«داعش» وشركاؤها يرتبون لدولة فى ليبيا .. فماذا نحن فاعلون ؟

09/12/2015 - 12:24:37

بقلم - عبدالقادر شهيب

رغم التصريحات الجديدة للرئيس السودانى حول حلايب وشلاتين وسد النهضة الأثيوبى والتى تثير القلق حول العلاقات المصرية السودانية، ورغم الضجيج الذى تثيره حركة حماس حول معبر رفح الآن ،واكتشاف إنفاق جديدة على الحدود المصرية مع قطاع غزة أكثر تطورا، وهو ما يؤكد أن تلك الحركة التى تعد إحدى جماعات التنظيم الدولى للإخوان مازالت مستمرة فى محاولاتها لايذائنا.. رغم ذلك كله إلا أننى أعتقد أن أكثر ما يدعو للانزعاج الآن بالنسبة لمصر ولأمنها القومى هو ما يحدث على أرض ليبيا .


ففى الوقت الذى تتجمع فيه عناصر أكثر من تنظيم داعش فى الأراضى الليبية هربا من مطاردتها العالمية داخل كل من العراق وسوريا، فإن هناك أيضا محاولات لترتيب الأوضاع السياسية فى ليبيا بطريقة تسمح لجماعات لا تختلف فى فكرها وأيدلوجيتها عن فكر وأيدلوجية داعش، بل وتورطت فى ممارسة العنف، بأن يكون لها وجودها ونفوذها السياسى فى ليبيا، على غرار ما كان يجرى الترتيب له فى مصر وهو تمكين الإخوان من الحكم فيها .. وهذا يشكل بالتأكيد خطرا علينا فى مصر وعلى الأمن القومى لبلادنا ، لأن من خططوا لتمكين الإخوان من حكم بلادنا فى إطار المخطط الأكبر لتقويض كيان دولتنا الوطنية، لم يتقبلوا إجهاض مخططهم فى ٣٠ يونيه ، ومازالوا يعملون بطرق مختلفة لإضعافنا حتى يعودوا ويستأنفوا تنفيذ هذا المخطط.


لقد خرج الرئيس الفرنسى أولاند قبل أيام قليلة بعد أن ذاقت باريس مرارة الإرهاب ودفعت ثمنا باهظا لبنيه ويحذر من أن عناصر داعش تحت وطأة القصف الجوى الأمريكى والروسى والأوربى لها فى كل من سوريا والعراق تلوذ الآن بالأراضى الليبية إنها تستبدل العراق وسوريا بليبيا الآن .. وما كشف عنه الرئيس الفرنسى سبق أن حذرنا منه فى مصر منذ وقت مبكر جداً ، خاصة أن عناصر داعش تمكنت من تمزيق ليبيا تقريبا حينما احتلت مساحة من أراضيها تمتد من البحر فى عمق وسطها، وتجد هذه العناصر للأسف من يدعمها دوليا بالسكوت عليها وإقليميا بتقديم التمويل والخدمات اللوجستية.


وفى ذات الوقت ورغم هذا الوضع الليبى الخطير فإن ثمة محاولات سياسية تستهدف ترتيب الأوضاع فى ليبيا بطريقة تمكن شركاء داعش فى الفكر والأيدلوجية من السيطرة والحفاظ على النفوذ فى ليبيا بل وتوسيع نطاق هذا النفوذ.


لقد فاجأ عدد من النواب فى البرلمان الليبى الشرعى والمؤتمر الوطنى الليبى وكلاهما يسيطر على مساحة من الأرض على عقد اتفاق وإعلان مبادئ تنص بتشكيل لجنة تتولى اقتراح اسم رئيس الحكومة الانتقالية ونائبين له وهى تتشكل من عشرة أعضاء يتقاسمها بالتساوى كل من البرلمان الشرعى والمؤتمر الوطنى وتنتهى من مهمتها فى غضون أسبوعين، وهى ملزمة بأن ترشح نائبا لرئيس الحكومة الانتقالية من كل من البرلمان والمؤتمر الوطنى .. كما يقضى الإعلان أيضا بتشكيل لجنة أخرى تقوم بإصلاحات دستورية، مع إجراء مصالحة عامة.


