القضية الفلسطينية والمسيحية الصهيونية «١-٢»

17/12/2015 - 9:01:45

  جمال أسعد جمال أسعد

بقلم - جمال أسعد

لا شك أن زيارة البابا تواضروس للقدس للصلاة على جثمان الأنبا أبراهام مطران القدس والشرق الأدنى بالرغم من وجود قرار للمجمع المقدس للكنيسة القبطية يحظر الزيارة على كل الأقباط الأرثوذكس. قد أحدثت ردود أفعال مع الزيارة، وأيضا ضد الزيارة خاصة فى جانبها السياسى الذى يمثل الخلفية الأساسية، والسبب الرئيسى لكى يتخذ البابا شنودة قرار الحظر بمنع هذه الزيارة، والتى تتم من جانب الأقباط سواء كان هذا فى عهد البابا شنودة عندما كان يفرض عقوبة كنسية على من يخالف القرار ويذهب -أو بعد ما تم إسقاط هذه العقوبة، أو بعد مجىء البابا تواضروس، وحتى الآن.


فإننا قد وجدنا ومازلنا وسنظل نجد من يذهب لزيارة القدس بالرغم من وجود هذا القرار بل بالرغم من الإعلان المتكرر دائما وعند اللزوم عن التمسك بقرار المجمع مع المعلم أن زيارة البابا تواضروس وإن كانت فى وضعها الكنسى فلا غبار عليها ولكن الإشكالية كانت فى تناقض الزيارة مع قرار المجمع بالحظر الشئ الذى أفقده مزيدا من عدم المصداقية والذى يجعل هذه الزيارة ستتم وعلى كل المقومات بالرغم من تلك التصريحات الإعلامية المتكررة والمعادة من جانب الكنيسة. لماذا؟ لأن من لا يذهب إلى القدس سواء كان هذا حسب قرار المجمع أو سواء كان قراراً ذاتياً فهذا موقف سياسى من جانب الذى لا يذهب لهذه الزيارة وليس موقفاً كنسياً. حيث إن الموقف الكنسى لابد أن يستند إلى قانون كنسى أو إلى نص إنجيلى. هنا لا علاقة لقرار المنع لا بقانون ولا بنص ولكنه وجهة نظر للبابا شنودة وكان ناتجاً لظروف خاصة تخص علاقة البابا شنودة بالسادات وفى ظروف مد قومى عروبى ترتفع فيه أسهم القضية الفلسطينية، وهنا السؤال الهام والمهم هل الأقباط (بشكل عام مع عدم إسقاط الخاص فالأمر ليس بشكل مطلق) يتعاطفون مع القومية العربية ومع العروبة بل مع القضية الفلسطينية؟ أعتقد أن مجمل الرأى العام القبطى لا يتعاطف مع القومية العربية ولا العروبة ولا مع القضية الفلسطينية ذلك لأسباب سياسية وأخرى تخص الفكر الدينى غير الصحيح والذى يتعارض بل يتناقض مع الفكر الدينى الصحيح للكنيسة المصرية الأرثوذكسية. كيف؟ بالنسبة للأسباب السياسية فالقومية العربية والعروبة مرتبطتان فى العقل الجمعى القبطى المتعصب للقبطية والمهاجر إلى التمسك بالفرعونية توهماً بأن الفرعونية بل التاريخ المصرى القديم يخص الأقباط المصريين ذوى الأصول المصرية وهؤلاء غير المصريين الوافدين من خارج مصر أو بالأخص الوافدين من الجزيرة العربية إبان الفتح الإسلامى لمصر. والتمسك بالمصرية القديمة الفرعونية هو نوع من رفض ما بعدها خاصة الحقبة العربية الإسلامية. وهؤلاء يعيشون فى وهم ما يسمى بامتلاك التاريخ ولا يعون أن مصر هى ملك لكل مصرى وكل من تمصر بمصر مع العلم أن الأبحاث العلمية أكدت أن المصريين مسيح ومسلمين يتحدون فى جيناتهم المصرية بنسبة تصل إلى ٩٧٪، ولذا فهؤلاء لا ينتمون للعربية فقد رأينا من المتطرفين من يطالب بإرجاع اللغة القبطية مرة أخري. كما أن العروبة فى نظر هؤلاء هى أهم عامل مشترك يجمع الأمة العربية من المحيط للخليج ناهيك عن أن القرآن جاء بالعربية. ولذلك وعلى ذلك وجدنا أن هؤلاء يرفضون المرحلة الناصرية بادعاء أن الناصرية قد قامت بتقديم الأقباط سياسياً نتيجة لتأميم أموالهم ومشروعاتهم وأراضيهم وكأن عبدالناصر لم يهتم بهذا إلا مع المسيحيين دون باقى المصريين من المسلمين.


