د. سالم عبدالجليل يكشف ١٠ حقائق فى قضية المسجد الأقصى

09/12/2015 - 12:18:22

تمثل القضية الفلسطينة أحد أهم قضايا المسلمين، بل هى الرئيسة والقضية المحورية، لأنها تقع فى قلب مركز الأمة المسلمة وتضم ثالث المسجدين وأولى القبلتين، وأنها الأرض المباركة، أضف إلى ذلك أن المغتصبين لها هم الأشد عداوة للذين آمنوا، وأنهم اغتصبوا فلسطين بدعوى الحق الدينى والحق التاريخى، فطبيعة الصراع معهم لا بد من تصحيحها فهى ليست ذات طبيعة سياسية أو عسكرية ضد ظاهرة استعمارية فقط، وإنما أساس الصراع فيها هو البعد الديني، الذى يأخذ بُعده عند المسلمين بسبب أنها أرض لمقدساتهم وتاريخهم ومستقبلهم.


ومن هنا يحاول بعض من يسمون أنفسهم مثقفين تحويل القضية من كونها دينية إلى قضية سياسية بحتة, وآخر هذه المحاولات زعم أحدهم أن المسجد الأقصى مكانه بالطائف وليس هو المسجد الذى ببيت المقدس، وهذا كلام أقل ما يقال فيه بأنه سخف.. وهنا يجب أن نشير إلى عدة حقائق:


الحقيقة الأولى :


أن المسجد الأقصى ورد ذكره فى القرآن الكريم وأسرى بالنبى صلى الله عليه وسلم إليه، وأنكر مشركو العرب واستبعدوا أن يكون النبى صلى الله عليه وسلم أسرى به فى ليلة.. بينما يذهبون إلى الأقصى فى شهر ويعودون فى آخر.. ولو كان الأقصى بالطائف لما قالوا هذا ولما أنكروه.. فالطائف على مقربة من مكة.. ولم يكن للقرآن الكريم أن يذكرها كمعجزة..


الحقيقة الثانية :


ورد فى الصحيحين من حديث أبى ذر الغفارى قال: قلت: يا رسول الله ! أى مسجد وضع فى الأرض أول ؟ قال: المسجد الحرام .قال: قلت: ثم أى ؟ قال: المسجد الأقصى.. قلت: كم كان بينهما؟ قال: أربعون سنة».


وهذه الفترة هى ما بين بناء إبراهيم وإسماعيل للبيت، وبناء إبراهيم أو يعقوب للمسجد الأقصى وإبراهيم ويعقوب كانابفلسطين.. ودينهما ككل الأنبياء الإسلام، قال تعالى:


وَمَن يرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّمَن سَفِه نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَينَاهُ فِى الدُّنْيا وَإِنَّهُ فِى الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ. إِذْ قَال لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ.


وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيعْقُوبُ يا بَنِى إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَتَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ. أَمْ كُنتمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِى قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ .


(سورة البقرة، من الآية: ١٣٠: ١٣٣)..


الحقيقة الثالثة :


عاش إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - فى العراق ( بابل ) ثم هجرها بعد اعتزاله لقومه بسبب شركهم، قال تعالى: « وَقَالَ إِنِّى مُهَاجِرٌإِلَى رَبِّى « سورة العنكبوت، الآية: ٢٦، واستقر بالشام (فلسطين) ومعه زوجته سارة (ابنة عمه) وابن أخيه لوط، ولم يخرج منها إلا مرتين، الأولى: إلى مصر بسبب القحط، ثم عاد بعد أن نجى الله زوجته سارة من اعتداء ملك مصر الذى أهداها جارية اسمها هاجر، فأهدتها إلى إبراهيم فولدت له إسماعيل.. الثانية: عندما دبت الغيرة عند سارة من هاجر نقلها إبراهيم وولدها إسماعيل بأمر من الله - تعالى - إلى مكة فى جزيرة العرب [ رَبَّنَا إِنِّى أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيتِى بِوَادٍ غَيرِ ذِى زَرْعٍ عِندَ بَيتِكَ المُحَرَّمِ ]( سورة إبراهيم، الآية: ٣٧) ثم رفع إبراهيم وإسماعيل - عليهما السلام - الكعبة [ وَإِذْ يرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ القَوَاعِدَ مِنَ البَيتِ وَإِسْمَاعِيلُ ]


(سورة البقرة، الآية: ١٢٧) بعد أن أعلمه الله مكانها، [وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ البَيتِ ]( سورة الحج، الآية: ٢٦ ) .


