مصر وأمريكا وإسرائيل قصة الصراع المستمر فى الشرق الأوسط (٥-٧) إسرائيل وثورة يوليو

17/12/2015 - 9:42:08

بقلم - د. جمال شقرة أستاذ التاريخ الحديث وا لمعاصر ومدير مركز بحوث ا لشرق الأوسط بجامعة عين شمس

على أية حال، كان عرض تمويل مشروع السد العالي، طعماً لـ “عبد الناصر” فهل ابتلع عبد الناصر الطعم؟ سوف نؤجل الإجابة على هذا السؤال قليلاً، ونبادر بالإشارة إلى أن المفاوضات الخاصة بمشروع السد العالي والتي تعثرت من قبل كثيراً سرعان ما انتهت، وتم الإعلان في السادس عشر من ديسمبر١٩٥٥، عن التوصل لاتفاق بمقتضاه سيتولى البنك الدولي والولايات المتحدة وإنجلترا تمويل المشروع العملاق بتكلفة تقديرية حوالي ١.٣ مليار دولار، سيقدم البنك الدولي ٢٠٠ مليون دولار، وتقدم الولايات المتحدة وإنجلترا ٢٠٠ مليون دولار والباقي ستوفره مصر بالعملة المحلية.


وربما تجدر الإشارة أيضاً، إلى أن تعيين “هنري بايرود” سفيراً للولايات المتحدة الأمريكية في مصر، قد ارتبط بهذه المبادرة، حيث سيطر اعتقاد على إدارة ايزنهاور مؤداه أن شخصية “بايرود” الذكية وخبرته العسكرية، ستساعد كثيراً في إقناع “عبد الناصر” بعقد معاهدة سلام مع إسرائيل، وكذا إقناعه بجر الدول العربية الأخرى لكي تحذو حذوه وكان “أيدن” بنفسه قد حاول التمهيد للمبادرة عندما قابل “عبد الناصر” في القاهرة في فبراير ١٩٥٥، حيث أخبره صراحة بأن الولايات المتحدة وانجلترا يخططان معاً لترتيب أوضاع منطقة الشرق وعقد معاهدة سلام دائمة بين العرب وإسرائيل، لكن “إيدن: أُحبط بعد مقابلتـه هـذه لـ “عبد الناصر” وذلك نتيجة لأن “عبد الناصر” أكد له - كما رأينا - إصراره على موقفه العدواني من حلف بغداد، ورفضه لأي تسوية جزئية لمشكلة الشرق الأوسط، ولقد خرج إيدن بعد مقابلته لعبد الناصر بنتيجة وحيدة هي أن عبد الناصر يسعى لزعامة العالم العربي.


ولقد حاول بايرود هو الأخر طرح أفكار ألفا على عبد الناصر لكن الغارة الإسرائيلية الشهيرة على غزة، جعلت الظروف غير مواتية لطرحها على الإطلاق حيث دلت هذه الغارة، بما لا يدع مجالاً للشك، على نوايا إسرائيل العدوانية.


على أية حال بدأ المبعوث الأمريكي الرسمي “لايزنهاور” رحلاته المكوكية مع بداية عام ١٩٥٦، إلا أنه أدرك من الوهلة الأولى أن مهمته ليست بالسهولة التي كان يتوقعها، وأن صنع السلام في الأرض المقدسة مسألة بالغة التعقيد وتبدو مستحيلة، فبعد عدة لقاءات مع “عبد الناصر” وبعد أن عرض عليه المساعدات والدعم الأمريكي وبقية الإغراءات التي ستقدمها الولايات المتحدة لمصر، إذا قدم قليلاً من التنازلات لإسرائيل فاجأه عبد الناصر بشروط مصر أو الأسس المبدئية التي يراها لتحقيق التسوية التي جاء من أجلها وهي:


١-أن التفكير في التسوية، يجب أن يتم على أساس تسوية المشكلة العربية الإسرائيلية برمتها.