إضافة إلى دور ما يسمون بأقباط المهجر والذين يتبعون السياسة الأمريكية التى لا زالت وستظل تعادى السياسة الناصرية خاصة فى إطارها الاستقلالى والمعادى للصهيونية ولإسرائيل (وهذا سيأتى لاحقاً)، حتى إننا رأينا ملحقا بجريدة «وطنى» التى توزع فى الكنائس مما يعطى لها زخماً دينياً مقدساً لكل ما ينشر بها لأقباط المهجر هؤلاء يبثون فيه أفكارهم المتطرفة المتعصبة المنغلقة على فرعونيتها الرافضة للقومية وللعروبة وبالطبع الرافضة لمجمل القضية الفلسطينية المنحازين للموقف الأمريكى سواء فى إطار القضية الفلسطينية أو الموقف المؤيد على طول الخط لإسرائيل ولذلك قد وجدنا أن هؤلاء كانوا ومازالوا يشجعون زيارة الأقباط للقدس ناهيك عن تمسك عبدالناصر بالعروبة والقومية العربية وموقفه من فلسطين كقضية مركزية للعرب جميعاً ولذلك نجد أن هؤلاء يرفضون العروبة وعبدالناصر لأسباب متعددة، كما أوضحنا.


وإضافة لهذه الأسباب السياسية التى تجعل كثيراً من الأقباط لا يتعاطفون مع القضية الفلسطينية. أنه بعد ضعف المد العروبى وتفكك الرابطة القومية بعد وفاة عبدالناصر ومع ظهور ما يسمى الأصولية الإسلامية والتى تم استغلالها من قبل أمريكا والغرب ولايزال الاستغلال متواصلاً بدءاً من ما سمى بالجهاد الأفغانى ضد السوفيت وحتى تكوين القاعدة وصولاً لداعش، فالأصولية هذه هى عدوة تقليدية لفكرة العروبة ولفكرة القومية العربية ذلك لأن هذه الأفكار تتناقض مع الفكرة الأساسية لهذه التنظيمات الإسلامية التى تبنى موقفها وعقيدتها على أساس فكرة الخلافة الإسلامية التى لاتعتمد على غير تجمع المسلمين على أرضية الدين الإسلامى بعيدا عن العرق أو اللغة أو القومية. ناهيك عن أن فكرة القومية العربية كانت وبدأت مع المفكرين القوميين العرب. وكان أغلبهم من مسيحيى الشام تلك الفكرة التى جاءت فى مواجهة الخلافة العثمانية ولذا كان موقف الأصولية الإسلامية من العروبة والقومية موقفا رافضا الشىء الذى جعل تلك الأصولية تختطف القضية الفلسطينية من قضية المركزية للعرب وللمسلمين وباعتبار أنها قضية إسلامية ومسيحية وإنسانية ودولية وجعلها قضية إسلامية أولا وأخيراً وتركيزا على تحرير المسجد الأقصى من أيدى الصهاينة. ولذا فمحاصرة القضية واختزالها فى الجانب الإسلامى لاشك يضعف القضية ويحاصرها بل يمكن أن يخلق لها أعداء. هذا إضافة إلى أن التيار الإسلامى لم يكتف باختصار القضية فى إطارها الدينى الإسلامى فقط بل رأينا أن الجميع قد تاجر ولايزال بهذه القضية شكلا وموضوعا وعلى كل المستويات. فلم نر من هؤلاء غير النضال النظرى والأقوال الشعاراتية تضامنا مع القضية. ولكن على أرض الواقع لم نر أى فعل جهادى حقيقى أو نضالى صحيح يفيد هذه القضية. بل الأنكى والذى يندى له الجبين أن الأصحاب المباشرين للقضية وهم الفلسطينيون أنفسهم قد انقسموا بل تصارعوا ولازالوا خاصة بعد سيطرة حماس إحدى أفرع جماعة الإخوان على غزة مستبدلين الجهاد والنضال المقدس ضد الصهاينة بالصراع على السلطة وعلى الحكم . الشىء الذى أضعف القضية وضعفت جبهات النضال والمقاومة مما أوجد الفرصة للمحتل الصهيونى أن يعمل أسلحته الحقيرة قتلاً وسحقاً للفلسطينيين وضعفاً وتشتتاً للقضية سواء على المستوى العربى أو المستوى الدولى خاصة بعد معاهدة السلام مع مصر عام ١٩٧٤ تلك المعاهدة التى فتحت الباب لدور إسرائيلى خطير فى المنطقة برمتها. فى هذا الجو وذاك المناخ. تراجعت القضية وضعف التضامن معها خاصة بعد ماسمى بتوراث الربيع العربى التى استغلت ضد دول المنطقة وقد سادها حالة الانكفاء القطرى بديلا للمد العروبى . كل هذا أضعف القضية إضافة إلى الأسباب السابق ذكرها والتى جعلت الأقباط غير متعاطفين فى الأساس لهذه القضية. ولكن الأسباب الدينية التى تعتمد على فكر دينى ثم اختراقه من جانب الصهيونية للمسيحية فهذا هو السبب الهام والمهم والذى سنكمله الأسبوع القادم إن شاء الله .