دماء على جدار السلطة (٣) خروجًا عن مبادئ الإسلام

17/12/2015 - 9:34:35

بقلم - رجائى عطية

مرت «مقتلة» حُجْر بن عدىّ وأصحابه، بمشاهد متتالية خرجت جميعها عن قيم ومبادئ الإسلام، ولم يكن من هذه المبادئ ما درج عليه حكام بنى أمية وأمراؤهم من سب الإمام على بن أبى طالب من على المنابر، ولا كان هذا السب متفقًا مع الشيم العربية، ولا كانت تفرضه الاعتبارات السياسية، لولا شعور معاوية بأنه اقتنص بخروجه على بيعه المسلمين ـ حكمًا معقودًا للإمام علىّ وهو الأحق والأجدر به، ليس فقط بحكم بيعته، ولا فقط بحكم قرابته وتاريخه، وإنما بمقوماته الشخصية التى سطر بها صفحات مجيدة فى الدعوة وفى مجاهدة الكفار والمشركين وحماية الإسلام من الحصار الذى فرضه عليه هؤلاء وأولاء، فضلاً عن يهود المدينة الذين انقلبوا رغم العهد الذى أبرمه النبى صلى الله عليه وسلم معهم، وكادوا للمسلمين كيدًا بالاتفاق مع طواغيت قريش وعلى رأسهم أبوسفيان ـ والد معاوية، وهوازن وثقيف وباقى الأحزاب الذين تكاتفوا لغزو الإسلام ورسوله بالمدينة فيما عرف بغزوة الخندق أو الأحزاب.


ولم يكن هذا الجهاد الطويل هو فقط سند الإمام على والبيعة الصحيحة التى أعطيت له، ولا كونه ـ فقط ـ من العشرة المبشرين بالجنة، وإنما إلى جوار هذا كله ـ علمه الذى شهد الجميع به وبأنه مفتاح مدينته، وشيمه وأخلاقه وشمائله واستقامته على الحق، حتى قال عمر وهو يختار الستة من أهل الشورى: لو ولوها الأجلح ـ وكانت هذه شهرة الإمام ـ لحملهم على الجادة، وهو هو ما شهد به أداؤه لواجبات الخلافة فى السنوات الخمس التى تولاها من ذى الحجة سنة ٣٥ هـ حتى اغتياله فى ١٧ رمضان سنة ٤٠ هـ، فقد التزم الحق والصواب ومبادئ الإسلام والخلافة، ولم يسغ لنفسه أن يقبل الدنية، ولم يتوان فى القيام بإصلاح المفاسد التى أدت إلى الفتنة، رغم دواعى المصانعة التى يستحسنها أهل السياسة، فقد كان خليفة يعبر عن قيم ومبادئ الخلافة، فَعَزَل الولاة الذين أساءوا واشتكت منهم الرعية، وعَفَّ عفة عمر والصديق، وسار سيرتهما، وعدل بين الرعية، ولم يفارق قط مبادئ الفروسية التى زينت تاريخه فى رحاب الدعوة التى دخلها وهو دون العاشرة، وكان جديرًا لولا مناوآت من خرجوا عليه، وفى مقدمتهم معاوية، بأن يعود بالخلافة وبالمسلمين إلى السيرة الأولى.


على أنه أيًّا كان الرأى فى سياسة على، فإن هذه الشيم والشمائل التى اجتمعت له، لا تبرر ولا تسيغ سبه على المنابر لا فى حياته ولا بعد وفاته، وهو ما أغضب المسلمين، حتى بعض من كانوا من أنصار معاوية، منهم من كتم غضبه خشية السلطان وبأسه، ومنهم من لم يستطيع صبرًا على هذه الإساءة البالغة للإمام على وما يمثله، وهو هو فى قرابته ومكانته فى الإسلام وبين المسلمين، وكان «حُجْر بن عدىّ» أحد هؤلاء الذين لم يستطيعوا كتم غضبهم من سب الإمام علىّ ـ من على المنابر فى المساجد التى هى للصلاة والعبادة، لا لسب أمير المؤمنين المقتول وأحد العشرة المبشرين بالجنة!


سياسة معاوية


ومقدمات المأساة!