٢- ضرورة تعديل الحدود بين العرب وإسرائيل بما يكفل تحقيق الاتصال بين أجزاء العالم العربي.


٣- مستقبل مصر وما يراه المجتمع الدولي مقبولاً بشأن مشكلة القدس.


٤- بالنسبة لمشكلة اللاجئين، لابد وأن تقبل إسرائيل إعادة بعض اللاجئين وتدفع تعويضات لا يدفعها عنها سواها للبعض الآخر.


وعندما استفسر “أندرسون” عن موضوع الحدود، والتعديلات التي يراها “عبد الناصر” لتحقيق الاتصال الجغرافي بين أجزاء العالم العربي فاجأه عبد الناصر مرة ثانية، بأن مصر، وهذا ليس جديداً - فقد أعلنه من قبل في باندونج - أنه على استعداد للقبول بقرار التقسيم الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة سنة ١٩٤٧، وأنه سيكون مستعداً لكي يقنع بقية الدول العربية بقبول تنفيذ هذا التقرير، كما أكد له أن مصر تقبل التقرير الذي أعده “الكونت برنادوت” وسيط الأمم المتحدة الذي اغتاله الإسرائيليون سنة ١٩٤٨، وعندما استفسر “أندرسون” مرة ثانية عن “النقب” أوضح له عبد الناصر على خريطة العالم العربي كيف قسمت إسرائيل الدول العربية إلى قسمين، وأنه يطالب بضرورة أن تكون المنطقة من الظهرية إلى الخليل إلى غزة عربية وأن يكون مثلث سمخ والمنطقة المحيطة ببحيرة طبرية في يد سوريا، وفي كل الأحوال تكون عربية وأكد عبد الناصر أيضاً أنه لن يقبل أقل من النقب، وأن هذه الجزئية غير مطروحة للتفاوض.


وتجدر الإشارة أيضاً إلى أن عبد الناصر رفض رفضاً قاطعاً إجراء مفاوضات مباشرة مع الإسرائيليين، سواء مع شخصيات رسمية أم غير رسمية أو حتى يهودية تحمل الجنسية الأمريكية، بل أنه رفض أن يتجه “أندرسون” من القاهرة إلى تل أبيب مباشرة. وكان تقدير “عبد الناصر” - كما ذكر علي صبري - أن المفاوضات المباشرة ستحرق زعامته في العالم العربي، بل أنها قد تتسبب في اغتياله، إنها بمثابة الانتحار السياسي على حد تعبيره “لأندرسون”. خاصة وأنه كان على يقين من أن “بن جوريون” لا يريد السلام، وأنه لن يفرط في الأرض التي اغتصبتها إسرائيل، بل أنه يخطط للحرب والتوسع على حساب الدول العربية.


ولقد أثبتت مفاوضات “أندرسون” مع “بن جوريون” من الوهلة الأولى، صحة تقدير عبد الناصر لسياسات إسرائيل، حيث رفض “رئيس الوزراء الإسرائيلي” رفضاً قاطعاً، مناقشة إمكانية تنازل إسرائيل عن بوصة واحدة من الأرض مقابل السلام، بل أنه اعتبر أن “السلام الذي ينطوي على خسارة في أرض إسرائيل المحدودة جداً يعد انتحاراً أكثر منه سلاماً..!.. كما رفض حل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين، وأكد “لأندرسون” أنه يرى أن “عبد الناصر” مخادع، وأن حديثه عن السلام ليس إلا محاولة لخداع الرئيس “ايزنهاور” وخداع إسرائيل، وأنه يرى أن الوساطة عن بعد مضيعة للوقت، وأن معيار اتساق كلام “عبد الناصر” مع تصرفاته هو قبوله باجتماع على مستوى عال بين مصر وإسرائيل.


