سحر الموروث السردى فى ذكرى نجيب محفوظ

17/12/2015 - 10:13:15

  مع فنجان قهوته استلهم محفوظ ابداعاته مع فنجان قهوته استلهم محفوظ ابداعاته

بقلم - د. أمانى فؤاد

فى هذه الأيام تحتفل مصر بمرور ١٠٤ أعوام على ميلاد أديبها الكبير نجيب محفوظ، هذه الذات المبدعة والمفكرة والإنسانية التى وضعت الأدب المصرى فى مصاف الآداب العالمية.. وبهذه المناسبة سأقدم لروايته «ليالى ألف ليلة» قراءة نقدية تركز على كيفية تعامل محفوظ مع موروثنا الثقافى.


فى عام ١٩٧٧م يكتب نجيب محفوظ رائعته «الحرافيش» بعد توالى نصوصه الروائية، التى عبرت عن مراحل فنية جدد بها صاحب نوبل بوعى وثًاب مشروعه الكتابى بداية من المرحلة التاريخية، والواقعية، ثم التعبيرية التجريبية، والرمزية وانتهاء بومضات أحلامه، التى تشبه الشفرات.. ويتساءل الجميع ماذا بعد الحرافيش وأولاد حارتنا، وأظنه قد تساءل مع ذاته دوما ماذا بعد..، فإذا به فى عام ١٩٧٩ م ينشر «ليالى ألف ليلة” ليخلًق تناصه الإبداعى الخاص مع كتاب الليالي، يضفر حالة من الاشتباك الجدلى بين الموروث والواقع، النص التراثى الشعبى الذى وُظف فى العديد من الأعمال الروائية العربية والعالمية، والأعمال السينمائية، والموسيقية السينفونية، وفن البالية، والرسم، والنحت.


ما هى الغواية التى قدمها النص الأم ليستفز طاقات محفوظ فيعيد بعث وإعادة صياغة شخصيات من تاريخ وعوالم ألف ليلة وليلة، يتجادل فيها ويلتبس الفلسفى بالعجائبي، والواقعى بالميتافيزيقي، والمادى بالتصوفى.


ــ ١ ــ


يعود نجيب محفوظ للنص التراثى، الذى تعدى حدود جغرافيته سواء فى البصرة وبغداد، أوفى الأحياء المصرية الشعبية فى مصر القديمة ليقدم له رؤية حداثية، وعلينا دراسة لسياق لحظة النشر أن نتوقع لماذا العودة لهذا النص الخيالى الشفهى؟


هل لأنه عرف تأثيره فى أدباء أمريكا اللاتينية، كما ذكر بورخس وماركيز فهو من أهم السرديات الأساسية، التى ألهمت طرائقهم ورؤاهم فى الإبداع فدفعت بتيارى الواقعية السحرية والفانتازيا فى الكتابة العالمية؟


وكأنه حدث نفسه أننا أولى بالنص العربى لنخلق منه عوالم جديدة تستند على الخيال لكنها تلامس الواقع، فتفضح نظم الحكم التى تتوالى على البلاد، وتشير إلى استمرار فساد السلطات وتعرض شعوبنا لأساليب القمع المتعددة.. كأنه قصد الوقوف على مواطن الخلل فى المنظومة السياسية الاجتماعية منذ التاريخ القديم، ووضعه تحت عقل ووجدان قارئه.


هل لأن قصص الليالى تقدم عوالم من الفلكلور والموروثات والمعتقدات الجمعية، التى تختلط الأساطير فيها بالواقع والواقع بالغرائبي، وببعث هذه الأجواء وطقسها البعيد يشعر الإنسان المعاصر ببعض الحنين للفترة الأسطورية من تاريخه، خاصة أن العقلانية والعلم والمنطق لم يهبوه ما يحتاجه من سعادة وسيادة. الحكايات فى الكتاب الأصلى تهتم برد الظواهر التى هيمنت على مظاهر حياة الإنسان القديم إلى كائنات وأجناس أخرى أسطورية ثم اكتسبت بعدا دينيا، وما زال تأثيرها فى حياتنا قائما فى أوساط ثقافية واسعة.


هل عاد لنص الليالى تأكيدا لقدرته المتجددة طيلة عطائه لفن الإبداع الروائى على التحديث وتجريب نوع مغاير من الكتابة، لا التجريب لمجرد التجديد، بل لأنه يفتح من خلال ارتياد عالم قديم عالم متجدد بإعادة صياغته على نحو مبتكر ليصنع إضاءات متجددة بالروح.


