بعد تصريحات البشير حول حلايب وسد النهضة هل باعت السودان مصر؟

09/12/2015 - 12:22:58

تقرير يكتبه: محمد حبيب

لم تكد تهدأ حملة الإساءة إلى مصر فى بعض وسائل الإعلام السودانية وداخل البرلمان السودانى بسبب احتجاز ٤ سودانيين داخل مصر على ذمة قضية تزييف واتجار فى العملة، للعرض على النيابة، إلا وظهرت أزمة أخرى بسبب تصريحات وزير الخارجية السودانى إبراهيم غندور، حول تقدم بلاده بشكوى إلى مجلس الأمن تتصل بإجراء مصر انتخابات بمثلث حلايب وشلاتين.. المتنازع عليه بين الدولتين، بحسب زعمه، وادعائه أن «حلايب سودانية وستظل سودانية»!


بعدها أدلى الرئيس السودانى عمر البشير بحوار مثير إلى إحدى القنوات العربية جدد فيه نفس المزاعم حول حلايب وأنها أرض سودانية، والأدهى أنه وصف سد النهضة بأنه أمر واقع ويجب التعامل معه على هذا الأمر، وهو ما يراه خبراء أنه تحول فى موقف السودان نحو مصر فى قضية سد النهضة بدلا من قيامها بدور الوسيط، فإنها تنحاز للموقف الاثيوبى حول السد وهو ما يضعف الموقف المصرى فى جولة المفاوضات المقبلة، وبدأ يتردد السؤال هل باعت السودان ومصر ولماذا تثير الازمات حاليا مع مصر.. وهل تصريحات البشير للاستهلاك المحلى أم أنها خطوة نحو التصعيد؟


الدكتور سيد فليفل، الأستاذ بمعهد الدراسات الإفريقية جامعة القاهرة، يؤكد أن العلاقات بين مصر والسودان هى علاقات أزلية وأن قيام البعض باللعب على وتر التناقضات ليس فى صالح البلدين وعلى العقلاء فى البلدين لجم كل اتجاه للتصعيد ضد الطرف الآخر.


وأضاف أن قيام البعض بالتصعيد ليس عن أسباب حقيقية للخلاف ولكنها مسائل وأهداف سياسية ضيقة، معتبرا من يقوم بالتصعيد فهو عدو لشعب وادى النيل.


وحول تصريحات الرئيس البشير حول سد النهضة، يرى سيد فليفل أنه يجب أن نعطى فرصة للمفاوضات القادمة حول سد النهضة وهناك اجتماع قريب بين الدول الثلاث مصر والسودان وإثيوبيا وننتظر لتقييم هذه المفاوضات، مشيرا إلى أن تصريحات البشير حول السودان لا تعنى وقوفه إلى جانب إثيوبيا ضد مصر، فالسودان أكد أنه يقوم بدور الوسيط ويسعى لحل المشكلة بشأن السد، كما أن الرئيس البشير فى نفس التصريحات أكد ذلك حين قال إن السد أمر واقع، لكننا نبحث عدم حدوث ضرر منه على بقية الدول.


أما الدكتور هانى رسلان، رئيس وحدة دراسات حوض النيل الأسبق بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، فيرى أن هناك تصعيدا متعمدا من الرئيس البشير عندما تحدث عن أن حلايب سودانية مرتين متتاليتين وقبلها الحديث عن حلايب، ومزاعم من بعض الأطراف فى السودان عن إساءة إلى سودانيين فى مصر.. وهذا لم يحدث، مؤكدا أن هذه مؤشرات على توتر العلاقات بين السودان ومصر والإساءة إلى مصر فى السودان على زعم وقائع إساءة لسودانيين فى مصر، رغم أن ما حدث هو احتجاز ٤ سودانيين للعرض على النيابة فى قضية اتجار فى العملة وهى قضية جنائية بعدها تم إطلاق حملة لمقاطعة مصر، ومطالبات لعدم السفر إلى مصر ودعوات للتظاهر، وانتقلت الحملة إلى بعض وسائل الإعلام السودانية ونشرها صورا لأحداث وقعت فى ليبيا وتشاد على أنها حدثت ضد سودانيين فى مصر.. إثارة مثل هذه الازمات بمثابة تمهيد لتغيير الأرضية التى تقوم عليها العلاقة بين البلدين فى الوقت الحالى من مرحلة التواصل والتعاون إلى مرحلة أخرى طابعها العام هو التوتر، مضيفا أن حلايب والأزمة المصطنعة حولها أدوات لتحقيق هذا التحول، وهذا الأمر للأسف يصب فى صالح سد النهضة الذى يشهد الآن مرحلة مفترق طرق بعد أن فشلت المفاوضات الثلاثية وطلبت مصر مباحثات سداسية بين وزراء الخارجية والمياه فى الدول الثلاث، للسعى للخروج من بطء المفاوضات الثلاثية وعدم حدوث تقدم فيها وفى الوقت الذى يجرى فيه إنشاء السد بشكل سريع وكأنه محاولة من إثيوبيا لفرض أمر واقع على مصر.


ويضيف هانى رسلان أن العلاقات بين مصر والسودان حاليا عليها ظلال من قوى اقليمية وخاصة المحور التركى القطرى الاخوانى، وربما يكون له صلة بارسال قوات سودانية إلى اليمن وما يشجع السودان على اتخاذ هذا النهج العدائى لمصر.


