوق الغاز بعد رفع العقوبات عنها، بالإضافة إلى نزول النفط الإيرانى المقدر بثلاثة ملايين برميل إلى السوق العالمية المتخمة بالفعل الآن، فى الوقت الذى لا تستطيع فيه روسيا تخفيض إنتاجها لحاجتها الشديدة لمداخيل بيع النفط، ولأسباب فنية لا مجال لذكرها هنا. هل تصمد روسيا فى لعبة عض الأصابع مع الغرب؟ هذا يتوقف على مواقفها السياسية ويظهر ذلك من خلال مبادراتها لحل الأزمة السورية والأزمة الأوكرانية. الحرب الاقتصادية التى تتعرض لها روسيا لا تقل خطورة عليها من الحرب العسكرية، ولكن هذه الحرب تجرى فى الخفاء ولا يلحظها إلا المختصون، ولذلك تبذل القيادة الروسية جهوداً حثيثة لمواجهة هذه الحرب غير المعلنة.