هل لأن النص يمتلك القدرة على تجاوز حدوده المكانية والزمانية التى شكلت صورته النهائية، وبه من المرونة ما يقبل التغيير من إضافة وحذف بحيث يكون قابلا لأن تعيش ثيمات قصصه فى زمن آخر ومكان آخر، ولتضمنه أيضا لكثير من الموتيفات الأساسية فى القص الشعبى الذى يعتمد على الفلكلور مثل موتيف السحر أو الجن أو حديث الحيوان.. ربما أيضا لثراء وتعدد عوالم الكتاب نفسه فهو مجموعة من القصص المتفرقة التى لا وحده ولا رابط لأجزائها.


كيف تعامل نجيب محفوظ فنيا مع النص الأصلى ليبدع نصه؟؟


فى اعتقادى أنه اعتبر القصص المنفردة داخل الإطار الأم تشكل وحدة متكاملة، ومادة خام لطبيعة حياة، وتاريخ ثقافى للشعوب حكام ومحكومين وعليه أن يؤلف منها مجتمعة وينقل طقسها العقائدي، فتعامل مع كتاب الليالى كأنه نص واحد وشكل سرديته الخاصة فى سياق فنى جديد يوظفه الروائى ليحكى عن الحاضر والواقعى عبر الفنتازى والواقعى السحرى.. ربما أراد محفوظ من هذه الانتقاءات من الكل البانورامى لقصص ألف ليلة وليلة أن يشير إلى نسبية الزمان والمكان فى حياة الإنسان العربي، عدمية نزواته وأحلامه وإخفاقاته وشهواته فى أوطاننا، وكأنه أراد أن يشير إلى عدم تغير الأنظمة السلطوية فى المجتمع الشرقى منذ قرون مضت، فنحن نعيش وفق مفهوم دائرى للزمن لا نتطور فيه للأمام، لطالما حلمنا بتحقيق العدل والحريات ومستوى لائق من حياة كريمة للمواطن العربى اقتصاديا وإنسانيا ولم نستطع أن نحقق شيئا حتى لحظتنا تلك.


كما أننا نلاحظ بهذا النص مستويين من إيقاع الأحداث أحدهما شديد السرعة الخاص بالشعب وصعود نماذجه وسقوطها، والآخر للحاكم فهو شديد الثبات ولا يتغير يقاعه إلا نهاية النص.


وهب الروائى لنفسه حرية انتقاء الشخصيات من كل قصص وحكايات ألف ليلة وليلة ولم يلتزم بشخوص كل قصة على حدة، ولذا رأينا معروف الإسكافى وحسن البصرى والسندباد وعلى البرى والبحرى والعديد من الشخصيات فى كيان سردى جديد (مكانى وزمنى) لم يجتمعوا فيه فى أصل قصص الليالي، هذا فضلا عن أجناس من الجن والملائكة لم يكن وجودهم على هذا النسق فى قصص الكتاب، فلقد أطلق خياله عبر آلية التحوير للتصرف فى مجريات القصص الأصلية.


غيب الوضوح والتوقع المنطقى للأحداث فاستدعى عالم العفاريت «قمقام، سنجام، سخربوط، زرمباحة..” لعالم السرد للتحكم بتصرفات الشخوص لتبدو بلا منطق، وهو الذى ناقش كثيرا بجل نصوصه الصراع بين العقل البشرى وعلومه، والمعرفة العرفانية أو الغيبيات، وكثيرا ما انتصر للعقل والعلم لكنه لم يتخل أبدا عن جانب من عرفانية المعرفة والتوازن الذى ينبغى أن يحدث بينهما، لكنها ليست المتمثلة بلا شك فى قوى الجن وتلك الموروثات التى لا تصمد للعقل والمنطق.


هل العفاريت هى ما يوازى ويرمز لعالم القدر والجبر ما يخرج عن حيز اختيار الإنسان الفعلى ما يجد الإنسان ذاته مساقا له دون أن يكون ضالعا فيه لهذه الدرجة التى تورطه فى الأحداث والمصائب التى تحدث له.


ــ آلية الحلم ووضعها فى منطقة بين الحقيقة والمجاز الواقع والوهم وهو ما يخلق طقسها الفنتازى مثل قصة صنعان والجن قمقام، قصة أخت شهر زاد دنيا زاد وحبيبها نور الدين.


