أهداف التصعيد الروسى ضد تركيا فى مجلس الأمن واشنطن وموسكو وأنقرة وطهران فى جولة جديدة من الصراع على النفوذ فى الشرق الأوسط

17/12/2015 - 10:54:37

  الأتراك يتوغلون شمالى العراق الأتراك يتوغلون شمالى العراق

السيد عبد الفتاح رئيس مركز القاهرة للدراسات الكردية

مع دخول الأزمة التركية العراقية بسبب نشر تركيا عددا من جنودها فى شمال العراق، أسبوعها الثانى، لايبدو أن هناك تغيرا فى المواقف التى اتخذتها أطراف الأزمة سواء المباشرة بغداد وأنقرة، أو غير المباشرة موسكو وطهران وواشنطن. فكل طرف كرر تصريحاته وموقفه من الأزمة دون أن يصعد من لهجته وتصريحاته، ما يشى بأن جميع الأطراف إما أنها ليس لديها تصور عن خطوتها الثانية فى الأزمة ـ وهذا احتمال ضعيف بالطبع، لأن كل طرف دخل الأزمة وهو يدركها تماما وقد درس جوانبها كافة وسيناريوهات تطورها، لأنها فى الأساس تعتبر خطوة فى إطار صراع أكبر. وإما أن هذه الأطراف لاتريد أن تتورط فى تصعيد غير محسوب، على اعتبار أن جميعها تواصل سيرها بشكل غير معلن فى المخطط الذى وضعته لنفسها فى تلك الأزمة.


وبالتالى لا يمكن الجزم بأن هناك تطورا دراماتيكيا للأزمة سوف نشهده خلال الأيام المقبلة، وإلا لكنا شهدنا هذا التطور الدراماتيكى فى الأزمة الأكبر، أزمة إسقاط تركيا للطائرة الروسية. وما يدعم هذا التصور أن جميع أطراف الأزمة أو الصراع ليسوا فى عجلة من أمرهم، وأن الأمر أشبه بمباراة شطرنج تتطلب الهدوء والتفكير العميق قبل إتيان أى تحرك.


غير أن التصريحات الأخيرة الصادرة عن أقطاب أطراف الأزمة كفيلة بأن تعطى دلالات حول السيناريوهات المتوقعة لهذه الأزمة.


فمن جانب تركيا صرح رئيسها رجب طيب أردوغان بأن: “فكرة سحب بلادنا للجنود غير واردة حالياً»، لافتًا إلى أن الجنود «لم يذهبوا إلى الموصل لتنفيذ مهام قتالية وإنما للتدريب فقط، ويقومون بهذه المهام فى معسكر «بعشيقة» ومناطق أخرى».


ولفت أردوغان إلى إمكانية زيادة تركيا لعدد جنودها فى الموصل أو تقليصه حسب عدد القوات التى تتلقى التدريب، مؤكداً أن فكرة سحب بلاده للجنود غير واردة حالياً.


ومن خلال هذه الكلمات يحاول أردوغان أن يبدو متمسكا بموقف بلاده فى الأزمة، وأنه لاتراجع فيه أو سحب للقوات، ملمحا إلى أنه من الممكن أن يتم زيادة عدد الجنود الأتراك، لكنه فى نفس الوقت ترك الباب مواربا لخروج وسحب للقوات يحفظ ماء الوجه بإشارته إلى أن هناك إمكانية لتقليص عدد هذه القوات.


وفى نفس الاتجاه تواصلت التحركات التركية الرسمية لإدارة الأزمة وليس حلها، حيث زار وفد رسمى العاصمة العراقية بغداد، تكون من نائب وزير الخارجية فريدون سينرلى، ورئيس المخابرات هاكان فيدال، التقى برئيس الوزراء العراقى العبادى ووزيرى خارجيته ودفاعه إبراهيم الجعفرى وخالد العبيدى، للتباحث حول سبل تقريب وجهات النظر، وأكدا خلال اللقاءات أنه لا زيادة فى عدد القوات التركية، بينما المشكلة أصلا ليست فى عدد القوات وإنما فى وجودها على الأراضى العراقية.


أما العراق فقد نقل الأزمة إلى مربع متقدم وهو تدويلها والطلب من مجلس الأمن مناقشتها والتدخل لحسمها وفقا لسيادة الدولة العراقية، وهى خطوة يعلم العراق أنها قد لا تجدى كثيراً، لكنه قام بها حفاظا على ماء وجهه، لأن الدولة العراقية لا تملك من الوسائل غيرها، فرغم تصريحات العبادى والجعفرى وغيرهما بأن كل الوسائل مطروحة بما فيها القوة، إلا أن هؤلاء يدركون تماما أن الجيش العراقى ليس بمقدوره القيام بمثل هذه العملية، فى ظل الجبهات الكثيرة التى يحارب فيها داعش، وفى ظل أن مكان تواجد القوات التركية فى المناطق الخاضعة للأكراد وبصفة خاصة حزب مسعود بارزانى، وبالتالى فليس لهم أى سيطرة عليها.


