لواء د. مصطفى كامل السيد يجيب عن السؤال ُ لماذا ترغم الولايات المتحدة داعـش على التمــركز فى ليبـيا؟!

09/12/2015 - 12:33:44

لواء د. مصطفى كامل السيد أستاذ العلوم السياسية والإستراتيجية

يشير الواقع ودلالاته إلى التناقض الحاد فى البعـد القيمى للقوى العالمية والإقليمية الفاعـلة فى النسق الإقليمى للشرق الأوسط، حيث تسعى مصر إلى استعادة مكانتها الإقليمية التى فـقـدتها إبان حكم جماعة الإخوان الإرهابية، بينما تسعى إيران إلى إحياء الإمبراطورية الفارسية الساسانية تحت الراية الشيعـية، وتسعى تركيا إلى إحياء الخلافة الإسلامية تحت لواء العثمانيين الجدد، كما تسعى روسيا إلى استعادة نفوذ القـوة السوفييتية العـظمى للمشاركة فى قيادة التفاعلات على الساحة الدولية، أما الولايات المتحدة فهى تسعى حثيثا إلى الاحتفاظ منفردة بمركز الهـيمنة على العالم فى قلبها إن رهـبا أو رغـبا، وأن أحد الاشتراطات الرئيسية لاحتفاظها بمركز الهيمنة هو عـدم قيام قوة عالمية أو إقليمية قادرة على التحكم فى إقـليم حيوى مثل المنطقة العربية لاعـتبارات إستراتيجة عـديدة.


ولذلك فقد تخلصت الولايات المتحدة من الاتحاد السوفييتى القطب الموازن أولا، حتى تنفرد بالنفوذ على الساحة الدولية، فقامت بتخطيط وتنفيذ حرب معـلوماتية استخباراتية بدقة متناهية، تقوم أساسا على التنصت والتلصص والتجسس، وتُستخدم فيها الحرب الإلكترونية والرقمية، تهدف إلى إسقاط الدولة من الداخل، حيث جرته إلى سباق تسلح مدمر يفوق قدراته الاقتصادية كثيرا، أدى إلى إحداث حالة من عدم الرضا بين مجتمعات هذا الاتحاد متعـددة الأعـراق والألوان والمذاهب والملل والنحل، والتى كان الاتحاد قد نجح فى أن يجعلها تلتف حول معـتقده الجديد الذى بشر به ليُحقق الرفاهية والازدهار لها، ثم تركته الولايات المتحدة غارقا إلى حد كبير فى حل مشكلاته الاقتصادية والعـرقية والانفصالية، بعـد أن بدأت بتوطين الجماعات الإرهابية على حدوده (تنظيم طالبان، وتنظيمات إرهابية أخرى أطلقت عليها اسم (المجاهدون)، حتى إذا حققت الولايات المتحدة هدفها وأسقطت خصمها اللدود، ونجحت فى تفكيكه وجعـلته أنقاض دول وبقايا شعـوب، وأسقطت أنظمة دول حلف وارسو وضمتها إلى الاتحاد الأوربى وإلى حلف الناتو، انقلبت على هؤلاء المجاهدين وسمتهم (الإرهابيون)، فتحول هؤلاء المجاهدون أو الإرهابيون أيا ما تدعـو الولايات المتحدة إلى تنظيم القاعـدة الإرهابى.


ثم قام برجنسكى (مستشار الأمن القومى فى إدارة الرئيس كارتر) بإضافة رؤيته الإستراتيجية لفكرة هذه الحرب، وهى الرؤية التى أحدثت تغييرا جوهريا فى المنظور الأمريكى تجاه المنطقة العربية، لتطبيقها على دول العالم العربى، أو (دول الأصولية الإسلامية) خاصة دول ما يطلق عليه مصطلح الربيع العربى، حيث بـدأ هذا المصطلح فى التبلور فى المنظور الأمريكى عام ١٩٨٨، إذ جاء فى تقرير لجنة التخطيط الإستراتـيجى لوزارة الخارجية الأمريكية العـبارة التالية «أما وقـد انتهت الحرب الباردة بيـننا وبين الاتحاد السوفييتى، فإن مصادر التهديـد البـديلة خلال السنوات القادمة، ستكون هى مصادر عـدم الاستقرار فى دول الأصولية الإسلامية والأنظمة السياسية الأخرى غير المستقرة».