إبراز طاقة التحول عند الإنسان بمفهومها العجائبى المفارق والطبيعى المنطقى فى حالة شهريار أو جمصة البلطي، ويتحول الشاب فاضل صنعان من الخير إلى الشر من الخير إلى الشر أو العكس، أيضا صعوبة تحقيق العدل


مسألة حقيقة الإنسان وجوهره وتحولاته من القضايا الأساسية التى تشكل هما عند أديب نوبل ويدخلها فى هذا النص فى منطقة ضبابية لا يتميز فيها أرادة الإنسان قدر خضوعها لقوى غيبية تسيطر على مقدراته


تخير أسماء غريبة للنص الروائى فهى تبعد عن الواقع وتستحضر شخصيات حكايات ألف ليلة وليلة، تسرب نكهة الحياة الاجتماعية فى هذا التاريخ بطبيعة الأسماء كما أنها تقترب من الواقع فى الوقت ذاته.


تشكلت اللغة فى النص تراثية ولها نكهة هذا التاريخ من خلال الأسماء وطبيعة المفردات المتداولة على ألسنة الشخصيات، لكنها أيضا ليست كاللغة فى ألف ليلة وليلة وتراكيب الجمل التى تعتمد على السجع والجناس وباقى المحسنات البلاغية بموسيقاها المميزة بل تخلت الجملة المحفوظية فى الرواية عن هذه المكبلات اللغوية فى النص الأصلي، تستدعى الأجواء التاريخية الاجتماعية لهذا النص نصوص السائرون نياما لسعد مكاوى والزينى بركات لجمال الغيطانى وإن كان لكل نص عالمه وخصوصيته.


استخدم نهاية مفتوحة ترسم أفقا للتخلص من نظام كهل وترك الحكم يقوم عليه البسطاء بأنفسهم وإعداد ولى عهد جديد وتعهد شهرزاد بتنشأة ولى العهد، كما أنه بدأ من حيث انتهى النص الأصلى.


حمل النص المحفوظى الجديد فى فقرات السرد كلها بمحمول فكرى وفلسفى وتصوفى وفيه تناقش طبيعة الحكم وغرائب النفوس البشرية، كما أنه يغوص فى عمق المسكوت عنه ويكشف العلاقة المتورة القمعية بين الحكام ومحكوميهم.


يدفع محفوظ فى آخر القرن العشرين بعوالم الجن والخوارق فى السرد بل ويجعلها تتحكم فى مصائر الإنسان، عالم الجان الذى يمثل قوة قهرية نادرا ما يقف أمامها بشر فى الموروث الجمعى الشعبي، قد يبرر بها البشر شهواتهم وأمراضهم النفسية وأطماعهم ؛ ليتنصلون من ضعفهم ويسوغون لنفوسهم كثير مما يدركون خطأه لكنهم يفعلونه.


يمارس محفوظ تعرية نفوس البشر وضعفها أمام المغريات التى لا يفلت منها إلا من عصم نفسه، حيث لا ينظر لهذا العالم المادى الملموس ماذا يفعل المرء عند مواجهة الشهوة هل تجدى المقاومة أم أننا بشر ذوى نفوس ضعيفة مهما طالت فترة المقاومة، لكن النص يتضمن أيضا نقاط الضوء بالإنسان من خلال تجربة جمصة البلطى الذى تحول للمجنون والشيخ عبدلله البلخى.


قد يسوغ الإنسان لنفسه الانحراف رغم أنه لا يخلو دائما من عواطف طيبة يقول على لسان معروف الإسكافى عن الإنسان: “لا يجد بأسا من ممارسة الانحراف فى عالم منحرف « ص٤٣.


بعد ادعاء معروف الإسكافى أنه وجد خاتم سليمان وأنه لا يريد أن يستخدمه فإذا بأصدقائه يطالبونه بأن يثبت هذا بآية واحدة، وليكن أن يرتفع نحو السماء ثم يهبط ثانية، ويحدث هذا بالفعل مرتين فقط ويذهل الاسكافى من تلك القوى يقول: «عجز عجزا تاما عن إدراك ما يقع له. وقد حاول أن يستغل قوته الخفية فى داره فلم تستجب له.. ليكن من أمر قوته ما يكون ولتختف ما شاءت ما دامت تبادره بالنجاه فى المواقف الحاسمة.


قضايا محفوظ التى تتكرر بجل أعماله:


ربما هنا ينبغى أن نشير لبعض التيمات الرئيسية فى أعمال محفوظ السردية الكلية هناك دائما جانب تصوفى فى إدراك علاقة الإنسان بالوجود والقوى المؤثرة فيه، أو تأثير الإنسان وقدراته الخفية على الوجود، هذه القوة الإشكالية التى لا يقين فيها لكنها أحيانا تتجلى فى إهاب تصوفى : فى رجل الدين المتصوف الذى يرى جوهر العالم ويدرك من حقائقه مالا يدركه من يرون قشور الظواهر مثل شخصية الشيخ عبدلله البلخى فى ليالى ألف ليلة أو تنويعات على هذه الشخصية فى قلب الليل أو اللص والكلاب أو الطريق.


