ماهر فرغلى يكشف بالأسماء : داعش ليبيا يستعد للمعركـــة مع مصـــــر

09/12/2015 - 12:31:29

كتب - ماهر فرغلى

على صفحات الجهاديين أخبار مقلقة للغاية، فقد انتقل إلى ليبيا الرجل الثانى فى تنظيم داعش، أبو على الأنباري، وهذا الرجل، هو المسؤول للمجلس الأمني، وهو البديل الأوفر حظًا لخلافة البغدادى.


فى نفس الأسبوع تقريبًا انتقل أيضًا إلى ليبيا المفتى الشرعى العام لداعش، وهو تركى البنعلى، وهو شاب بحرينى، تنسب إليه أغلب أبحاث التنظيم الفكرية، تحت اسم آخر، وهو أبو بكر الأثرى.


داعش يدرك أن المعركة احتدمت، وأن الترتيبات لمعركة شاملة مع التنظيم اقتربت، لذا فقد أراد أن يقفز على الخطط الدولية، بخلق محطة بديلة، وولاية جديدة للتنظيم تكون مقرًا له، ولم يجد أفضل من ليبيا، لأنه الآن دولة الأشباح، ودولة تسودها الفوضى أكثر مما تسودها حكومة مركزية.


نقل التنظيم قيادات من بوكو حرام إلى مدينة سرت، ووضع بعض المعسكرات بالقرب من واحة جغبوب، وهى الواحة التى ينتقل منها مقاتلوه إلى مصر، عبر حدودنا الغربية التى تبلغ حوالى ١٤٣٢ كيلو مترًا، عبر ٤ طرق ملتوية وصحراوية، وهى طريق القوصية أسيوط، وطريق قرية دلجا المنيا، وطريق ينتهى بمدينة ديروط أسيوط، وطريق الفيوم.


وقد حاول التنظيم أن يستغل تلك الطرق فى إدخال عناصر إلى مصر، ونجح بالفعل فى نقل عناصر وأسلحة، وكان يتولى القيادى أشرف الغرابلى هذه المهمة، لأنه كان يتولى قيادة المنطقة المركزية للتنظيم وهى القاهرة، كما يشرف على منطقة الواحات، إلا أن يقظة رجال الأمن جعلت الشرطة تصل إليه، وتم قتله منذ أقل من شهر.


معنى أن داعش فى سرت وفى الحدود الغربية، أنه موجود بحى الزمالك أو الجيزة مثلًا، وهذا دليل على خطورة هذا التواجد بالنسبة لمصر، دولة وشعبًا.


يعتبر تنظيم داعش بليبيا هو الفرع الأكثر حضورًا لهذا التنظيم الإقليمي، أولًا لقربه من السواحل الأوربية، ولسهولة انتقال أعضائه إلى الصحراء الإفريقية الشاسعة، ولسيطرته على مساحات شاسعة من الأراضى تكفى لإقامة إمارة أخرى للتنظيم.


«داعش» فى ليبيا هو «الفرع الوحيد المعروف بأنه استفاد من صلته بداعش العراق وبلاد الشام»، وإن لديه ما بين ٢٠٠٠ و٣٠٠٠ مقاتل، يمثّلون خطرًا على تونس ومصر والجزائر فى البداية، لكنهم يمثلون خطرًا على المنطقة كلها بالطبع، لأنهم يؤمنون بواجب نشر دولة الخلافة.


سيطر داعش ليبيا على مناطق فى مدينة سرت ومحيطها، ولديه خلايا فى العديد من مدن ليبيا، حيث يسعى لتوسيع نطاق سيطرته، ونجح فى تنفيذ هجمات فى مختلف نواحى ليبيا.


ويصطدم طموح داعش بالقاعدة الموجودة فى مدن أخرى مثل درنة، حيث يقود فيها الضابط الهارب، هشام عشماوي، المجلس العسكرى للتنظيم، ويدير من هناك ما يسمى بتنظيم المرابطين.


المشكلة الأساسية على حدودنا الغربية تكمن فى مدينتى بنى غازى، ودرنة التى تتركز فيها الآن جماعة «أنصار الشريعة» وتقاتل «الجيش الوطني» بقيادة حفتر، وهى جماعة تنتمى إلى السلفية الجهادية، وأغلب عناصرها يدينون بالولاء لأيمن الظواهري، إلا أن قسمًا منها كبيرًا انضم إلى تنظيم داعش، الذى تمركز بقوة الآن فى سرت، وقام خلال هذا الأسبوع بمذبحة بشعة فيها، راح ضحيتها أكثر من ١٢٠ مواطنًا ليبيًا، لأنهم رفضوا حكم هذه الجماعة للمدينة التى كانت من قبل مركزًا لقوات القذافي.