يروى الطبرى وابن الأثير وغيرهما من المؤرخين، أن معاوية حين أَمَّر المغيرة
بن شعبة على الكوفة (سنة ٤١ هـ) ـ قال له فيما أوصاه به: «ولست تاركا إيصاءك بخصلة: لا تترك شتم علىّ وذمه، والترحم على عثمان والاستغفار له، والعيب على أصحاب على والإقصاء لهم، والإطراء بشيعة عثمان والإدناء لهم» فطمأنه المغيرة بأنه جَرَّب وجُرَّب، وعمل قبله لغيره فلم يذمه.


ويقول الرواة أن المغيرة حَسُنت سيرته فى الكوفة، غير أنه لم يدع شتم على والوقوع فيه، والدعاء لعثمان والاستغفار له. وأن «حُجْر بن عدىّ» لم يرض بسب الإمام، كما لم يرض غيره وإن كتم، وطفق يحذر من هذا الذم، ويقول: «أشهد أن من تذمون أحق بالفضل، ومن تذكون أولى بالذم»، فكان المغيره ينهاه ويحذره غضب السلطان وسطوته، فإن غضبه فيه هلاكه، ولكنه بحلمه كان يكف عنه ويصفح.


ويقال إنه فى أواخر إمارة المغيرة، وقد خاض يومًا فى الإمام علىّ بما اعتاد الخوض فيه، صاح به «حُجْر بن عدىّ» مغاضبًا: «مُرْ لنا بأرزاقنا فقد حبستها عنا وليس ذلك لك، وقد أصبحت مولعًا بذم أمير المؤمنين»، وصادق على كلامه أكثر من ثلثى الحاضرين، فنزل المغيرة من على المنبر وانصرف إلى داره، فلما راجعه قومه فى أن سكوته على «حُجْر» سوف يسخط عليه أمير المؤمنين معاوية، أجابهم المغيرة بقوله: «إنى قد قتلته»، سألوه كيف، فأجابهم بأنه سيأتى من بعده أمير يحسبه مثله فيصنع معه ما يرونه، فيقتله. وأضاف قائلا: «إنى قد قرب أجلى ولا أحب أن أقتل خيار أهل هذا المصر فيسعدوا وأشقى، ويعزّ معاوية فى الدنيا، ويشقى المغيرة فى الآخرة». (الطبرى ٥/٢٥٣ ـ ٢٥٥، ابن الأثير ٣/ ٤٧٢، ٤٧٣).


وفاة المغيرة وولاية زياد للكوفة


مع البصرة


توفى المغيرة بن شعبة بالطاعون سنة ٥٠ هـ، فلما مات أضاف معاوية إلى زياد ولاية الكوفة بالإضافة إلى البصرة.


ولم يكن هناك فى البداية ما يعكر بين «زياد» الذى سبق أن كان مع الإمام على، وبين «حُجْر بن عدى» الذى من شيعة علىّ ومحبيه، بيد أن الأمر لم يلبث أن فسد بينهما حين كره زياد أن يقيد من عربى مسلم قتل رجلاً من أهل الذمة، وقضى بالدية، وأبى أهل الذمى قبول الدية، واحتجوا بأن الإسلام يسوى بين الناس ولا يفضل عربيًّا على غير عربى، وغضب حُجْر بن عدى ـ وكان من الصالحين ـ لقضاء زياد، وأبى أن يسكت على إمضائه، ورأى الناس رأيه، فاضطر زياد إلى الأمر بالقصاص على كره منه، وكتب إلى معاوية يشكو صنيع من اعترضوا عليه.


ويقول المؤرخون إنه حينما عاد زياد إلى البصرة بعد زيارته لكوفة، شغب الناس على نائبه عمرو بن حريث، وأنكروا منه سبه للإمام علىّ، وأعمالاً أخرى، فكتب إلى زياد يستعجل عودته إلى الكوفة، ويذكر له صنيع المعارضين، فقال زياد: «ويل أمك يا حُجْر، وقع العشاء بك على سِرْحان».