وعاد إبراهيم ليظل مقيمًا فى فلسطين، فاتخذ فيها مكانًا يعبد الله فيه، وكان هذا المكان يمثل المرحلة المبكرة الأولى لتقديس هذه البقعة واتخاذها مكانًا للعبادة والمسماة بالمسجد الأقصي، وكان ذلك بعد بناء الكعبة بأربعين سنة، فكرم الله إبراهيم بأن جعل فى ذريته النبوة والكتاب فكل نبى بعث بعده فهو من ذريته، وكل كتاب أنزل الله على نبى من الأنبياء بعده فعلى أحد ذريته، فهو أبو الأنبياء، قال الله - تعالى -: [ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِى ذُرِّيتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ ]( سورة الحديد: ٢٦).


الحقيقة الر ابعة:


ولد لإبراهيم إسحاق من زوجته سارة بعد إسماعيل بأربع عشرة سنة فى قصة تعد من المعجزات لإبراهيم ذُكرت فى القرآن فى أكثر من سورة، ثم تزوج إسحاق - عليه السلام - وولد له يعقوب، وكانت النبوة فى نسل يعقوب وهو «إسرائيل الذى ينتسب إليه بنو إسرائيل، ومنه يبدأ تاريخ بنى إسرائيل» .


الحقيقة الخامسة:


خرج بنو إسرائيل مع أبيهم يعقوب إلى مصر فى زمن يوسف - عليه السلام، وظلوا فيها حتى خرجوا منها مع موسى - عليه السلام، ليدخلوا الأرض المقدسة التى استوطنها الوثنيون من العمالقة الكنعانيين المسمين فى القرآن بالجبارين، ولكن بنى إسرائيل تخلوا عن الجهاد ورفضوا دخول الأرض المقدسة حتى عوقبوا بالتيه، وقد قص الله علينا الحوار الذى جرى بينهم وبين موسى فى ذلك: [وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا وَآتَاكُم مَّا لَمْ يؤْتِ أَحَدًا مِّنَ العَالَمِينَ * يا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَتِى كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ * قَالُوا يا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّى يخْرُجُوا مِنْهَا فَإِن يخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ * قَالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيهِمَا ادْخُلُوا عَلَيهِمُ البَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * قَالُوا يا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ * قَالَ رَبِّ إِنِّى لاَ أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِى وَأَخِى فَافْرُقْ بَينَنَا وَبَينَ القَوْمِ الفَاسِقِينَ ]( سورة المائدة، الآية: ٢٠-٢٥ )،


ويعتبر اليهود المفترون موسى - عليه السلام - أول زعيم صهيونى حاول العودة باليهود إلى فلسطين .فى حين أن موسى عليه السلام رسول الله وكليمه ودينه الإسلام، قال تعالى حكاية عن موسى وهو يخاطب قومه «بنى إسرائيل»: «وَقَالَ مُوسَى يا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّهِ فَعَلَيهِ تَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ» (سورة يونس، الآية: ٨٤)


الحقيقة السادسة :


ظل بنو إسرائيل فى التيه أربعين سنة توفى فيها هارون ثم موسى - عليهما السلام -، وتولى أمر بنى إسرائيل نبى آخر وهو يوشع بن نون، وهو فتى موسى المذكور فى سورة الكهف كما ثبت فى البخاري، «وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لاَ أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ البَحْرَينِ أَوْ أَمْضِى حُقُبًا»(سورة الكهف، الآية: ٦٠)، فسار ببنى إسرائيل من الجيل الثانى بعد انتهاء التيه قاصدًا بيت المقدس، وأمر الله تعالى بنى إسرائيل أن يدخلوا بيت المقدس سجدًا وأن يقولوا حطة «أى حط عنا ذنوبنا» فبدلوا ما أمروا به ودخلوا يزحفون وهم يقولون حنطة، وقد جاء فى القرآن ذلك عنهم بقوله وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ القَرْيةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا البَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَاياكُمْ وَسَنَزِيدُ المُحْسِنِينَ * فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيرَ الَّذِى قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِّنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يفْسُقُونَ (سورة البقرة، الآيتان: ٥٨-٥٩).. وصار بيت المقدس قبلة لبنى إسرائيل، بل وقبلة للمسلمين حتى تم تحويل القبلة إلى الكعبة المشرفة.


الحقيقة السابعة:


بعد وفاة يوشع بن نون حتى بعث الله نبيا آخر وفى عهده حصل اعتداء على بنى إسرائيل فطلبوا منه أن يعين لهم ملكا ليقاتلوا تحت لوائه المعتدين، فاستجاب لهم هذا النبى ودعا الله تعالي، وعين لهم بأمر الله قائدًا اسمه طالوت ملكًا ولم يقبلوه إلا بعد جدال ومماحكة، وكان داود عليه السلام أحد رجاله، وبرز فى الجيش المعادى جالوت فبارزه داود وقتله فأصبح داود هو الملك الثانى بعد طالوت ثم اختاره الله نبيا، فاجتمع فيه الملك والنبوة.