هذا التحرك العراقى يراه فريق استجابة لضغوط أو رغبة روسية إيرانية بالنقل الأزمة إلى مربع متقدم يتم من خلاله الضغط على الأتراك وحلفائهم الغربيين، وهى جولة من جولات الصراع بين الفريقين.


فمن جانبها طلبت روسيا من مجلس الأمن مناقشة الوجود العسكرى التركى فى شمال العراق، ليكون الوجود العسكرى البرى التركى فى العراق بات فرصة أمام موسكو للرد على اتهامات تركية لها باختراق سيادة أجوائها بعد إسقاط الطائرة السوخوى بحجة اختراقها للأجواء التركية.


وربما تريد روسيا أن تقول لكل من دعم الرواية التركية فى حادث إسقاط طائرتها إنها تتقن أكثر من غيرها لعبة اختراق السيادة، فى الوقت الذى تصر على تلقين الآخرين دروسا فى ذلك.


فموسكو تحاول أن تضع قدما فى أزمة بين دولتين، برد فعل، قد يشفى ربما بعض غليلها مما وصفته بالطعنة التركية لها فى الظهر، خصوصا أن حسابات روسيا فى المنطقة وحرصها على عدم قلب القواعد لم يسمحا لها برد فعل عسكرى.


أما إيران فتنوعت التصريحات الرسمية منها، ومن القوى المؤيدة والمتحالفة معها الشيعية فى العراق، وذلك لأنها على ما يبدو تريد اللعب فى الأزمة بشكل غير مباشر، حيث أكد السفير الإيرانى فى بغداد، حسن دانائى، أن اللجنة المشتركة بين إيران وروسيا والعراق وسوريا، وهى لجنة لتبادل المعلومات، قد تتحول إلى تحالف رباعى فى المستقبل القريب.


وأضاف: «نحن ندعم الحكومة العراقية فى الخطوات والإجراءات الإصلاحية، ونحن نعلن استعدادنا للدعم ونقل تجاربنا فى مجال الإصلاحات، ولا نقصر بشىء تطلبه منا الحكومة العراقية، ولن نتأخر عن أى دعم عسكرى تطلبه وفى جميع المجالات كالتدريب، والمستشارين، وحتى التجهيز بالمعدات العسكرية”.


وأوضح أنه لا يمكن تسمية اللجنة المشتركة بين العراق، وإيران، وروسيا، وسوريا تحالفا، لكنها قد تتحول إلى تحالف فى المستقبل القريب.
واعتبر دانائى أن التحالف الغربى غير جاد فى محاربة داعش، وأن لدى إيران الكثير من الشكوك حوله.


هذا الموقف الرسمى الهادئ فى الظاهر، واكبته تصريحات نارية أطلقها حلفاء أو رجال إيران فى العراق خاصة الحشد الشعبى الذى توعد قادته الجنود الأتراك فى العراق بالويل وهددوا بضرب المصالح التركية فى العراق، فيما طالب السيستانى المرجع الشيعى الأعلى فى العراق، الحكومة العراقية بالحفاظ على سيادة البلاد ومواجهة الاختراق التركى.


الحلفاء يجهزون أوراقهم


ويمكن القول إن كل فريق بدأ بالفعل فى تجهيز أوراقه قبل أن تبدأ اللعبة الكبيرة والجولة الحقيقية على الأرض، وأوضحت الزيارات المفاجئة التى قام بها بعض أعضاء كل حلف أن هناك «طبخة» يتم إنضاجها سيتم الإعلان عنها قريبا، وإن كانت رائحتها قد فاحت ولم يعد بإمكان أحد إنكار هذه الرائحة.


وما زيارة مسعود بارزانى الأخيرة إلى تركيا والاستقبال الحافل الذى لاقاه من أكبر رأس فى النظام التركى وهو أردوغان وأوغلو، ورفع علم إقليم كردستان بجوار العلم التركى فى دلالة واضحة على عمق العلاقة بين الجانبين، ورسالة على العراق وإيران وروسيا أن يفهموها جيداً.


وردا على هذه الزيارة التى لم تأت على هوى أطراف كردية فاعلة أخرى فى العراق، زار وفد رفيع المستوى من حزب الاتحاد الوطنى الكردستانى بغداد والتقى بأركان النظام العراقى وقوى وأحزاب قوية فى الساحة العراقية منها نورى المالكى رئيس الوزراء السابق القوى، فيما يبدو لترتيب الأوراق فى المعسكر الآخر المواجه لبارزانى وأردوغان والسعودية وقطر والإمارات وأمريكا والغرب.