وتوجد جماعة شرسة ومتطرفة جدًا، وهى «كتيبة شهداء بوسليم»، ومؤخرًا تولى أبو عبدالله المصري، عمر رفاعى سرور، ابن القيادى الراحل رفاعى سرور، مؤسس الجبهة السلفية بالقاهرة، المفتى الشرعى لهذه الكتيبة، التى تخضع بالكامل لإدارة تنظيم القاعدة، وهى التى تقوم بإيواء عناصر مصرية إرهابية هاربة، وتقوم بتدريبهم.


وليست هذه الكتيبة فقط التى تدين بالولاء لتنظيم القاعدة، بل هناك أيضًا، «كتيبة راف الله سحاتي» التى يقودها إسماعيل الصلابى شقيق الداعية والمؤرخ على الصلابى عضو الاتحاد العالمى للعلماء المسلمين والمقيم فى قطر، و»جماعة تحكيم الدين»، وهى جماعة جهادية جديدة محسوبة على تنظيم القاعدة، تأسست حديثا، وتبنت التفجير الذى استهدف أحد مقرات قوات الصاعقة، وتتركز فى بنغازي، و»مجلس شورى الشباب»، و»اللواء السابع عشر من فبراير».


يضاف كل ذلك إلى «غرفة ثوار ليبيا» التى تنتمى إلى جماعة الإخوان المسلمين، وهى جزء من قوات فجر ليبيا، التى سيطرت على طرابلس.


وتعد منطقة الصحراء الليبية الجنوبية، وأهم مدنها الكفرة فى الجنوب الشرقى وسبها وغات فى الجنوب الغربي، من أخطر المناطق التى يسيطر عليها مجموعات قبلية مسلحة صغيرة، والجماعات المسلحة العابرة للحدود مثل تنظيم القاعدة فى بلاد المغرب الإسلامي، و»جماعة الموقعون بالدم»، و أعلنت مؤخرًا جماعة ليبية مجهولة تسمى «مجاهدى ليبيا»، مبايعة أبو بكر البغدادي، زعيم تنظيم «داعش، وانضمامها إلى ما يسمى بـ«دولة الخلافة».


ويوجد حوالى ١٦ قياديا مصريا فى صفوف داعش بليبيا، ومنهم القيادى جويدة شريف من محافظة مطروح، مدينة براني، كما يوجد ٩ آخرون من محافظات كبيرة مثل الإسكندرية والقاهرة.


ويتمركز المصريون فى الجنوب الليبى حتى يسهل لهم الانتشار والتغلغل داخل الحدود المصرية، لكن هناك مشكلات واجهتهم وهى حرس الحدود والقبائل العربية البدوية التى اصطدمت بهم وأبلغت عنهم الأمن فى أكثر من مرة.


وقد قتل الجيش الليبى أبو خالد المطروحى وهو من كبار قيادات داعش، مما جعلهم يعيدون تمركزهم، فى جنوب واحة جغبوب. ويرجع وجود المصريين مع داعش، منذ وجود ثروت صلاح شحاتة هناك، والمعسكر الذى أقامه عبدالباسط عزوز فى بنى غازي، ووجود الضابط محمد عبد السميع، وشقيقه شريف، من عزبة عبد السلام جنوب محطة السكة الحديد فى مطروح، فى التنظيم.


ونجح المصريون الدواعش فى خلق محطة قرب واحة سيوة فى الطريق من واحة جغبوب لنقل خطوط إمداد جديدة للمقاتلين من تنظيم داعش سيناء، كما كانوا هم من يستقبلون المقاتلين الأجانب من منطقة المثلث الحدودى مع دولة السودان من نقطة جبل العوينات، حيث إن سياراتهم تمر بهذه المنطقة تحت أعين الحكومة السودانية التى تغض الطرف عن المقاتلين والأسلحة التى تنقل يوميا عبر الصحراء الجنوبية الملاصقة للحدود مع السودان ومصر، ومن واحة الكفرة وجبل عبد المالك، إلى جانب ما يجرى نقله من مقاتلين وأسلحة عبر الطائرات من مطار أم درمان السوداني، إلى مطار معيتيقة الليبى الذى يسيطر عليه المتطرفون قرب العاصمة طرابلس.


ويجد الأمن بمصر صعوبة كبيرة فى التأمين الكامل للمنطقة الحدودية الغربية، بسبب صعوبة التضاريس فى بعض المناطق.


