غربة

10/12/2015 - 10:36:51

صورة أرشيفية صورة أرشيفية

كتبت - إيمان حسن الحفناوي

هي صديقة لي منذ أيام المدرسة، منذ كنا صغارا لا نعرف من الحياة إلا لونها الأبيض وزهورها وقمر يظهر في السماء نلوح له سعداء، فرقتنا الأيام كما يحدث معنا جميعا، بعد المرحلة الابتدائية تركت هي مدينتنا، وذهبت مع أسرتها حيث كان يعمل والدها ضابطا بالشرطة وهي مهنة تستوجب التنقل الكثير، انقطعت أخبارها عني وغيبتها ظروفها عن أيامي، لكنني من حين لآخر كنت أتذكرها فقد كانت صديقتي المقربة جدا لقلبي، وكلما تذكرتها كنت أشعر بحنين جارف لمعرفة أخبارها، من أسبوع واحد فقط وبالصدفة العجيبة التقيتها، لم ألتق بها وجها لوجه للأسف لكنني وجدت اسم شقيقتها صديقة عند أحد أصدقائي على موقع التواصل الاجتماعي، أرسلت لشقيقتها حتى أتأكد، وبالفعل دلتني عليها، حادثتها، لم أصدق نفسي ولم تستوعب أنها وجدتني، لكنني وبعد ثلاثة أيام نحادث بعضنا اكتشفت أن حياتنا لوحة تتغير تفاصيلها باستمرار وأننا من يمسك بالريشة وأن مسئولية كبيرة تقع على عاتقنا في اختياراتنا، وقبل أن أسرد عليكم حكايتها استئذنتها أن أفعل لأنني وجدت في قصتها ما يمكن أن يستفيد منه كثيرون.


استقر المقام بصديقتي في الإسكندرية عندما كانت تدرس بالجامعة، تعرفت وقتها على صديق للعائلة وتم زواجها، كان زوجها طبيبا، ذهب ليكمل دراسته في أمريكا وهناك أنجبت ابنهما الوحيد، والتحقت بعمل إداري في نفس البلد التي ذهب إليها، للأسف لم تستمر الحياة بينهما على ما يرام فكثرت المشاحنات وأصبحت الحياة مستحيلة، احتفظت هي بابنها بينما تزوج طليقها من زميلة له مصرية، بعد سنتين عاد مع زوجته لمصر وبقيت هي هناك حيث تزوجت من مهندس أمريكي كانت التقت به أكثر من مرة في بيت أحد الأصدقاء، لم تجد أي صعوبة في تواجد ابنها معها فزوجها رجل مشغول وعندما يعود بيته يحاول أن يشيع البهجة على الجميع، عام آخر وأنجبت صبيا من زوجها الأمريكي وصارت ربة لأسرة صغيرة هادئة، لم تعد تعرف عن زوجها الأول أي شيء إلا عندما تذهب مصر في بعض الأجازات ليرى ابنه أو يحضر هو في مرات قليلة لأمريكا، كل ما تعرفه عنه أنه أنجب فتاتين وأن ابنهما يتواصل مع شقيقتيه وهذا كان يسعدها ولا يضايقها، صار ابنها الأكبر في الجامعة يدرس الطب كوالده، والأصغر يتجه لدراسة التسويق، فجأة أصاب البيت حدث جلل لقد رحل زوجها، هكذا دون سابق إنذار، كان في عمله وفجأة سقط ليتركها تحيا بدونه، هي نفسها لا تعرف كيف استوعبت الموقف، لكنها مهماج زعت كان عليها تقبل الأمر، تخرج الابن الأكبر ورأى أن يكمل دراسته وبالفعل حصل على الماجيستير ويعد للدكتوراه في ولاية تبعد كثيرا عن أوهايو حيث تسكن صديقتي، أما الأصغر فقد تخرج والتحق بشركة معروفة في إحدى دول الخليج وتعرف على فتاة إسبانية هناك وتزوجها.


تقول لي: "وجدت نفسي وحيدة في صقيع أوهايو، حقا لي معارف وأصدقاء لكن حياتنا العملية كانت تأخذ معظم وقتنا، وبيتي وزوجي كانا يملآن حياتي، الآن أذهب للعمل وأعرف أنني سأتقاعد يوما ما، ماذا سأفعل وقتها؟ فكرت أن أعود لبلدي، عدت في أجازة، لكنني لم أعرف أن أتعامل، بيتنا لم يعد موجودا بعد أن تم هدمه وصار برجا كبيرا يقف بدلا منه، الشارع نفسه تغير، الناس، لم أجد من كانوا جيراني، شقيقتي الوحيدة تعيش مع ابنها في الرياض بعد مارحل زوجها، أمي وأبي عند خالقهما، للأسف لم أنعم بالحياة معهما كثيرا، لا يمكنني أن أثقل على ابني الذي يدرس، ولا أستطيع التطفل على حياة ابني الآخر خاصة أن أيا منها لم يعرض على ذلك، وجدت نفسي غريبة، لا مكان لي ولم أعد أعرف أحدا، عدت أدراجي إلى بلد أحمل جواز سفرها لكن ملامحي لا تشبهها، أفتح ستائر نوافذي فلا أجد إلا الثلوج تربت على زجاج النافذة ولا يؤنسني إلا صوت صهيل الحطب في المدفأة، لم أخطئ عندما تزوجت وسافرت مع زوجي، لم أخطئ عندما وجدت أنه من الأكرم لنا أن ننفصل، لم أخطئ عندما تزوجت مرة أخرى من رجل فاضل وكنت نعم الزوجة له، لم أخطئ عندما أنفقت حياتي في تربية أولادي، فلماذا تركوني كلهم وحيدة؟


 " كلام كثير قالته، تمنيت لو أنني لم أعثر عليها فها أنا أعرف معاناتها لكنني لا أملك أن أفعل لها شيئا، لكن كلمة كانت على لساني لم أرد أن أتفوه بها حتى لا أضاعف معاناتها، يخطئ من يتصور أنه بقرار سيستطيع أن يغير جذوره، فالشجرة التي ترضى بالاقتلاع لن تجد لها أرضا تحملها.