على أية حال، فشلت مهمة “اندرسون” نتيجة لموقف “بن جوريون” فهو المسئول بالدرجة الأولى عن ذلك، بإصراره على التمسك بكل شبر اغتصبته إسرائيل من الأراضي العربية، وإصراره على ضرورة إجراء تفاوض مباشر مع “عبد الناصر” وهو مدرك بالطبع لخطورة واستحالة تنفيذ هذه الخطوة وقتئذ، وإن كنا نؤكد أيضاً أن “عبد الناصر” هو الأخر كان “يناور” وأنه ما استقبل “أندرسون” إلا ليمتص غضب الولايات المتحدة الذي انفجر على أثر عقد صفقة الأسلحة التشيكية ولقد صرح “عبد الناصر” بذلك قبل استقبال المبعوث الأمريكي، حيث أخبرهم، “إن الهدف هو تفويت الفرصة على الولايات المتحدة وامتصاص غضبها حتى تصبح صفقة الأسلحة أمراً واقعاً... ويدعم هذا التصور أن “عبد الناصر” رغم ثبوت ما توقعه من تعنت “بن جوريون” كان صاحب القرار في إنهاء مهمة “أندرسون” حيث أخبر الفريق الذي كان مكلفاً بالتفاوض مع “أندرسون” بإنهاء الموضوع.


ومع ذلك فإنه تجدر الإشارة إلى أن المبادرة “ألفا” ولدت ميتة، وكان محكوم عليها بالفشل، فمن ناحية كان الصراع في المنطقة بالغ الحدة والتعقيد، ومن ناحية ثانية كان “إيدن” نفسه متورطاً علناً في حلف بغداد الذي يحاربه “عبد الناصر” بعنف، ومن ناحية ثالثة وأخيرة فإن “الفا” افترضت إجراء تعديلات في الحدود والأراضي، وهذا ما كانت ترفضه العقلية الإسرائيلية بشدة.


ويبدو من ظاهر الحوادث أن ما أراده “عبد الناصر” وخطط له قبل إعلان الصفقة، قد تحقق جزئياً، فخلال الفترة ما بين ٢٧ سبتمبر ١٩٥٥ وحتى ١٥مارس١٩٥٦، كانت صفقة الأسلحة قد أصبحت أمراً واقعاً إلا أن غضب الولايات المتحدة، وكذا انجلترا وفرنسا وإسرائيل قد تصاعد بدرجة عنيفة، فمن ناحية ازداد غضب الولايات المتحدة وانجلترا لفشلها في تسويق اتفاقية سلام مقابل المساهمة في تمويل بناء مشروع مصر الطموح “السد العالي” لكي تضمن استقرار الأوضاع في الشرق الأوسط، والمعروف أن التوتر في هذه المنطقة كان – ولا يزال – يهدد مصالحها بل وأمنها القومي على حد تعبير “ايزنهاور” ومن ناحية ثانية كان المعسكر الغربي كله حانقاً على “عبد الناصر” الذي سمح للاتحاد السوفيتي بالقفز فوق حلف بغداد. ومن ناحية ثالثة ازدادت فرنسا حنقاً وكراهية “لعبد الناصر” بسبب استمرار مساعدته لثورة الجزائر. كما اتهمته انجلترا بأنه وراء طرد “جلوب باشا” من الأردن.


وبالطبع كان هذا المناخ وراء تراجع مخططات تسوية مشكلة النزاع العربي الإسرائيلي، واستبدالها بمخططات أجهزة المخابرات الغربية للتخلص من “عبد الناصر” ويهمنا بالطبع موقف إسرائيل، فلم تنتظر رحيل “اندرسون” وأخذت في شن حملة دعائية عنيفة ضد مصر وركزت الدبلوماسية الإسرائيلية والدوائر الصهيونية في الولايات المتحدة هجومها على مشروع السد العالي والقروض المزمع منحها لمصر ووصلت هذه الحملة إلى الذروة في أواخر شهر يونية وأوائل يوليو سنة ١٩٥٦ ومن ناحية أخرى أقدمت إسرائيل على محاولة لاغتيال “عبد الناصر” لكنها فشلت. ومع ذلك ظلت إسرائيل تنتظر الفرصة المواتية للهجوم على مصر وإسقاط عبد الناصر.