ترامب يلعب على أوتار الخوف والجمهوريون فى مأزق

17/12/2015 - 10:43:10

تقرير: هالة حلمى

أصابت تصريحات الملياردير دونالد ترامب العنصرية ضد المسلمين الحزب الجمهورى فى مقتل ووضعت الحزب فى مأزق لم يواجهه منذ عقود طويلة فعلى حكماء الحزب الآن اتخاذ القرار الصعب إما التخلى عن مرشحهم الأبرز فى سباق الانتخابات الرئاسية التمهيدية وإما الإطاحة بآمالهم فى استعادة البيت الأبيض من الحزب الديمقراطى بعد ثمانى سنوات من حكم باراك أوباما وحتى هذا الخيار تكتنفه المخاطر فى ظل تهديد ترامب بالترشح مستقلاً فى الانتخابات الرئاسية إذا تخلى الجمهوريون عنه.


فى الأسابيع الأخيرة وحتى قبل تصريحات ترامب العنصرية ترددت أحاديث كثيرة عن أن كبار أعضاء الحزب الجمهورى يشعرون بتوتر وقلق شديدين من الخطر الذى يمثله دونالد ترامب لفرصهم فى السباق الرئاسى وبعد عباراته المعادية للإسلام والمسلمين تحول هذا القلق لدى الكبار إلى حالة من الرعب الصريح، فمع تدافع الجمهوريين من زملائه فى الحزب أو فى السباق الرئاسى بالتنديد بتصريحاته كانت الاجتماعات خلف الكواليس مستمرة تعبر عن مخاوف حقيقية من الفاتورة الباهظة التى سيضطر الحزب لدفعها بسبب وجود ترامب فى السباق الرئاسى وأصبح زحزحة هذا الكابوس من طريق الحزب هو الشغل الشاغل لقادة الحزب الكبار، ولكن المأزق يزداد تعقيداً مع ظهور استطلاعات الرأى الواحد بعد الآخر والتى تؤكد كلها تربع ترامب بلا منازع على صدارة قائمة المرشحين فهو المفضل لدى نسبة تتراوح بين ٢٧٪ : ٣٠٪ من الناخبين الجمهوريين وأقرب مرشح إليه وهو تيدكروز الآن لا تتجاوز نسبة التأييد له ١٧٪، هذه الاستطلاعات تكشف بكل تأكيد أن خطاب ترامب العنصرى والساخر ليس من المسلمين فقط، بل حتى من جيرانه وحلفاء بلاده تروق لقطاع لا يستهان به من الناخبين الأمريكيين وأغلبهم من البيض الأقل تعليماً والأكثر ميلاً للتيار اليمينى المحافظ المتشدد، لقد نجح ترامب فى اللعب على وتر الخوف والأمن لدى تلك الفئة من المجتمع الأمريكى وغزت الأحداث المتلاحقة على الساحة الدولية تلاعبه بمشاعر الخوف وإتهامه لسياسات الحكومة الحالية بعدم القدرة على توفير الأمن للشعب الأمريكى والمتابع لحملات المرشحين الجمهوريين الآخرين الأبرز فى هذا السياق تيدكروز وبن كاربسون يجد أنها تسير فى نفس الاتجاه وإن كانت أقل عدائية وحدة والمثير أن أنصاره يجدون أن ترامب عديم الخبرة السياسية والعسكرية هو الجدير بالثقة فيما يتعلق بالأمن القومى الأمريكى وللأسف الصعود عن طريق العزف على وتر الخوف أصبح ظاهرة واضحة ليس فى الولايات المتحدة فقط بل على الساحة الأوربية بأكملها فنجد مارى لوبن فى فرنسا وحزبها الجبهة القومية اليمينى المتطرف يحققان انتصارات كبيرة من الجولة الأولى للانتخابات المحلية الفرنسية التى جرت فى السادس من ديسمبر الماضى وحتى قبل الأحداث الإرهابية الأخيرة فى فرنسا وجدنا التيار اليمينى يفوز من بولندا والمجر وفى سويسرا وفنلندا فى الانتخابات التى جرت هناك فى الشهور الأخيرة وجميعهم يلعبون على أوتار الخوف وعدم الإحساس بالأمان ويغذى تلك المشاعر انتشار البطالة فى أوربا وجمود الأجور فى الولايات المتحدة الأمر الذى تسبب فى معناة شديدة لفئة لا يستهان بها من الطبقة العاملة المتوسطة فى تلك البلاد هذه الطبقة تلقى بلوم كبير على المهاجرين الذين يشاركونهم فى خيرات بلادهم وعلى الطبقة العليا الحاكمة التى تنعم بالحياة ولا تدفع أبداً ثمن أخطائها تلك الطبقة التى تفسدها دوماً السلطة وتدير ظهرها لكل وعودها الانتخابية.