وتتلخص هذه الرؤية فى تأجيج الحروب فى المنطقة، وإغراق شعـوبها فى ثورات فوضوية، وإرباك مؤسسات الدول وتدمير أركانها خاصة الجيش والشرطة والقضاء، وتقسيم وتفتيت الدول المركزية إلى كيانات صغيرة، وتوطين شعـوبها على أساس التركيبة الدينية والمذهبية والطائفية والعـرقية، لتصحيح حدود سايكس بيكو، وإعادة هيكلة وتشكيل الشرق الأوسط الكبير الذى يتعـين أن ينطبق حدوده على حدود العالم الإسلامى، وبذلك يُمكن إحداث الاستقرار العالمى، وصيانة الأمن والسلم الدوليين.


ولتنفيذ هذه الرؤية ينبغى على الولايات المتحدة أن تقوم أولا بالتوسع فى توطين الجماعات المتطرفة والتنظيمات الإرهابية لتفتيت الدول العربية التى تُشكل المكون الرئيسى للنسق الإقليمى لمنطقة الشرق الأوسط، حتى يُمكن إعادة هيكلته وتشكيله وفقا لمنظورها، وينبغى عليها أيضا أن تُدخل هذه الدول فى صراعت عرقية أو مذهبية أو طائفية من خلال ثورات فوضوية (يُطلق عليها الربيع العربى) على ألاَ يكون لها قيادات تُسيطر على تفاعلاتها وتوجيهها نحو تحقيق أهدافها التى قامت من أجلها، ودون أن يكون لها رؤية واضحة لمشروع قومى تلتف الشعـوب حوله، مع ضرورة توجيه الشعـوب لاعـتـنـاق الـتـظاهـرات والاحـتـجـاجـات والاعـتـصامات والعـنف كأداة لـلـتفـكـيـر والـتعـبـيـر والتغـيـيـر، لإجبار الحكومات على تـلـبـيـة مطالبهم حتى ولو كانت غـيـر مشروعـة، على أن تسعى الولايات المتحدة سعـيا دؤوبا لتكريس تـراجع قـيـمـة العـمـل بين شعـوب هذه الدول، ونشر الفوضى الخلاقة (التى عبرت عنها كونداليزا رايس فى٢٠٠٤)، والتوسع فى بث الفتن التى تُؤدى إلى جر الشعـوب إلى آتون التقاتل والتناحر والتباغض، بما يضمن تفتيت هذه الدول بعـد أن تكون قد دمرت نفسها بنفسها (إستراتيجية تدمير الذات)، حيث تبدأ هذه الإستراتيجية بتدمير البنى التحتية الأساسية على نحو عام، وثروتها العـقارية على نحو خاص لتشتيت شعـوبها حتى يتخلوا عن أوطانهم ويكونوا مجموعات من اللاجئين، فاقدى الانتماء والولاء لأوطانهم، حتى إذا عادوا لأوطانهم يوما حملوا معـهم شعـور الحقد والانتقام والكراهية


وقد نجحت الولايات المتحدة فى تنقيذ منظورها الجيوبوليتيكى، حيث قامت بتأجيج الحروب فى المنطقة وبدأت بالخليج، فأشعـلت الحرب بين العـراق وإيران التى انتهت دون غالب أو مغلوب، فكلاهما كان خاسرا لقدراته وثرواته، ثم أشعـلت حرب الخليج الثانية عـندما اجتاح العـراق الكويت، حيث قامت الولايات المتحدة بحشد تحالف دولى لم تشهده البشرية من قبل لتحرير العراق، ثم أشعـلت حرب الخليج الثالثة بادعائها كذبـا امتلاك العـراق للرادع النووى واتهامه بمسانـدة الإرهاب الدولى، فقامت بتدمير وتسريح جيشه واحتلته وقسمته عـرقيا (الأكراد) ومذهبيا (السنة والشيعة) وأصبحت هذه الكيانات جاهزة لترسيم الحدود بينها والاعـتراف بها دوليا وهكذا أرادت الولايات المتحدة أن يكون العـراق نموذجا لتقسيم وتفتيت الدول المركزية فى المنطقة، وترسيم حدود نهائية بينها تُصحح حدود سايكس ـ بيكو، وأن تكون سوريا تالية للعـراق.