ويعد جبل العوينات منطقة وعرة، ويكثر فى محيطه نشاط للمهربين وتجار الأسلحة والمخدرات، وهو بمثابة نقطة حدودية هشة بسبب طبيعتها الجغرافية المعقدة. بينما يقع جبل عبد المالك داخل الأراضى الليبية وقرب شريط الحدود المصري، وعلى بعد نحو ١٦٠ كيلومترا من منطقة العوينات، وتوجد واحة الكفرة فى شرق الصحراء الليبية فى مواجهة منطقة الجلف الكبير المصرية.


تنظيم داعش عقب نقله لقياداته من العراق وسوريا إلى سرت، قام بتغيير استراتيجيته، وحولها إلى القتال العالمى وقتال العدو البعيد، واتخذ من ليبيا محطة للدعم اللوجستى ولحماية قياداته الكبار. داعش استغل الفوضى فى ليبيا فى تعزيز وجوده، حيث لا تزال الدولة الليبية أسيرة الصراعات الداخلية والتدخلات الخارجية، حيث يدور الصراع الآن فيها بين معسكرين متناحرين فكريا وجغرافيا، الأول ليبرالى يتواجد فى الشرق، فى مدينة بنغازى، والثانى إسلامى يتواجد فى الغرب، فى العاصمة طرابلس، ولكل منهما حكومة وبرلمان.


وتتمتع حكومة الشرق باعتراف عربى ودولي.. وكلا البرلمانين غير شرعي، وصادر بحقه حكم بالحل من المحكمة الدستورية العليا. ويمتلك كل طرف من الطرفين قوة عسكرية، فالأول لديه قوات باسم الجيش الوطنى الليبي، والثانى لديه قوات فجر ليبيا.


ويتنازع الطرفان الشرعية، مثلما يتنازعان مشروعين مختلفين حول هوية الدولة، بحسب طبيعة القوى المكونة لكل معسكر، إذ يتكون الأول من حزب التحالف الوطنى الديمقراطي، بقيادة الدكتور محمود جبريل، إلى جانب قوى من الثوار، وعسكريين يقودهم اللواء خليفة حفتر، وهؤلاء يريدون دولة مدنية. وتغلّب على الطرف الثانى النزعة الإسلامية، حيث يتكون من «حزب العدالة والبناء»، التابع لجماعة الإخوان، إلى جانب الجماعة الليبية المقاتلة، والتيار السلفي، ويساندهم الصادق الغريانى مفتى ليبيا، وهؤلاء يريدون دولة إخوانية، وتوجد بين المعسكرين مكونات من النظام القديم منهم من انخرط مع القوى الجديدة، ومنهم من تخفى ضمن مسميات إسلامية، مثل «داعش» فى مدينتى سرت ومصراته، وتتعدد التفسيرات حول علاقة «دواعش» ليبيا بعناصر من نظام القذافي، وبالتنظيم الأم فى سوريا والعراق. ودخل الطرفان فى صراعات دامية عجز كل منهما عن حسم الأمور لصالحه، خاصة وأن كل منهما يسيطر على مساحة من الأرض، ويتداخل بقواته ضمن جغرافية الآخر، مما نجم عنه فشل الحسم العسكرى، فلم تستطع قوات الشرق السيطرة على بنغازى من أيدى قوات موالية لطرابلس، كما لم تستطع قوات الغرب السيطرة كلية عليه لوجود قوات موالية للشرق، مما ألجأهما فى النهاية إلى التفاوض برعاية الأمم المتحدة، وجرت المفاوضات أولا فى جنيف، دون حضور ممثلى طرابلس، ثم بحضورهم فى مفاوضات المملكة المغربية، ولا تزال المفاوضات جارية، مما يمنح الصراع الليبى خصوصية سياسية وعسكرية.


والخلاصة أن تنظيم داعش بسيناء لن يتم القضاء عليه بسهولة طالما أن هناك بوابات خلفية للإرهاب العالمي، أهمها ليبيا، التى يغض الغرب عنها العين بشكل غريب، فيما تقوم دول عربية أخرى فيها بالحوار مع جماعات دينية مثل فجر ليبيا القريبة من جماعة الإخوان، مثل الجزائر التى تؤمن باحتواء هذه التنظيمات ومشاركتها فى العملية السياسية، وهو مخالف للرؤية المصرية، التى ترى أن الجهاديين والتكفيريين لا يؤمنون بالعملية السياسية مطلقًا، ويكفرون الديمقراطية.


لا حل للأزمة الليبية سوى بتدخل مصري، مهما كانت الظروف والتضحيات، إذ يساهم الوضع الليبى الحالى ليس فى وجود إرهاب على أرض الدولة الليبية فحسب، بقدر ما يساهم فى تأجيج الخراب الإرهابى فى كل دول المنطقة.