وحول تصريحات البشير حول سد النهضة يقول هانى رسلان إن مصر لا تعترض على سد النهضة من حيث المبدأ لكنها تعترض على السعة التخزينية للسد من ١٤ مليار متر مكعب إلى ٧٤ مليار متر مكعب، خاصة أن إثيوبيا تنوى بناء سد آخر بجانب سد النهضة وهذا الأمر سوف يؤثر على مصر، وبالتالى كلام الرئيس البشير عن أن السد أمر واقع ومنتهى غير صحيح ويدل على توحد السودان مع الموقف الاثيوبى.


ويرى رسلان أن العلاقات بين البلدين والشعبين أزلية وتاريخية بالفعل وهناك نسب ومصاهرة بين الشعبين ويجب أن نحافظ عليها، لكن هذا لا ينفى وجود خلافات مع النظام الحاكم فى السودان وسلوكه السياسى، فيجب أن نفرق بين الاثنين.. الشعوب والحكومات، ولا ننخرط فى تراشق وتصعيد مدمر.


وبالنسبة للتصريحات حول حلايب وشلاتين يؤكد رسلان أنه يجب ألا ننزعج من هذه التصريحات لأن الموقف المصرى له أرضية راسخة ولا يتطرق إليها الشك والتعامل معه من خلال التأكيد على أن حلايب مصرية ولدينا أسانيد كثيرة على ذلك وأنه لا وجه بمطالبة السودان بها، مشيرا إلى أن إثارة أزمة حول حلايب للتوظيف السياسى وأن الاجتماع القادم حول سد النهضة سوف يعقد فى الخرطوم لكن الأجواء العامة بها فتور.


السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية الأسبق للشئون الإفريقية، تؤكد أن تصريحات الرئيس البشير حول حلايب توقيتها غير مناسب خاصة أن هناك اتفاقا بين البلدين على أن تكون حلايب منطقة تكامل وتعاون وليس منطقة صراع، خاصة أن مصرية حلايب قضية محسومة بكل الوائق التاريخية.. وأن هذه التصريحات يهدف البشير من ورائها مخاطبة الرأى العام الداخلى عنده لكسب المواقف ولكننى غير سعيدة بهذا التصريح خاصة أن هناك اتفاقا على أن حلايب منطقة تعاون وليس خلاف.


وحول هل باعت السودان مصر فى قضية سد النهضة تقول منى عمر إن تصريحات الرئيس البشير من أن سد النهضة أمر واقع أمر صحيح لكننا نتعامل معها على ألا يصيبنا ضرر من هذا الامر الواقع وأن وثيقة المبادئ التى وقعت عليها مصر فى السودان هى تأكيد على ذلك بوجود السد ولكن من دون تهديد لمصر منه، ومصر تسعى لتلافى أى ضرر يقع عليها من السد وهذا هو الهدف من المفاوضات الجارية بين الدول الثلاث.


الدكتور محمود أبو العينين، العميد السابق لمعهد البحوث والدراسات الإفريقية بجامعة القاهرة، يؤكد على عمق العلاقات التى تربط مصر بالسودان، سواء من الناحية التاريخية، أو البشرية، أو الثقافية، وكذلك فى الحفاظ على سلامة الأمن الإقليمى فى المنطقة العربية، أو الإفريقية، وبصفة خاصة فى منطقة حوض النيل، ولكن هناك بعض التيارات الداخلية فى كلا البلدين تحاول إشعال الازمة بين مصر والسودان ولكن هذه الأزمة يمكن احتواؤها فى ضوء العلاقات الطيبة بين الرئيسين السيسى والبشير وبالفعل فقد حدث تفهم من الجانب السودانى فى ازمة معاملة بعض الاشقاء السودانيين، وأعلن الطرفان متانة العلاقات وأنه اذا كانت هناك حالات فردية فهذا لا يعنى أن الاخوة السودانيين تتم معاملتهم بشكل سيئ، أما مسألة اثارة مشاكل حول الحدود باثارة قضية حلايب فهذه أمور لا طائل من إثارتها لأنها أمور مستقرة لصالح مصر، ويجب الاهتمام بأمور أخرى أجدى وأهم للشعبين والبلدين من إثارة هذا الكلام الجانبى، مثل مقاومة الإرهاب فى المنطقة وفى دول الجوار الإفريقى والاستقرار الداخلى وحل إشكالية سد النهضة بالشراكة الكاملة بين مصر والسودان وليس لعب السودان دور الوسيط بين مصر وإثيوبيا، فنحن لا نقبل إلا بشراكة مع السودان فى مسألة سد النهضة وفى كل مايتعلق بقضايا المياه.


السفير حسين هريدى، مساعد وزير الخارجية الأسبق، وصف تقديم السودان شكوى ضد مصر فى مجلس الأمن، بأنه إجراء غير ودى وتصعيد غير مبرر من الجانب السودانى، مشيراً إلى أن الحكومة السودانية تحاول تعبئة الرأى العام السودانى ضد مصر للتغطية على المشكلات فى السودان، مؤكدا أن هذا لا يتسق مع العلاقات بين البلدين.


وأضاف أنه بات لزاما على مصر من الناحية القانونية أن تقول موقفها، وترد على المذكرة التى تم تقديمها من جانب السودان فى مجلس الأمن.