تيمة أخرى تتمثل فى التعدد والتوالى فى هذا العمل تتعدد القصص تباعا بشخصياتها، بنماذجها الإنسانية، وإذ تبدأ إحدى القصص تنتهى وتبدأ أخرى فى تكرارية الحيوات، لكن القصص تتوالى متتابعة فى إيقاع سريع فى ليالى ألف ليلة : الوصول للسلطة، ثم المغالاة فى التحكم فى مصائر الناس، التجبر ثم السقوط السريع، ثم صعود آخر وتهاويه. ويذكرنى هذا بنصوص بالمتواليات على اختلافها فى الحرافيش، وأحاديث الصباح والمساء، والمرايا بشكل ما، وأولاد حارتنا، فلنجيب محفوظ قدرة على تصوير وخلق عوالم متتابعة مكثفة تبدأ ثم ما تبرح تنتهي، فحيث تعلن الحياة عن الموت تعلن عن ولادة، وكأنه يرصد حركة الحياة فى سريانها الذى لا يتوقف أبدا، فى ظنى أنه فى هذا النص يشير إلى تداول حيوات بسطاء الناس، وثبات السلطات بكل فسادها وجثمانها على الرقاب فى مجتمعاتنا الشرقية والعربية، فبعد أن ينتهى شهريار من قتل العذارى يبدأ هذا النص، وفى فترة حكمه وربما مراجعته لذاته يتوالى على إدارة شئون الناس ما يقرب من ست رؤساء أحياء ورجال شرطة أو أكثر..


يتبدى التعدد ليس فى توالى العالم البشرى فقط، بل أيضا فى تعدد العوالم البشرية، وعالم العفاريت والملائكة بأنواعهم، وكائنات البر وأقرانهم بالبحر كما كان فى المتخيل الشعبى الذى هو وريث للفترة الأسطورية والدينية فى حياة الوجود البشرى.


جميع نماذج السرد تتراوح بين الخير والشر ولا تدرى إلى درجة كبيرة ماذا تفعل بحياتها، بل تساق إلى أقدارها بصورة ما خارج إرادتها الفاعلة، ينتاب بعضها فقط الرغبة فى التجريب ومحاولة الانتفاع بهذا الغرائبى مثل قصة فاضل صنعان مع طاقية الإخفاء، ثم ما يلبث ويطاله الأذى والسقوط.


هل لجأ محفوظ لهذه العوالم ليرمز لصراعات البشر الداخلية، ويجسدها فى هذه الكائنات، وكأنها رموز للقوى البشرية الداخلية ؟ فيجعل لها قدراتها المادية المجسدة، التى تتضمن قوى خرافية أكثر من قدرات الإنسان فيكسبها التأثير المتضخم، كأنه يمسرح هذا الصراع الداخلى بذوات البشر ويشخصنهم ويهبهم قوى خارقة ويجعل بين هذه الكائنات حوارا يدور بينهم وبين بعض وبينهم وبين البشر، يجسد هذا الصراع بصورة أكثر عنفا وإيقاعا.


المحلل لرواية ليالى ألف ليلة لن يجد سردية تقليدية تعتمد على البداية فذروة الصراع ثم نهاية العمل، النص هنا أقرب إلى مشاهد وقصص قصيرة لأفراد تنتهى ثم ما تلبث أن تبدأ أخرى لها وصراعات ذات طبيعة مختلفة مع قوى الجن الأكثر قدرة تسيطر على الإنسان ثم ما تلبث تتحكم به.


هل أراد نجيب محفوظ أن يقول إن كل إنسان محاط بمجموعة من الظروف والسلطات، التى تدفعه دفعا ليخذ مواقف ويعيش صراعات لا يتخيرها بإرادته.


لمرة أخرى يصبح الحل فى الإنقاذ وتحقيق العدل والحرية فى نصوص محفوظ وقوف الجماهير الغفيرة معه وخروجهم مجتمعين من أجلة مثلما حدث فى آخر قصة فى ملحمة الحرافيش هذا الخروج، الذى أنقذ معروف الإسكافى فى نهايات النص وجعله يتحول بالمسار، الذى كانت تتكرر به الحكايات.