هل تعلن فعلا وفاة العرب؟!

17/12/2015 - 8:29:35

بقلم - حمدى الكنيسى

أطلقها - بمنتهى الحزن واليأس والإحباط - شاعرنا الكبير “نزار قبانى” قبل رحيله، وقد صدمت قصيدته البليغة مشاعر الكثيرين الذين كانوا - مثلى - يتشبثون ببصيص الأمل فى أن تنهض أمتنا من غفوتها - أو كبوتها - وتتذكر أن لديها من الإمكانيات البشرية والمادية والجغرافية ما يؤهلها لاستعادة مكانها ومكانتها، بعد أن أهدرتها الأنظمة العربية التى تصورت أن بقاءها رهن برضا ومباركة الآخرين خاصة لو كانوا يقيمون فى البيت الأبيض الأمريكى الجميل!


•قالها نزار قبانى، وصدمنا الرجل وقتها لكننا - كما قلت - أوهمنا أنفسنا بأن قصيدته ماهى إلا خيالات شاعر لايلبث أن يعود إلى أرض الواقع العربى الذى سوف يتمرد على أحواله المهينة، ويقنع قادته وزعماءه بأن بقاءهم الحقيقى فى مواقعهم هو ارتباطهم بشعوبهم، واستثمارهم لما وهبه الله لدولهم من عناصر القوة التى تم تجميدها بفعل أكثر من قاعل، وقد يتذكرون ما فعلوه عندما حققت مصر انتصارها التاريخى وحطمت - مع سوريا - أساطير القوة الإسرائيلية حتى انهار قادة إسرائيل فقال جنرالهم الذهبى وزير الدفاع “موشيه دايان”: “لم يعد أمامنا سوى الدفاع عن حدودنا القديمة (أى حدود ١٩٤٨)، “واتصلت رئيسة وزرائهم: جولدا مائير بهنرى كيسنجر ذلك اليهودى المستشار القومى الأمريكى وهى تبكى وتصرخ وتولول : “إلحقونا .. احنا بنضيع .. احنا بنضيع!!” وانطلق الجسر الجوى الأمريكى العاجل الذى حمل أخطر الطائرات والصواريخ والدبابات وعدداً من الطيارين لإنقاذ إسرائيل - كما رأيت أنا بنفسى “كمراسل حربى” فى جبهة القتال، ولولا ذلك الدعم الأمريكى المباشر لكان واردا أن يعلن فعلا وفاة الكيان الصهيونى!


ماذا حدث عندئذ يا قادتنا وزعماءنا؟!


•انطلقت الأمة العربية - بقيادة السعودية -للرد على الموقف الأمريكى الغربى، وقررت دولنا البترولية إيقاف تدفق النفط إلى تلك الدول التى ارتعدت فورا فرائصها وكادت تركع تحت أقدام أمتنا العربية، حتى أن المدعو “كيسنجر” أسرع إلى السعودية مناشداً متوسلا بأن يعود النفط إليهم، وبطريقته قال للملك العظيم فيصل :


“أتمنى يا جلالة الملك أن تأمرهم فى المطار بتموين طائرتى بالبترول حتى أعرف أن أعود بها؟!” وهنا قال له “الفيصل” : “وأنا رجل كبير فى السن يتمنى أن يصلى فى القدس (المحررة) قبل وفاته !!..” ثم كان تصريح الشيخ زايد بأن النفط ليس أغلى من الدم العربى!


•وهكذا عندما تذكرنا أن لدينا المقومات والإمكانيات رضخت لنا تلك القوى المتربصة وتراجعت عن ممارساتها ومخططاتها علماً بأننا استخدمنا سلاحا واحدا من المتاح لنا، فلم نسحب - مثلا - أرصدتنا الهائلة من البنوك الأمريكية الغربية الصهيونية !!، لكننا - يا ألف حسرة - عدنا إلى تشرذمنا وتفككنا والارتماء تحت أقدام من لايحملون لأمتنا سوى مخططات التمزيق والتفتيت لتتحول دولنا إلى كنتونات وكيانات هزيلة تلعق جراحها ولا تملك إلا الارتماء فى الأحضان الإسرائيلية الأمريكية الغربية !!


“عندما لاح فى الأفق أمل جديد”


مع نجاة مصر من مخطط “الشرق الأوسط الجديد” الذى استهدف تمزيقها حيث انطلق شعبها العظيم بثورته فى ٣٠ يونيه التى أحيت وأنقذت ثورة ٢٥ يناير، وكان الدور البطولى لجيشها العظيم، استعادت الأمة العربية قدرا من وعيها ويقظتها، فكانت الوقفة القوية المحترمة من السعودية والإمارات العربية والكويت فى وجه محاولات الانتقام من مصر كما قادها أعداء الداخل والخارج بالادعاء بأن ما حدث على أرض الكنانة مجرد انقلاب عسكرى ليبرروا أحكام الحصار الاقتصادى والسياسى حولها، ونجح الموقف العربى فى إفشال ذلك المخطط، وانطلقت مصر على طريق البناء والتنمية والتقدم واستكمال خارطة الطريق، وفرضت - بالدعم العربى والأفريقى - نفسها عضوا مراقبا بمجلس الأمن ورئيسا لأهم لجانه، وأقبلت دول غربية وشرقية على التعاون مع مصر التى آلت إليها أيضا رئاسة القمة العربية، وصارت تتحدث باسم أفريقيا فى المحافل الدولية، وهكذا استعادت مكانها ومكانتها الإقليمية والدولية.