إلا أن البرلمان الشرعى فى ليبيا سارع بإعلان رفضه لهذا الإعلان نظرا لأنه يعتبره التفافا أو تجاوزا لاتفاق الصخيرات الذى توصل إليه المبعوث الدولى السابق فى ليبيا وتهرب المؤتمر الوطنى من التوقيع النهائى عليه وطالب بإعادة التفاوض حوله .. كما رأى البرلمان الليبى أن الإعلان الجديد يتجاوز أيضا لجنة الستين المشكلة للنظر فى وضع دستور جديد لليبيا رغم أنها منتخبة شعبيا، ولا يتضمن اعترافا بدور الجيش الليبى الذى يقوده حاليا خليفة حفتر ويتصدى بقوة لجماعات العنف والإرهاب ، والأهم من ذلك كله فإن هذا الإعلان الجديد لا يتضمن وقفاً للدعم الذى يتهم البرلمان الشرعى المؤتمر الوطنى بتقديمه لداعش وجماعات الإرهاب المختلفة فى ليبيا .. ولذلك أعلن البرلمان الليبى تمسكه مجددا باتفاق الصخيرات الذى شاركت فيه القبائل عبر ممثلين لها وإصراره على المضى فى تنفيذه، فى الوقت الذى سارع المؤتمر الوطنى بالإعلان عن استعداده للموافقة على الاتفاق الجديد الذى وقع فى تونس قبل أيام قليلة مضت.


إذن...


الوضع فى ليبيا خطير.. وهذا الخطر موجود بجوار حدودنا ونحن فى مصر الأقرب له وأول من سيطولنا .. إنه أخطر من الوضع على حدودنا الشرقية والوضع على حدودنا الجنوبية .. فإن قواتنا المسلحة قامت ومازالت تقوم بجهود كبيرة وشجاعة لتنظيف سيناء من الإرهابيين وجماعات العنف وتتصدى بقوة وحزم لأى اختراق لحدودنا الشرقية .. وما أعلنه الرئيس البشير سواء بخصوص حلايب وشلاتين أو سد النهضة ليس جديدا ، فضلا عن أن الرئيس السودانى لديه من المشاكل الداخلية مع الملاحقة الدولية ما يكفيه ويغل يده فى المضى قدما للإضرار بالمصالح المصرية والأمن القومى لبلادنا، ولعلنا نتذكر كيف خطط الإخوان بعد الإطاحة بهم من الحكم فى مصر تنفيذ اختراقات لحدودنا شرقاً وغربا وجنوبا، وكان مخططا أن تساعد العناصر التى تخترق حدودنا الجنوبية عبر السودان الجماعات (الجهادية) المسلحة فى السيطرة على صعيد مصر أو جزء منه على الأقل على غرار السيطرة على سيناء لكن قواتنا المسلحة أحبطت هذا المخطط.


أنا لا أنفى وجود خطورة شرقاً وجنوباً حتى الآن فى ظل سيطرة حماس على غزة، وفى ظل التوافق الأيدلوجى للنظام السودانى مع جماعة الإخوان وتنظيمها الدولى .. غير أننى أرى أن الخطر القادم لنا من حدودنا الغربية أكبر، حيث تتركز عناصر من تنظيم داعش مرشحة للزيادة والتكاثر، وهذه العناصر الداعشية لا تضمر لنا سوى الشر فقط، فضلا عن أن الوضع السياسى فى ليبيا مهتز وضعيف ويتسم بوجود نفوذ لمن يشاركون تنظيم داعش أيدلوجيته ورؤاه وأسلوب تفكيره التكفيرى وتورطوا فى دعم جماعات العنف والإرهاب بل ومارسوا هذا العنف والإرهاب بأنفسهم ليس ضد الليبيين فقط وإنما ضد المصريين العاملين فى ليبيا أيضا .


وهكذا ..


الأمر يقتضى منا الآن ما هو أكبر من اليقظة والانتباه والاستعداد وأوسع من المتابعة الدقيقة لتطورات الأوضاع الليبية ومراقبة ما يحدث فى أراضى ليبيا حماية لأمننا القومى .


ونحتاج أيضا لما يتجاوز مواقفنا الحالية تجاه ليبيا والتى استندت لدعم الحكومة الليبية الشرعية والمعترف بها دوليا والتى يمثلها البرلمان الليبى، وأيضا دعم الجيش الليبى الذى يحارب وحده فى ظل حظر دولى مفروض عليه لمده بالسلاح والمعدات جماعات العنف والإرهاب فى ليبيا، أو تحديداً فى رقعة ومساحة محددة من الأراضى الليبية وليس كل هذه الأراضى.