المؤكد أننا نستعد لتغيرات على الأرض فى كل من العراق وسوريا بعدما تحولا إلى ميدان كبير للصراع بين الكبار فى العالم.


الدب الروسى يدخل اللعبة


مثلما تدخلت روسيا فى الأزمة السورية، فإنها لم تهمل الملف العراقى الشائك والمعقد والمرتبط بتحالفات استراتيجية يجب صنعها لخوض المعركة الأكبر وهى الصراع على النفوذ فى المنطقة وتشكيلها من جديد وفقا للأجندات الخاصة، ولهذا انتهزت موسكو فرصة دخول الجنود الأتراك إلى الشمال العراقى، لتنفخ فى الأزمة فى محاولة منها لتشديد العقاب على تركيا وللضغط عليها بفتح أكثر من جبهة للصراع، خاصة أن للعراق أهمية استراتيجية كبيرة بالنسبة للأمن القومى التركى، كما أنه ساحة للتنافس التركى الإيرانى.


وسارعت موسكو إلى الطلب من مجلس الأمن لمناقشة ما اعتبره توغلا تركيا للأراضى العراقية.


ويرى البعض أن الطلب الروسى يأتى بدعوة صريحة وتأثير واضح من إيران التى أرادت أن تكون بعيدة عن ساحة المواجهة المباشرة بين تركيا والعراق، ووقفت بعيدا قليلا لتتابع ما سيحدث، ولكنها تحركت لتخاطب حليفها الروسى للتحرك دوليا ودبلوماسيا عبر مجلس الأمن.


كما أن روسيا رأت من المفيد لها أن تستثمر التواجد العسكرى التركى لتأجيج الصراع مع الأتراك، بما يحقق لها نتائج سياسية تزيد من الضغط على المسؤولين الأتراك بعد حادث سقوط الطائرة سوخوى.


كما تريد موسكو من تحركها تعزيز ضغطها الدبلوماسى ضد الحكومة التركية، وإظهارها أمام الرأى العام الدولى بأن لديها مشروعا سياسيا ومصالح استراتيجية فى الشرق الأوسط، تتعارض مع توجهات ومصالح الدول الكبرى والإقليمية.


كما أرادت روسيا أن تقول إن المسرح العراقى ليس حكرا على أحد، بحيث لا يترك لجهة دولية أو دولة كبرى، وأنها تمتلك مصالح واستراتيجية للتواجد فى المنطقة الملتهبة، وهو تلميح لإمكانية التدخل العسكرى الروسى فى العراق.


وفى تقرير حديث له يذهب مركز الروابط للدراسات الاستراتيجية، إلى أن التحرك والتدخل الروسى جاء بهدف التأثير على النتائج الايجابية التى حققتها زيارة رئيس إقليم كردستان العراق مسعود بارزانى لكل من الامارات العربية المتحدة والسعودية، والاستقبال الذى حظى به من قادة الدولتين، خاصة العاهل السعودى الملك سلمان، والتى دعمت وساندت القيادة الكردية فى الإقليم وسياستها فى التعامل مع الشأن والتطورات السياسية فى العراق، وأن أى حلول تشهدها المنطقة فى المستقبل سيكون لقيادة الإقليم دور حيوى فيها.


وكذلك أرادت موسكو وفقا للتقرير إحراج مسعود بارزانى داخليا فى إقليم كردستان، وإحداث شرخ فى علاقته مع حكومة بغداد ومحاولة وضع العراقيل أمام أى تفاهم بينهما.


وأخيرا يمكن القول أن الإعلان عن نشر القوات التركية جاء بعد أزمة اسقاط الطائرة الروسية العسكرية على الحدود مع سوريا، ومحاولة لتأجيج الصراع مع الحكومة التركية وزجها فى مواقف سياسية تحسب عليها فى التدخل بمناطق مهمة وذات نزاع عسكرى شائك وخطير، وتصعيد المواجهة مع تركيا لإحراج مسؤوليها، وتصعيد الموقف ضدهم بما يخدم السياسات الإقليمية والمصالح الدولية فى هذه المنطقة المهمة.


ونختم بأن كل الأطراف تتحرش ببعضها على الساحة السورية والعراقية، ويكفى التصريح الروسى بالتهديد برد عنيف إذا تمت مضايقة القوات الروسية فى سوريا، وهو تصريح قد يفتح الباب إلى أى استجابة للاستفزاز أو حتى لافتعال ذلك الاستفزاز لبدء المعركة المهمة مبكرا.