هيام عبد الهادى تقف على «البحيرة وسنينها»

17/12/2015 - 9:31:55

  غلاف الرواية غلاف الرواية

بقلم - د. مصــطـــــفى الضبـــــع

هيام عبد الهادى صالح، كاتبة مصرية، من مواليد أسوان، تخرجت فى كلية الطب البيطرى جامعة أسيوط، صدر لها ثمانية أعمال سردية، ثلاث مجموعات قصصية:


عيناه ترحل بعيدا للقمر ١٩٩٩.


وللحبل أغان أخرى، متتالية قصصية ٢٠٠١.


همسات امرأة مختلفة – مركز الحضارة العربية – القاهرة ٢٠٠٩.


ولها خمس روايات:


زهر الحناء ٢٠٠٤.


أنت وحدك السماء - مركز الحضارة العربية – القاهرة ٢٠٠٥.


بلون الخوف أحيانا.. بلون الموت أحيانا - مركز الحضارة العربية – القاهرة ٢٠٠٧.


شارع تحتمس مركز الحضارة العربية – القاهرة ٢٠١١.


البحيرة وسنينها – دار الأدهم – القاهرة ٢٠١٣.


تنتمى تجربتها للألفية الثالثة مستلهمة مكانا غير مأهول سرديا وهو ما يتأكد من روايتها الأخيرة، التى تلقى من خلالها حجرا فى المياه الراكدة، على حد تعبيرها، فى إهدائها روايتها لصيادى بحيرة ناصر منطقة عمل الرواية ومصدر إلهام كاتبتها، والركود هنا مصدره بقاء البحيرة سنوات بعيدا عن أقلام كتاب السرد، رغم أن محمد خليل قاسم لفت الأنظار إلى ثراء المكان حين كتب روايته الخالدة «الشمندورة» (نشرت بالقاهرة ١٩٦٨) وجاء كتاب النوبة من بعده لاستكمال مسيرة خط الرواية النوبية، التى كان النيل وكانت منطقة جنوبى البحيرة (شمالى السودان) أساسا فى تشكيل عالمها وظل عالم البحيرة بعيدا عن وعى كتاب السرد عبر عشرات السنين.


تستهل الكاتبة روايتها بالبحث عن الإنسان، إنسان البحيرة بوصفه محرك عالمها ومنتج حكايتها: «فتحت عينى.. هل أنا ميت؟ سمعت أصواتًا.. يبدو أننى مازلت حيا!! أرى رجلا يقترب ويهزنى.. سألته: أين أنا؟ ابتسم وقال: أنت على البر فى بحيرة ناصر» (ص ٥ من الرواية )، والبداية هنا تطرح عددا من العناصر الأساسية فى تشكيل عالم الرواية بكاملها: الإنسان – المكان – فعل الاستكشاف داخل النص ممثلا فى استكشاف القادم للمكان أحداثًا وقعت لمن كانوا فيه، ثم الاستكشاف خارج النص ممثلا فى استكشاف القارئ للدوائر المتداخلة، دائرة أولى يمثلها عالم الرواية، دائرة ثانية يمثلها عالم البحيرة، دائرة ثالثة يمثلها المكان بوصفه شريحة اجتماعية للوطن / مصر.


بحيرة ناصر ليست مجرد مكان، وإنما هى تاريخ لا ينفصل عن تاريخ الوطن (بدأ تكوينها عام ١٩٥٨) والكاتبة حين تقارب المكان فإنها تجعل هذا التاريخ فى الخلفية لتستكشف تاريخا موازيا هو تاريخ الإنسان وحكاياته ورحلة أبناء الوطن فى بقعة شديدة الثراء بتشكيلها البشرى، حيث تضم البحيرة تمثيلا بشريا لكل محافظات مصر ممن يعملون فى صيد الأسماك، وهو ما جعل الكاتبة تتجه رأسا إلى جماليات الإنسان قبل جماليات المكان معتمدة أسلوب الحكايات المنفصلة المتصلة فى إحكام سردى يشبه أمواج النيل الهادئة ودوائر المياه العذبة.