“الحلم الكبير الذى انطلق من شرم الشيخ”


عندما استضافت مصر القمة العربية ورأستها، كان من بين القرارات التى لقيت ترحيبا هائلا من كل عربى قرار إنشاء القوة العربية المشتركة، وقلنا - فيما قلنا - “أخيرا .. يمكن أن يتحقق الحلم العربى”،وقلنا - فيما قلنا - “غداً نشهد أيضا قيام القوة الاقتصادية العربية المشتركة”، وقلنا - فيما قلنا - غدا نرى وجها آخر أفضل بكثير لجامعة الدول العربية التى لم تحقق لأمتنا أى قدر مما حققه “الاتحاد الأوروبى” لدوله رغم أنه ظهر بعد جامعتنا الموقرة بسنوات عديدة، وبالرغم من أن ما يجمع بين دوله أقل بكثير مما يجمع بين الدول العربية.


عندما نشأ التحالف العربى بقيادة السعودية لإنقاذ اليمن من مؤامرة الحوثيين.


وقوات على عبد الله صالح، قلنا - فيما قلنا - إذن بدأت مقدمات قيام القوة العربية المشتركة خاصة بعد اجتماعين أو أكثر لقادة عسكريين عرب وضعوا بروتوكول القوة المنتظرة!


ماذا جرى للحلم الذى هللنا له !!


فجأة بدأ مسلسل تأجيل تفعيل قرار القوة العربية المشتركة وسط غموض يرى البعض أسبابه ودوافعه ويتحرج من إعلانها ، ويرى البعض الآخر أنه لن يفقد الأمل فى تحقيق أكبر أمل عربى! لكن التطورات المتسارعة وضعت قادتنا وزعماءنا الأشاوس! أمام اختبار حاسم صارم، حيث أدى دخول روسيا إلى معترك الأزمة السورية لتضرب داعش ومثيلاتها كما يجب أن يكون الضرب ، مما كشف للقاصى والدانى، أن غارات التحالف الأمريكى الأوروبى لا تعدو أن تكون مجرد مداعبة للداعشيين وإشارة لهم بأن يؤجلوا اندفاعهم الإجرامى إلى حين، وحتى يتم إسقاط النظام السورى وتمزيق الدولة ذاتها، ثم يتم استخدامهم فى مكان آخر هو غالباً “ليبيا” التى يقضى المخطط بتمزيقها هى الأخرى لتلحق بالعراق وسوريا واليمن والصومال تمهيدا لما سوف يتحقق أيضاً فى السعودية ودول الخليج ، ومصر إن أمكن!


وعندما لم يستوعب الداعشيون مداعبة ونصيحة أمريكا وحلفائها وارتكبوا مذبحة باريس واكتشفت واشنطن ولندن وبقية الحلف الغربى أن الغول الداعشى قد استفحل وتضخم وأغرته قوته والدعم الذى كان يأتيه - كما كشفت الحكومة العراقية - من خلال الطائرات الأمريكية التى كانت تسقط له الأسلحة والمعدات والأغذية وبقية المتطلبات بحجة أنها أخطأت وجهتها وهى حجة واهية مكشوفة!


- وهكذا مع الخوف من مذابح وجرائم داعشية جديدة داخل المدن الأوروبية والأمريكية ، ومع نجاح روسيا فى ضرب قواعد داعش داخل سوريا مما قد يعيد للدولة السورية تماسكها ووحدتها وقوتها فى الإجهاز على المعارضة المسلحة الإرهابية ، ظهرت النغمة الجديدة على لسان أوباما بأنه لا حل للأزمة السورية إلا بتدخل قوات برية عربية ضد بقايا داعش وغيرها من التنظيمات الإرهابية ، وهنا عاد السؤال المؤجل ليفرض نفسه:


أين القوة العربية المشتركة؟” لكن الصمت العربى مازال يلف الأمة كلها .. بينما تتوالى الضربات الرهيبة التى تؤكد الانهيار الذى يسبق للحرة إعلان الوفاة! فالأرض العربية صارت مستباحة لكل من يريد ، وها هى القوات التركية تتوغل داخل العراق، التى لا تملك حكومتها إلا التعبير عن الاستياء والإدانة ، وها هى ذى جامعة الدول العربية.


تعلن إدانتها لتركيا، وها هى ذى الطائرات الأجنبية تخترق المجال الجوى لسوريا وتضرب وتدمر ما تشاء من أهداف، وها هى ذى “ليبيا” تستغيث مطالبة بإلغاء قرار الحظر على تسليح جيشها الذى لا يستطيع مواجهة داعش التى احتلت مدينة “سرت” وأقامت قواعدها فيها، إلى جانب الميليشيات التى تسيطر على العاصمة، يحدث ذلك كله بينما تواصل إسرائيل جرائمها ضد الفلسطينيين ، ومخططاتها لتهويد القدس... والإعداد لانهيار المسجد الأقصى .


تتعرض الأمة العربية لذلك كله ، وتنقض عليها كل المخاطر والمؤامرات، دون أن يلوح فى الأفق ما يطمئن بأن قادتنا وزعماءنا يتحركون على طريق وحدة الفكر والرؤية والعمل بالنسبة للموقف فى سوريا، وما تتعرض له ليبيا ، والعراق وبدلا من أن نأخذ الأمر فى أيدينا ونتولى نحن بقوتنا العسكرية المشتركة مواجهة “داعش” و “النصرة” وغيرهما من التنظيمات الارهابية ، مع قطع أى اتصال أو تعاون مع من يعملون تحت ستار “المعارضة المسلحة فى سوريا” نترك الأحداث والتداعيات حتى تحيط بأعناقنا كما يخطط أعداؤنا . وتتحقق - لا قدر الله - نبوءة شاعرنا نزار قبانى ، وتعلن أمريكا وحلفاؤها “وفاة العرب” !