ثم قفل زياد راجعًا إلى الكوفة، وقيل فى بعض الروايات إنه خطب فى الناس فقال مما قاله: «أما بعد، فإن غِبَّ البغى والغىّ وخيمٌ، إنّ هؤلاء جَمُّوا (أى اجتمعوا) فأشروا (من الشر)، وأمنونى فاجترءوا علىّ، وأيّم الله لئن لم تستقيموا لأداوينكم بدوائكم، ولست بشىءٍ إنْ لم أمنع باحة الكوفة من «حُجْرٍ» وأدَعْه نكالاً لمن بعده! ويل أمّك يا حُجْر! سقط العشاء بك على سِرْحان!».. وتشير هذه العبارة الأخيرة إلى مثلٍ لرجل خرج يلتمس العشاء، فوقع على ذئب فأكله!


ويفهم من بعض الروايات، أن زيادًا لم يعجل بالتعرض لحُجْرٍ وأصحابه، حتى إذا خطب زياد ذات يوم ودرج على ما اعتاده وأطال فى خطبته، أظهرت الشيعة مللاً، وصاح حُجْر: الصلاة، فمضى زياد فى خطبته، فصاح حُجْر وصاح أصحابه معه: الصلاة. فقطع زياد خطبته ونزل فصلى بالناس.


وفى قصة طويلة أن زيادًا أرسل يطلب حُجْرًا، وتحدث فى شأنه مع بعض وجوه الكوفة، فلما أبطأ أو امتنع عليه، هدد زياد صاحب شرطته بالسجن وقيل بالقتل والمثلة إنْ لم يأته بحُجْر، وأورد ابن الأثير (٣ / ٤٧٦) أن زيادًا دعا إليه محمد بن الأشعث، وقال له مهددًا: والله لتأتينى به أو لأقطعن كل نخلةٍ لك وأهدم دورك ثم لا تسلم منى حتى أقطعك إربًا إربًا».


وأضافوا أنه بعد أن استمهله وأمهله ثلاثًا، أحضر إليه «قيس بن يزيد» أسيرًا، فقال له زياد: «لا بأس عليك، قد عرفت رأيك فى عثمان وبلاءك مع معاوية بصفين وأنك إنما قاتلت مع حُجْر حميّةً.. وقد غفرتها لك، ولكن ائتنى بأخيك عمير». فاستأمن قيس له منه على ماله ودمه، فأمنه، فأتاه به وهو جريح أثقله الحديد، فجعل زياد يأمر رجاله أن يرفعوه ويلقوه، ففعلوا به ذلك مرارًا، حتى انتفض قيس يقول لزياد: ألم تؤمنه ؟! قال: بلى قد أمنته على دمه، ولكنى لست أهريق له دمًا. ولم تكن هذه الذريعة أو التعلة تتفق مع وجوب الوفاء بالعهد المأمور به فى القرآن، مثلما كانت العقوبات التى ابتدعها زياد لا تتفق مع القصاص والحدود التى عرفها الإسلام، ولا كان الأخذ بالمظنة أو الشبهة من المباحات، بل حض القرآن على عدم الأخذ بالظن، وقال: «يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم» (الحجرات ١٢).


وتمضى الروايات فتقول إن معاوية كان قد كتب إلى زياد أن يشد «حُجْرًا» فى الحديد وأن يحمله إليه، ويقال إن حُجْرًا أرسل إلى محمد بن الأشعث أن يأخذ له الأمان من زياد حتى يبعث به إلى معاوية، فقبل زياد إعطاءه هذا الأمان، فلما قدم إليه قال له:
«مرحبًا بك أبا عبد الرحمن، حربٌ أيام الحرب، وحربٌ وقد سالم الناس، على أهلها تجنى براقش». فقال له حٌجْر: «ما خلعت طاعة، ولا فارقت جماعة، وإنى على
بيعتى».


وكانت هذه حجة «حُجْر» البالغة التى تجوهلت فى إهراق دمه هو وصحبه!


وقد شف زياد عما يضمره، فيقال إنه بعد أن أمر بوضعه فى السجن، قال لمن حوله بعد أن ولَّى: «والله لأحرصن على قطع خيط رقبته»!