تنسج هيام عبد الهادى نصها من مجموعة الحكايات البكر المكنونة فى صدور الجماعة البشرية من الصيادين الذين يمثلون إنسان البحيرة الذى لا يغادرها: «قلت: نحن أربعة صيادين نجتمع فى المواسم والأعياد لا نسافر.. لا نغادر أماكننا ولا نترك بحيرة ناصر فى العيد الصغير أو الكبير ولا فى رمضان ولا فى مولد النبى ولا فى غيره، لكل أسبابه، التى قد لا يحكيها للآخرين مثل «الهجام»، وقد يحكيها مثل «سامح» و»الخواف» وأنا، سامح جامعى شاعر وحساس ويذوب عشقا فى عائلته» (ص ١٠ من الرواية )، وهو ما يشى بسمات إنسانية تضع مجموعة الصيادين فى موضع المواطنين العاديين التاركين مواطنهم الحميمية إلى مواطن الرزق، ناقلين مركز حياتهم إلى البحيرة بوصفها المقابل اللين للواقع فى قسوته، وهو ما يجعل من البحيرة بوصفها مكانًا يجمع يطرح جماليات التضاد بين الصحراء والماء، فإذا رصدنا الأمكنة الأساسية فى الرواية وجدناها ثلاثة:


مكان المولد فى الخلفية بكل ما يحمل من قسوة العيش ومشكلات الصراع الإنسانى ويمثل بؤرة لحكايات الماضى بوصفه قاسما مشتركا للسرد تنتجه الشخصيات كأن الساردة تمنح الفرصة لشخوصها أن يطرحوا منتجهم الخاص من الحكايات، فيما يمكن تسميته بديمقراطية السرد (تمامًا كما فعلت شهر زاد حين منحت السندباد فرصة أن يحكى حكاياته ويطرح سفراته بوصفها تجربته غير المرئية من الآخرين، والتى يختص هو بخبراتها) ولم تمنح الساردة نفسها الحق فى السطو على هذه الحكايات أو مزاحمته فى تقديمها وهو ما منحها قدرا كبيرا من المصداقية.


الصحراء على ضفاف البحيرة بما تحمله من تشابه الصراع فى المكان الأول، وبما تطرحه من بكارة المكان التى لا تتجلى إلا بالحضور الإنسانى حين يمنح المكان قدرا كبيرا من فاعليته وحين يعيد تجربة الإنسان الأول حين نزل على الأرض وكان عليه الوقوف على أسرارها إدراكا لمتطلبات حياته فيها.


البحيرة بوصفها مساحة من الماء تضم قدرا من الرزق المتطلب نوعا مغايرا من صراع الإنسان مع الرزق ذلك الحافز للانتقال بين الأمكنة وتحمل قسوتها، والبحيرة هنا شريان يتحرك عكس حركة الإنسان فى انتقاله من الشمال للجنوب لتكون بمثابة الرزق المتحرك الذى يمنح صاحبه فرصة اقتناصه وإلا فإنه سيسيح فى الأرض مضيعا فرصة وجود.


وما بين دائرتين متداخلتين: الصحراء والبحيرة يتحرك الأشخاص حركتهم المادية، وما بين عالم البحيرة وعالم الحياة الطاردة السابقة يتحرك هؤلاء حركة ذهنية عن طريق الفلاش باك فى إسهامه لتشكيل المشهد السردى فى الرواية، ذلك المشهد شديد العمق فى دلالته.


المشهد السردى هنا ينقسم إلى أو يضم مشهدين متداخلين: مشهد ذكورى فى المقدمة يرصد حركة الحياة فى خشونتها، ومشهد أنثوى فى الخلفية عبر استرجاع الحكايات الراصدة الحياة الأسرية، حيث الرجال والنساء يمثلون عصب الحياة أولا والحكايات ثانيا.


البحيرة بوصفها تاريخًا يمثل مساحة استقطاب جنوبى ينافس مساحات الاستقطاب الشمالى، ففى الوقت الذى كانت فيه القاهرة والإسكندرية ومنطقة القناة مقصد أبناء الجنوب الباحثين عن الرزق، مثلت البحيرة مساحة استقطاب منافس طلبا للرزق.


كأن الكاتبة كانت تؤهل نفسها سابقا لكتابة عملها الأكثر نضجًا فى سياق تجربتها، إذ تمثل الرواية تجربة أكثر نضجا حتى أن المتابع لتجربة الكاتبة يداخله شعور قوى أن الكاتبة فى أعمالها السابقة– على أهميتها – تمثل مرحلة مؤهلة للوصول إلى نص بهذا الثراء وهو ما يحسب للكاتبة، بداية من وقوفها عند البحيرة مكانا واعتمادها طرائق متنوعة فى السرد تجمع بين نظام الفواصل السردية المتصلة المنفصلة، وتعدد الأصوات السردية، والإبحار بين الواقع والحلم، وبين الماضى بوصفه تراثا والحاضر بوصفه ثقافة خاصة بالمكان والأشخاص.