فعـملـت على توطين تنظيمات وميليشيات مسلحة داخلها، وأطلقت عليها اسم المعارضة المعـتدلة، وكان تنظيم الدولة الإسلامية فى العـراق والشام (داعش) أحد فصائل هذه المعارضة المعـتدلة، والتى قامت الولايات المتحدة بتجميعها وتدريبها لمدة عام كامل، وتأهيلها وتسليحها وتوطينها، وقامت تركيا وقطر وحماس بتمويلها وإيوائها وتقديم التأمين الشامل المادى والمعـنوى واللوجستى لها، إذن يُمكننا القول أننا إزاء تنظيم تم زرعه وتوطينه فى المنطقة ليعمل على تحقيق أهداف الولايات المتحدة وتوابعها، لتفتيت سوريا وتقسيمها والتخلص من جيشها الذى كان يُعـد من أقوى جيوش المنطقة، كما فعلت مع العراق بما يتسق مع منظورها الجيوبوليتيكى تحقيقا لمصاحها وصيانة لأمن إسرائيل.


أما وقد اقتربت الولايات المتحدة من تحقيق غايتها من هذا التنظيم فى هذه البقعة من المنطقة العربية، فلا بـد وأن تستفيد منه فى منطقة أخرى لتحقيق ذات الغاية، وليس التخلص منه كما تدعى زورا وبهتانا بأنها تهدف إلى محاربة الإرهاب إينما وجد، كما زعم الرئيس الأكثر فشلا فى إدارة أقوى دولة فى العالم الذى وعـد الجميع بكل شيء، لكنه لم يعـط أحدا أى شىء، فلو كانت الولايات المتحدة صادقة حقا فى القضاء على هذا التنظيم، ما كانت تتعـمد إجبار العالم على أن يقف حتى الآن عاجزا دون التوصل إلى تعـريف جامع مانـع متفق عـليـه لمفهوم الإرهاب، ذلك أنها تخشى أن ينطبق هذا التعـريف على ممارساتها وممارسات بعـض القوى العالمية والإقليمية الأخرى خاصة إسرائيل، التى تمارس إرهاب الدولة ضد شعـب أعـزل لا حول ولا قوة له، ولو كانت ترغـب فى محاربة الإرهاب كما يدعى القائد السياسى الأكثر فشلا، ما كانت تتبع هذه الانتقائية الشديدة بانتقاء تنظيم إرهابى واحد، يتمركز ويُمارس نشاطه فى منطقة محددة من بين المناطق والتنظيمات الإرهابية المتعـددة، وإذا كانت جادة حقا فى القضاء على هذا التنظيم ما كانت تحشد تحالفا جويا وهميا للقضاء على هذا التنظيم، لأنها تدرك يقينا أن القوة الجوية لن تحسم بمفردها معركة، ولن تتمكن من الاستيلاء على أرض أو السيطرة عليها، ولوكانت الولايات المتحدة والقوى العالمية والكبرى والإقليمية المتحالفة معها جادة فعـلا فى القضاء على هذا التنظيم، والقضاء على الإرهاب فى جميع بقاع العالم، لقاموا ببناء تحالف يضم داخله قوة برية متفوقة (على غرار تحالف عاصفة الصحاء الذى لم تشهده البشرية من قبل )، لتم تصفية هذا التنظيم ومن معه من تنظيمات أخرى فى أيام معـدودات، مثلما تم مع جيش العـراق الذى كان يُعـد أقوى جيش فى منطقة الخليج آنذاك، ذلك بما يمتلكون من قدرات فكرية وقتالية وتكنولوجية هى الأكثر تفوقا فى العالم، الأمر الذى يُشير إلى أن جميع هذه القوى لا ترغـب فى تصفية هذا التنظيم أو غيره لإتخاذ هذه التنظيمات الإرهابية ذريعـة لتحقيق أهدافها فى المنطقة أو مناطق أخرى حسبما تقتضى المصالح العليا لهذه القوى، الأمر الذى يشير بوضوح شديد إلى أن الولايات المتحدة ترغـب يقينا فى تحريك هذا التنظيم إلى منطقة أكثر أهمية من منطقة باديـة الشام (المنطقة المحصورة بين الموصل فى العـراق، وبين الرقة فى سوريا)، ولذلك تقوم الولايات المتحدة وحلفاؤها بالقيام بالضربات الجوية الوهمية لإجباره والضغط عليه للتحرك والتمركز فى ليبيا، وممارسة نشاطه الإرهابى ضد مصر الأكثر أهمية وتأثيرا فى إفشال المخطط الأمريكى الملعـون، والسؤال الذى يفرض نفسه الآن لماذا مصر؟ ولماذا تريد هذه القوى أن يوجه داعـش عملياته ضد مصر من ليبيا؟