مطاردة باقى الصالحين


تقول الروايات إن زيادًا جَدَّ فى طلب أصحاب «حُجْر» فهربوا، ونجح بعد خطوب ومحن فى القبض على ثلاثة عشر منهم وأودعهم السجن، أما الخطوب والمحن فمنها أنه حينما أتاه «صيفى» أحد أصحاب حُجْر، قال له: «يا عدو الله ما تقول فى أبى تراب ؟ قال: ما أعرف أبا تراب. فقال: ما أعرفك به ! أتعرف علىّ بن أبى طالب ؟ قال: نعم. قال: فذاك أبو تراب. قال صيفى: كلاَّ، ذاك أبو الحسن والحسين. فقال له صاحب الشرطة لائمًا: يقول الأمير هو أبو تراب وتقول لا !. قال صيفى: أفئن كذب الأمير أكذب أنا وأشهد على باطل كما شهد ؟ فقال له زياد: وهذا أيضًا، وأمر بالعصا فضربوه بها حتى لصق بالأرض. ثم قال له زياد: ما قولك فى على ؟ قال: والله لو شرحتنى بالمواسى ما قلت فيه إلاَّ ما سمعت منى. قال زياد متوعدًا: «لتلعننّه أو لأضربنّ عنقك !»، ولكن صيفى أبى أن يلعن الإمام، فأوثقوه بالحديد وحبسوه.


ومن الخطوب والمحن، أن زيادًا أخذ الصحابى عدّى بن حاتم الطائى «رهينة» حتى يأتيه بابن عمه عبد الله بن خليفة الطائى، ولم يكن ذلك من الإسلام، بيد أن صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أبى أن تكون الوشاية بابن عمه ثمنا لحريته التى عَدَا عليها زيادٌ بغير حق، وقال: لا آتيك به أبدًا، آتيك بابن عمى تقتله ! والله لو كانت تحت قدمّى ما رفعتُهما عنه!».


وأمعن زيادٌ فأمر بوضعه فى السجن، فضج أهل الكوفة بهذه المظلمة والتعدى على صحابى على غير ذنب ولا جريرة، ولم يبق فى الكوفة يمنىّ ولا ربعى إلاَّ وكلم زيادًا مبديًا أسفه كيف يفعل هذا بصاحب رسول الله، ولم يطلقه إلاَّ بعد أن أتاه عهد بألاّّ يدخل بن عمه الكوفة ما دام لزياد فيها سلطان.


وجَدَّ زيادٌ فى مطاردته لهؤلاء الصالحين، حتى جمع اثنى عشر رجلاً فى السجن، وقيل ثلاثة عشر، ودعَا رؤساء الأرباع يومئذ: رُبْع أهل المدينة، ورُبْع تميم وهمدان، ورُبْع ربيعة وكندة، ورُبْع مَدْحِج وأسد، واستشهدهم وطائفة من الناس كرهًا، على أن
«حُجْرًا» جمع إليه الجموع وأظهر شتم الخليفة ودّعَا إلى حرب أمير المؤمنين، ولم يكن ذلك صحيحًا، وأنه زعم أن هذا الأمر لا يصلح إلاَّ فى آل أبى طالب، ولم يكن ذلك بدوره صحيحًا، وأنه وثب بالمصر وأخرج عامل أمير المؤمنين، وهذا محض كذب لا صحة له، وأنه أظهر عذر أبى تراب ـ لمزًا منهم على الإمام على ـ والترحم عليه والبراءة من عدوه وأهل حربه، ولم يكن ذلك بدوره صحيحًا. وقد تبرأ بعض المدونة أسماؤهم أمام الناس ـ تبرأوا من هذه الشهادة الزور، وكتب بعضهم إلى معاوية كالقاضى شريح يتبرأ من هذه الشهادة، وشهد أن «حُجْرًا» رجل صالح من المسلمين، يقيم الصلاة ويؤتى الزكاة ويصوم ويحج ويعتمر، وأن دمه حرام.


وقد كان أن حُمِلَ هؤلاء: «حُجْر» وصحبه إلى معاوية بالشام، فأمر ألاَّ يدخلوا دمشق وأن يُحبْسوا بمرج عذراء، ويقول المؤرخون إن «حُجْرًا» لما عرف أنه بهذه القرية قال: « والله إنى لأول مسلم نبحته كلابها وأول مسلم كَبَّر بواديها».