لا تعتمد الرواية طريقة الحدث المتنامى أو الخط الدرامى الصاعد وإنما تقوم على عدد من المشاهد المتتالية التى تأخذ طابع المتتالية القصصية أكثر منها الروائية عبر رابطين أساسيين: الشخصيات – المكان، الشخصية ينتظمها نوعان من الأشخاص: الشخصيات ذات الحضور الدائم: سامح – الهجام – يوسف – الخواف، يضاف إليهم مجموعة من الأبطال غير البشريين: التمساح – الذئب – الأسماك – العقارب – الثعابين، وغيرها مما أحسنت الكاتبة توظيفه على المستوى السردى والمستوى المعرفى ثم على المستوى الأنثربولوجى.


تستهل الرواية منطقها السردى باستهلال دال، يكشف أول ما يكشف عن قيام الوعى وتساؤل المعرفة، وتنبه الحواس المؤهلة للنهوض: «فتحت عينى.. هل أنا ميت؟ أسمع أصواتا.. يبدو إننى مازلت حيا، أرى رجلا يقترب ويهزنى»، فإذا ما ربط المتلقى بين الاستهلال وتفاصيل الأجواء الداخلية للنص وجد نفسه فى جو يقارب الأجواء الأسطورية لألف ليلة وليلة، غير أنها أسطورة للإنسان وحكاياته، التى يفرضها واقعه وتنظمها ظروف الصراع لإثبات الوجود ومجابهة العدم.


كما تصلح هذه الكلمات لتكون استهلالا جامعا لعدد من الخيوط السردية:


الوعى (فتحت عينى) بما يعنى الإدراك الذاتى للهوية.


السؤال بوصفه علامة وعى يتأرجح بين المعرفة ونقيضها.


الأول يضم عددا من الشخصيات المقيمة بصورة مؤقتة فى مكان يرتبط بالرزق بحيث تقوم هوية الشخصيات على مساحة الحركة بين مكان الإقامة المؤقتة ومكان المولد أو النشأة الأولى، الذى يتحول إلى مكان يقوم بدور الذاكرة أو هو مكان الذاكرة بالأساس، حيث يظل مكانا مرجعيا مشاركا فى إنتاج الهوية الشخصية، إضافة إلى كونه قادرا على الكشف عن السمات الأساسية للهوية الجمعية.


تستثمر الكاتبة تجربتها العلمية فى الوقوف على حياة أخرى، حياة التماسيح وما شابهها من الحيوانات، التى يكون على الأشخاص معايشتها أو تأمين أنفسهم من شرورها: «اللهم لا تمتنى منهوشا من فكى تمساح.. لا تجعل جسدى متربعا فى أحشائه ورأسى ملقاة على البر لا تبتسم للقمر « (ص ١٣ من الرواية )، وتتشارك العناوين الدالة على الحيوانات والدالة على البشر فى تناغم يعضد كل ما تطرحه الرواية من مساحات العلاقة الكونية معتمدة أسلوب المثاقفة القائم على الحركة بين المعارف الإنسانية، وهو ما تكشفه تلك العناوين فى تواليها: فيما يروى عن الثعابين والحيات– فيما يروى عن الأحلام – لص الأسماك – فيما يروى عن الموت والقبور والمومياوات– فيما يروى عن الجن والعفاريت– سر الخواف – إنه جبان، وهكذا تنسج الساردة عددا من الخيوط الممتدة عبر الزمان والمكان موظفة معارفها فى تشكيل عالم فريد قائم على خبرات أنثوية قادرة على التقاط التفاصيل الأهم فى تاريخ المعرفة الإنسانية وتاريخ المكان ممتزجا بتاريخ البشر.


لقد تحولت البحيرة إلى منطقة للحكى شديدة الحيوية فى نص يمنح القارئ الكثير من التشويق والمتعة، والكثير من المعرفة بعالم تشعر أنك تعرفه طوال الوقت حتى تقرأ الرواية عندها تشعر أنك لا تعرف عنه سوى الاسم، وأن البحيرة ليست مجرد مكان له خلفيته الاقتصادية، وإنما هو مكان له ثراؤه الأعمق وتجاربه الإنسانية الأقوى.


إنها رحلة تجمع بين التاريخ والجغرافيا والإنسان والأسطورة والأنثربولوجيا ترصد مساحات طال كمونها سرديا، يحسب للكاتبة الوقوف عليها كاشفة عن كنوزها المخبوءة فى نقطة التماس بين الصحراء والماء (نهر النيل) والإنسان المصرى القادم للجنوب فى رحلة معاكسة لرحلة النيل غير أنها رحلة استكشافية للحياة يعيشها أبناء البحيرة، وكان للكاتبة أن تعيشها لنعايشها معها بقدر مهارتها على مكاشفتها وبقدر قدراتنا على الإحساس بعالمها الفريد عالم البحيرة مكانا وسنينها زمانا