نحن نحتاج الآن - رغم انشغالنا بقضايانا وهمومنا وشواغلنا الداخلية المهمة - أن نشتبك بشكل مباشر ونلعب دوراً سياسياً أكبر فى تلك المحاولات الدولية والإقليمية التى تجرى لترتيب الأوضاع السياسية فى ليبيا .. لا تكفى المتابعة أو المراقبة، أو حتى مجرد التأثير من خلال علاقتنا بالحكومة الليبية الشرعية والبرلمان الليبى .. وإنما لابد أن يكون لنا دورا مباشر وصريح بل ومؤثر فى المفاوضات الجارية الآن بخصوص الأزمة الليبية بحثا عن حل لها .. فنحن مثل تونس والجزائر لنا حدود مع ليبيا ، ولنا هواجسنا وما يؤرقنا مما يحدث فى الأراضى الليبية. إن وجود داعش والجماعات التكفيرية داخل ليبيا يهددنا أيضا مثل بقية جيران ليبيا، وإن فقدان الاستقرار فى ليبيا خطر علينا كما هو خطر على بقية جيران ليبيا.. وأن تصفية الجيش الليبى الجديد الذى يقوده خليفة حفتر الآن لا يضر بحكومة ليبيا الحالية أو البرلمان الليبى الشرعى وحده وإنما هو سكيون له أضراره علينا نحن أيضا، لأن هذا الجيش فى حالة دعمه ومده بالأسلحة والمعدات التى يحتاج إليها سوف يغنينا عن المواجهة البريه مع عناصر داعش وبقية التنظيميات الإرهابية ، مثل الحال مع قوى دولية وإقليمية أخرى ، صارت ترى أن القصف الجوى لعناصر داعش سواء فى كل من سوريا والعراق لا يكفى وحده لهزيمة داعش أو سحقها.


يجب أن يكون لمصر دور مباشر لدرء الخطر الإرهابى القادم من ليبيا عن نفسها أولا وإنقاذ الأشقاء الليبيين من هذا الخطر ثانيا.. صحيح أننا من خلال القوات المسلحة نهتم بتأمين حدودنا الغربية وأحبطنا محاولات عديدة وحثيثة فى اختراق هذه الحدود وتهريب أسلحة ومعدات عسكرية للجماعات الإرهابية فى بلادنا خاصة للعناصر الإرهابية بسيناء .. لكن حدودنا لن تأمن من شر هؤلاء الإرهابيين إلا بعد أن يتم القضاء عليهم داخل ليبيا وتطهير أراضيها منهم.


نحن نحتاج أن تستبق محاولات إعادة تجمع العناصر الإرهابية الداعشية القادمة والفارة من العراق وسوريا فى ليبيا بجوارنا لأن هذه العناصر لا تضمر الشر لليبيين وحدهم وإنما لنا أيضا فى مصر ولكل أبناء المنطقة، بل وللعالم كله كما اكتشف ذلك مؤخرا الرئيس الفرنسى أولاند.


وهذا ما يتعين أن يتفهمه الجميع الآن سواء إقليميا أو عالميا.. نحن ليس فقط بحكم أن ليبيا الشقيقة جارة لنا، وإنما بحكم أن ما يحدث فيها يهدد أمننا القومى معنينون بما يجرى من ترتيبات سياسية فيها بالتالى يجب أن يكون لنا دورنا فى صياغة هذه الترتيبات ، خاصة أن لنا أشقاء فى ليبيا حريصين على دور مصرى مساند لهم فى صياغة مستقبلهم السياسى.


وإذا كان الرئيس الفرنسى يلمح بما قاله بإمكانية التدخل العسكرى مع دول غربية أخرى فى ليبيا فنحن أولى بالتدخل السياسى فيها ، خاصة وإن العمل السياسى الذى يجرى بخصوص ليبيا تحت إشراف دولى أو برعاية قوى إقليمية لا يقل الآن أهمية عن التدخل العسكرى.


وأعتقد أن كل ذلك وبشكل تفصيلى موضع اهتمام خاص الآن من قبل الإدارة المصرية ومؤسساتها المختلفة، خاصة مستشارة الرئيس للأمن القومى السفيرة فايزة أبو النجا، فإن استقرار ليبيا السياسى هو إحدى ركائز الأمن القومى المصرى فى مشروع الاستراتيجية المصرية الجديدة لصيانة أمننا القومى .