بعد التدخل العسكرى التركى ٢٠١٦ عام تقسيم العراق

17/12/2015 - 10:58:25

تقرير: عزة صبحى

لايمكن فصل التدخل التركى فى الشمال العراقى عن تطورات المواقف الدولية فى المنطقة. واشنطن أعلنت عن تغيير فى استراتجيتها فى محاربة داعش، دول غربية أكدت استحالة هزيمة التنظيم الإرهابى دون تدخل برى، وموسكو ترفع من استعدادتها العسكرية فى سوريا لنفس الغرض. حشد عسكرى دولى غير مسبوق فى سوريا والعراق وسط تصاعد وتيرة الحديث عن الصراع الطائفى والمذهبى واقتراب ساعة الصفر لإعادة رسم خريطة المنطقة.. القادم أسوأ لامحالة .


استمراراً للدور التركى الجديد فى المنطقة «دور البلطجى» أكد الرئيس اردوغان أنه لن يسحب قواته العسكرية من شمال العراق تحت أى ظروف وأن من حق تركيا الحفاظ على أمنها فى لو خارج أراضيها بعد أن اصبحت العراق على حد قوله مرتعاً للإرهابيين .


تركيا حركت أعداداً إضافية من قواتها العسكرية إلى مدينة بعشيقة فى شمال العراق على بعد عدة كيلومترات ، من مدينة الموصل الهامة فى محافظة نينوى وهى من المناطق المتنازع عليها بين إقليم كردستان الذى يتمتع بالحكم الذاتى والحكومة العراقية فى بغداد.. تضم القوات التركية وحدات من الاستخبارات العامة والعسكرية إضافة إلى وحدات تابعة للقوات الخاصة التركية (من ذوى القبعات الزرقاء والحمراء) والفرقتان مزودتان بالقدرات القتالية العالية فى المناطق الجبلية وفى ذروة المواجهات القريبة والقيام بعمليات كشف وتثبيت للمواقع الاستراتيجية وضربها لمحوها. من هنا لايبدو أن مهام هذه القوات هى مجرد تدريب قوات البشمركة أو الحشد الوطنى لمحاربة داعش بل الاشتراك فى محاربتها خاصة مع مايتردد من استعداد أنقرة لزيادة قواتها هناك فى الفترة القادمة .


تستغل تركيا محاربة داعش لتحقيق أهداف اقتصادية وسياسة كثيرة فى هذه المنطقة استغلالا للوضع الإقليمى الحالى والفوضى التى تضم العراق وسوريا . أنقرة تعزز دورها الإقليمى وتضمن مكاناً لها على المائدة الدولية الخاصة بتقسيم المنطقة بما يحقق مصالحها وأطماعها فى شمال العراق وفى سوريا . الأطماع التركية معروفة فى الموصل التى تدعى أنقرة أنها أقتطعتها فى الماضى فى زمن الاحتلال البريطانى للعراق ، هذا فضلا عن الثروة البترولية الهائلة فى الموصل.


استغلت تركيا الخلافات الكردية - الكردية فى إقليم كردستان لصالحها وتحالفت مع مسعود بارزانى وحصلت على حق إقامة قاعدة عسكرية دائمة فى منطقة بعشيقة فى مقابل تأييده فى البقاء فى رئاسة الإقليم ضد منافسه حزب طالبانى الكردى . وتؤكد بعض التحليلات الاقتصادية أن سيطرة تركيا على مدينة الموصل يسمح لخط الغاز القادم من قطر أن يمر عبرها إلى تركيا ومنها إلى البحر المتوسط ثم أوربا ليكون بديلا عن خط الغاز الروسى إلى أوربا والذى تستغله روسيا كعنصر قوة أمام الدول الغربية . بينما تتحدث تحليلات أخرى عن التدخل العسكرى التركى فى الشمال العراقى باعتباره بداية لتقسيم العراق إلى ثلاث دويلات كردية وسنية وشيعية على أن تتزعم تركيا الهلال السنى فى الشمال العراقى فى مواجهة الهلال الشيعى الممتد من العراق إلى إيران .


على الجانب العراقى الرسمى واصلت بغداد ادانتها للتدخل العسكرى التركى وأكدت التصعيد على كل المستويات السياسية والدبلوماسية بما فيها اللجوء لمجلس الأمن . أما على المستوى الشعبى فكانت ردود الأفعال أكثر سخونة حيث هددت قوات الحشد الشعبى وهى من الشيعة باستهداف القوات التركية فى العراق تماما مثل داعش ونددت باصرار تركيا على تفصيل عملية تحرير المناطق التى تسيطر عليها داعش فى الانبار ونينوى والتى أكملت الحكومة استعداداتها بالمشاركة مع قوات الحشد الشعبى وذلك لصالح السنة فى العراق .


السنة من جانبهم يؤيدون فى معظهم التدخل التركى فى الشمال العراقى حيث أدان السنة طوال العامين الماضيين تخاذل الحكومة العراقية فى الدفاع عن المناطق السنية فى العراق من السقوط فى أيد تنظيم داعش الإرهابى ، بل إن السنة اتهمت بغداد بالتفتت والامتناع عن تدريب وتسليم قوات العشائر السنية المسماة قوات الحشد الوطنى والتى تعمل على طرد داعش من المناطق السنية. قوات الحشد الوطنى السنية بزعامة أثيل النجيفى محافظ الموصل السابق تحظى بدعم تركى وكردى وامريكى واضح للمشاركة فى ممارسة داعش وتأسيس كيان سنى قوى فى العراق .


وكان الموقف الأمريكى قد شهد تغييرا واضحا فى الفترة الأخيرة حيث أْعلن أوباما عن تغير فى استراتيجية محاربة داعش فى سوريا والعراق، وأكد خبراء عسكريون امريكيون عن ارسال مزيد من القوات الأمريكية إلى العراق لمساعدة الجيش العراقى والاشتراك إذا لزم الأمر فى هذه العمليات، كما حشدت واشنطن مزيداً من الطائرات فى قواعدها فى تركيا ومن سفنها فى البحر المتوسط لتصل عدد السفن الأطلسية فى شرق المتوسط إلى خمسين قطعة حربية. يرتبط التغيير الأمريكى بالطبع بالوجود الروسى فى سوريا لممارسة داعش وهو الوجود الذى تم تعزيزه مؤخرا بعد اسقاط تركيا للطائرة العسكرية الروسية الحشود العسكرية الدولية فى سوريا والعراق تتوالى مع تعقيد واضح للمشكلة وضعف شديد من أصحاب الأراضى فى حمايتها وحماية مصالحهم، وربما يكون عام ٢٠١٦ القادم هو الأخطر فى تاريخ المنطقة.