تشير الحقائق إلى أن أوباما قد أصبح على عجلة من أمره، فقد قاربت فترة رئاسته الثانية على الانتهاء، وأنا أخشى ما يخشاه أوباما على المستوى الشخصى هو أن يصبح القائد السياسى الأكثر فشلا فى قيادة أقوى دولة فى العالم، حيث لم ينجح حتى الآن فى إعادة هيكلة وتشكيل الشرق الأوسط الكبير، وهو الهدف المرحلى المطلوب تنفيذه فى فترتى حكمه، وبالتالى لن يجد له مكانا بين رؤساء الولايات المتحدة العـظام، كما أن الولايات المتحدة ذاتها تخشى عـندما لا يتحقق هذا الهدف أنها ستفقد كثيرا من نفوذها، إذ يُعتبر مؤشرا رئيسا لفشلها فى الاحتفاظ بمركز الهيمنة فى قلبها، ولذلك فهى تعـتبر مصر الهدف الأسمى الذى يحقق للقائد السياسى ولها رغبتيهما معا.


إذ تُعـد مصـر من أكثر الدول أهمية فى النسق الإقليمى لمنطقة الشرق الأوسط، وأشدها حساسية لاعـتبارات إستراتيجية عديدة، فما زالت تحتل موقع قلب العالم الذى لا غنى عـنه فى بناء إستراتيجيات القوى العالمية والإقليمية، بحكم موقعها الجيوستراتيجى الفريد، وبحكم احتوائها على أهم مسطحات وممرات مائية، واحتوائها أيضا على المصالح المتشابكة للقوى العالمية والإقليمية التى نشأت على مر التاريخ، الأمر الذى جعـلها عاملا فاعلا فى المتغـيرات الدولية والإقليمية المؤثرة على مفردات المعادلة الإقليمية، باعتبارها الوسط الذهبى لدائرتها العـربية، فهى الوسط فى الموقع والدور، الوسط فى النظرة والتفكير، الوسط فى الحرب والسلام، وقـد صاغـت هذه الوسطية مسئوليات مصر التاريخية والسلوكية والقيمية، حيث تحملت عن أمتها كثيرا من الأنواء، خاصة فى أعقاب صد الغـزو الصليبى وغـزو التتار، كما تحملت تبعات تحرر الدول العربية من نير الاستعـمار، وشاركت الجميع فى بناء دولهم الوطنية، وقد ترتب على ذلك أن واجهت مصر ـ وما زالت ـ تواجه كثيرا من التحديات والتهديدات، التى إتسمت فى معـظمها بحدة وسـرعة وتراكم تفاعلاتها


كما تعتبر ليبيا هى المكان الأنسب لتمركز هذا التنظيم الإرهابى، وشن عـملياته الإرهابية ضد مصر، ذلك أن ليبيا لها حدود ممتدة مع مصر (أكثر من ١٠٠٠ كم)، كما أن لها حدودا مشتركة مع كل من السودان وتونس والجزائـر وجميعها دول عربية مطلوب التعامل معها أيضا، بالإضافة إلى تشاد غـير العـربية، كما أن ليبيا قد فقدت كثيرا من سيادتها على أقاليمها مما يوفر حرية الحركة لهذا التنظيم، وكثير من العـوامل الأخرى التى تمكنه من ممارسة عـملياته ونشاطاته الإرهابية، فهل ستنجح الولايات المتحدة فى تحريك هذا التنظيم إلى ليبيا والتمركز بها؟، وإذا كان الأمر كذلك هل ستنجح مصر فى إفشال هذا المخطط كما أفشلت المشروع القومى الأمركى بثورة ٣٠ يونيو، هذا هو عين اليقين، ذلك بأننا قادرون على ذلك بإرادة الله أولا، ثم بإرادتنا القومية ثانيا، وهو ما سنتناوله فى مقال قادم بإذن الله.