تجديد الخطاب الدينى.. بعلم اللوغاريتمات !

17/12/2015 - 9:24:20

بقلم - د. صفوت حاتم باحث وكاتب سياسى

منذ أن أطلق الرئيس « عبد الفتاح السيسى « دعوته لتجديد الخطاب الدينى.. انهالت علينا المقالات والكتابات عن ضرورة « تجديد الخطاب الدينى «فى كل الصحف والمجلات المصرية. وبدأ من يسمون أنفسهم « مجددين « فى كتابة مقالات ودراسات عن تطوير الخطاب الدينى. معظمها خارج الموضوع تماما. فهى مقالات ودراسات « عن « الخطاب الديني.. وليست « فى « الخطاب الدينى. كتابات تحوم حول الموضوع من الخارج.. ولا تدخل فى صلبه.. إلا نادرا.


وهكذا.. وجدنا بعض «المشتاقين لنظرة» يكتبون عناوين ضخمة لموضوعات هامة بألفاظ «ثقيلة» على السمع.. مع لغة تشبه «ا للوغاريتمات الرياضية» يصعب تفسيرها أو فهمها على المثقفين.. فما بالنا بالعامة؟؟!


طوفان من الكتابات والعناوين البراقة تحتل صفحات كاملة فى صحفنا القومية.... لا يسـتأهل أبدا أن توفر له.. فهى تخفى محصولا بائسا وضعيفا.. فهى فى النهاية خليط من « الكلامولوجيا » أو « الهرتلة»، يقوم عليها أسماء لامعة من بعض المثقفين «المشتاقين»!!


وهكذا.. تبدت عملية « تجديد الخطاب الدينى » التى دعا إليها رئيس الجمهورية.. وكأنها إعادة اكتشاف للبخار!!


والسؤال الذى يطرح نفسه علينا بجدية : ألم يكن لدينا.. فى تاريخنا خلال القرنين التاسع عشر


و العشرين.. مجتهدون عظام , يستحقون إحياء أعمالهم وإعادة نشرها؟؟!!


هل من المعقول أن نبدأ كل مرة من جديد.. ونهدر كل ما أنجزناه خلال قرنين من الزمان فى تجديد «الفكر الدينى المعاصر»؟؟!!


ولقد لاحظ المفكر والفيلسوف الكبير.. الراحل الدكتور «زكى نجيب محمود» ذات الملاحظة فى منتصف السبعينات.. فى كتابه المهم «مجتمع جديد.. أو الكارثة».. حين عاد لكتابات قادة التنوير المصرى يستطلع فيها الموضوعات والمشكلات التى كانت تشغل مفكرى التنوير.. قبل قرنين من الزمان. فهاله التشابه بين موقف الأمس واليوم.. فالأمراض الاجتماعية واحدة.. وأوجه القصور الحضارى واحدة.. فقد هاله ما كتبه الإمام محمد عبده.. مثلا.. فى مقالاته فى الأهرام عام ١٨٧٦ مقالا بعنوان «ما أكثر القول.. وما أقل العمل».. وفيها يأسف أن يجد هذه الصفة سمة لأهالى بلادنا , وقد أضاف إلى أسفه هذا عبارة وضعها بين قوسين يقول فيها : «أننا نخجل من تسجيل ذلك فى الجرائد , ولكن أى فائدة فى إخفاء عيب فينا، عرفه الغير عنا؟؟!!


وكتب الشيخ محمد عبده.. ضمن ما كتب أيضا : فى سلطان المظهرية على حياتنا. وفى فقر الرأى الذى هو أفظع من فقر المال. وفى صنوف العبث وسوء التناول. وفى البذخ المجنون. وفى الخرافة البشعة التى مازالت تسيطر على العقول.. وهكذا !!


ويعقب الدكتور «زكى نجيب محمود» على هذا الموقف قائلا : .. فى نفس الموضوعات.. لا يزال يكتب الكاتبون فى عصرنا.. فهل أفلحت الكتابة خلال قرن.. أو أكثر.. فى تغيير ما أردنا تغييره من طباع تعودناها.. ولا نريد لها أن تدوم ؟؟ !!


وهكذا.. نجد أنفسنا.. بعد ما يقرب من نصف قرن على مقال الدكتور «زكى نجيب محمود ».. وبعد قرن ونصف من مقال الإمام «محمد عبده».. أمام ذات الأسئلة وذات الموضوعات.. وذات المعضلة.. دون تغيًر يذكر. بالعكس نجد أنفسنا فى ارتداد يعقبه ارتداد.


واعتقادى.. أن مسئولية التجديد الدينى تقع بشكل أساسى على وزارات التعليم والثقافة فى بلادنا العربية وليس على مؤسسة الأزهر.. أو ربما ليس على الأخير وحده.


لماذا لا تفكر وزارة التربية والتعليم.. مثلا.. فى تدريس مؤلفات الإمام الأكبر الراحل «محمد عبده» فى مراحل التدريس المختلفة ؟؟ !!


ألا يُعتبر كتاب الإمام الأكبر «الإسلام والمدنية» عملا كبيرا فى تطوير الخطاب الدينى فى بدايات القرن العشرين؟؟!!


ألا يعتبر كتاب الإمام الأكبر الراحل محمود شلتوت «الإسلام عقيدة وشريعة» عملا كبيرا فى تبيان أصول الشريعة الإسلامية ؟؟!!


ألا تعتبر كتابات الأستاذ «أحمد أمين» فى «ضحى الإسلام.. وفجر الإسلام» أعمالاً راقية فى كتابة «السيرة النبوية»؟؟!!


ألا يُعتبر ما كتبه الدكتور «زكى نجيب محمود» فى : تجديد الفكر العربى.. ومجتمع جديد أو الكارثة.. ورؤية إسلامية.. وغيرها من المؤلفات المهمة انتصارا للعقل على النقل.. وتحكيماً للمنطق والعقل والمصلحة فى تقييم تراثنا الفكرى ؟؟!!


الحقيقة التى ينبغى الالتفات لها بقوة , أن قادة التنوير الفكرى الدينى، قد جاء معظمهم من خارج المؤسسة الدينية الرسمية، كالأزهر فى مصر , أو الزيتونة فى تونس.


وفى ظنى.. أن الدور الوحيد المنوط بالأزهر.. فى تجديد الخطاب الدينى..إذا رغب أن يكون له دور.. يتلخص فى المبادرة بانتقاء بعض الأعمال الجادة الرزينة من كتابات المجددين التنويريين..من مصر والعالم العربى.. من أمثال : محمد عبده.. والكواكبى..ومحمود شلتوت.. والعقاد.. وعلى عبد الرازق.. وحسن حنفى.. وجمال البنا.. ومحمد الغزالى.. وخالد محمد خالد..ومحمد سعيد العشماوى.. ومالك بن نبى.. وعابد الجابرى.. ومحمد شحرور.. وعلى حرب.. ورضوان السيد.. والشيخ صبحى الصالح.. وغيرهم.. وغيرهم.. من المجددين الذى ظهروا خلال القرن الماضى.


لماذا لا تكون أعمالهم ضمن مقرر نقدى يدرّس لطلاب الأزهر عن « الاجتهاد فى العصر الحديث ومدارسه المختلفة».. فيضاف لمناهج الأزهر الحالية؟؟!!!


أسئلة لا تجد إجابات مقنعة.. وإلى أن يتحقق ذلك.. فسنظل ندور.. وندور.. فى الكتابات الإنشائية التى تحوم حول موضوع « تجديد الدينى «.. وتحوله لطلاسم وأحاجى وألغاز.. ولوغاريتمات !!