من هنا استطاع ترامب أن ينفذ للناخب الأمريكى بأسلوب الساخر اللاذع لدرجة أن البعض وصفه بالمهرج وقد نشر ترامب مؤخراً كتاباً يدين فيه بألفاظه المعتادة آفات أمريكا تحت عنوان “أمريكا المريضة: كيف نستعيد عظمة أمريكا؟” وجمع فى هذا الكتاب المواضيع التى كررها طوال الحملة ويطرح أفكاره الاعتيادية فى ١٧ فصلاً و٢٠٠ صفحة مثل “الضمان الصحى يجعلنا كلنا مرضى” أو رغبة تأيده لحق حمل السلاح وفى فصله عن السياسة الخارجية يصف العالم بـ “الطامة الكبرى” مستعيداً عبارة لاسطورة الملاكمة مايك تايسون الجميع لديه خطة إلى أن يتلقى لكمة فى فمه”. أنصار ترامب يجدونه شخصاً جديراً بالثقة، مستقل، مباشراً، حازماً ولكن حكماء الحزب الجمهورى لهم رأى مخالف وهم يؤمنون بأن مع مرور الوقت فإن دونالد ترامب وأسلوبه وتصريحاته ستبعد عدداً كبيراً من أصوات المعتدلين والشباب والأقليات غير البيضاء من الشعب الأمريكى ويكفى أن نذكر أن نجاح أوباما فى انتخابات ٢٠٠٨، ٢٠١٢ يرجع فى الأساس إلى فوزه بــ٨٠٪ من أصوات جماعات الأقليات، ولكن الحزب الجمهورى يعلم أيضا أنه لا يستطيع الفوز فى الانتخابات الرئاسية عام ٢٠١٦ بدون أصوات الطبقة العاملة البيضاء التى تسانده الآن رغم أن كل التقارير الديمقراطية تؤكد تناقص أعداد البيض فى أمريكا باستمرار مأزق الحزب الجمهورى ازداد تعقيداً بعد أن نشرت صحيفة الواشنطن بوست تقريراً أشارت فيه إلى اجتماع عقده ما يقرب من ٢٤ فرداً من كبار أعضاء الحزب ووصولهم إلى نسبة اتفاق بأنه إذا وصل ترامب إلى نهائيات السباق التمهيدى فإنه سيتزعم جناح التيار الشعبى فى الحزب للاصطفاف خلف بديل يكون قادراِ على مواجهة هيلارى كلينتون فى الانتخابات الرئاسية العامة. وقد دفع هذا التقرير المرشح الجمهورى بن كارسون إلى التهديد بالخروج من الحزب والانضمام لدونالد ترامب متهما قادة الحزب بالفساد وإنهم يسعون إلى تدمير الحزب. من المؤكد أن سباق الانتخابات الرئاسية الأمريكية ملىء دوما بالمفاجآت حتى لحظاته الأخيرة ولكن يبدو أن هذه المرة سيكون أكثر إثارة وتشويقاً.



آخر الأخبار