ثم إن داود أراد أن يبنى بيت المقدس فلم يمهله الأجل فعهد بمهمة البناء إلى ابنه سليمان، وقد جاء فى الطبرانى من حديث رافع بن عميرة: إن داود - عليه السلام - ابتدأ ببناء بيت المقدس ثم أوحى الله إليه: إنى لأقضى بناءه على يد سليمان.


الحقيقة الثامنة:


بنى سليمان النبى الملك بناءً محكمًا ضخمًا يتلاءم مع عظمة ملكه وما سخر له، فكان أول بناء للهيكل بهذه الضخامة، ولذا نسب إليه فيقال هيكل سليمان، وهو الهيكل الأول، ولما أفسد بنوا إسرائيل فى الأرض، سلط الله عليهم جبارًا فدمرهم، قال تعالى -: [ وَقَضَينَا إِلَى بَنِى إِسْرَائِيلَ فِى الكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِى الأَرْضِ مَرَّتَينِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًا كَبِيرًا ](الإسراء: ٤ ) .


الحقيقة التاسعة:


ظل الهيكل قائمًا حتى جاء زكريا وابنه يحيى وابن خالته عيسى عليهم السلام.. كان زكريا رئيس الهيكل وهو الذى كفل مريم المنذورة لخدمة الهيكل، وفى محراب الهيكل كان يأتى الرزق إلى مريم وهو من نوع كرامات الأولياء.. وفيه أيضًا دعا زكريا ربه بالذرية الطيبة قال - تعالى: [فَنَادَتْهُ المَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يصَلِّى فِى المِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يبَشِّرُكَ بِيحْيى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَسَيدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًا مِّنَ الصَّالِحِينَ ]( آل عمران: ٣٩ )، واستمر الحال فى الهيكل هكذا حتى قتل اليهود زكريا ونشروه بالمنشار، ثم قتلوا ولده يحيى - عليهما السلام- لأنه رفض الفتيا لهم بجواز البغاء لأحد ملوكهم، وكان هذا هو الإفساد الثانى المذكور فى سورة الإسراء على ما ذهب إليه بعض المفسرين فى قوله - تعالى -: [وَقَضَينَا إِلَى بَنِى إِسْرَائِيلَ فِى الكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِى الأَرْضِ مَرَّتَينِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًا كَبِيرًا ]( الإسراء: ٤ ).. ثم جاء آخر أنبياء بنى إسرائيل وهو عيسى - عليه السلام - وكان معاصرًا ليحيى وابن خالته وقد سماه اليهود: ابن البغية، وذلك قوله - تعالى -: [وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا] (النساء: ١٥٦)، وقد سمى بالمسيح لمسحه الأرض وسياحته فيها فرارًا بدينه من الفتن لشدة تكذيب اليهود له وافترائهم عليه وعلى أمه، وكانت أحوال بنى إسرائيل فى غاية الفساد فعقائدهم قد طمست وأخلاقهم قد رذلت، وخوفًا على مصالحهم وكرهًا لعيسى وأتباعه من الحواريين حرضوا على قتله وصلبه، لكن قدر الله سبق برفعه، قال الله - تعالى - [وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِى شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يقِينًا * بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ] (النساء: ١٥٧-١٥٨).


الحقيقة العاشرة:


أسرى بالنبى محمد صلى الله عليه سلم وهو فى مكة المكرمة بعد البعثة بحوالى عشر سنوات إلى المسجد الأقصي، قال تعالى: [سُبْحَانَ الَّذِى أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيلًا مِّنَ المَسْجِدِ الحَرَامِ إِلَى المَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِى بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيهُ مِنْ آياتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ] ( الإسراء: ١).


وجاء الفتح الإسلامى لبيت المقدس صلحًا فى عهد عمر - رضى الله عنه، وبقى المسجد الأقصى على حالته بعد الفتح الإسلامى إلى أن جاء الخليفة الأموى عبد الملك بن مروان فبدأ بناء المسجد الأقصى سنة ٦٦ هـ على صورته القائمة اليوم، ووكل على بناءه رجاء بن حيوة، ثم أتم البناء ابنه الوليد بن عبد الملك، وأما الصخرة فأول من بنى فوقها مسجدًا فى العصر الإسلامى عبد الملك بن مروان، وهو المسجد المعروف بمسجد الصخرة، والمشهور بقبته الذهبية على المبنى المثمن، ويبدو أن هدف عبد الملك بن مروان من هذا البناء الضخم هو مواجهة ضخامة كنائس بلاد الشام خاصة كنيسة القيامة القريبة منه، فأصبح المسجد الأقصى يحوى مسجد عمر المشهور بالمسجد الأقصي، ومسجد الصخرة، والساحات المحيطة، وهذه الصخرة وما حولها التى بُنى عليها المسجد كانت قبلة الأنبياء بعد موسى عليه السلام، وقد صلى النبى صلى الله عليه وسلم والمسلمون إلى بيت المقدس قبل تحويل القبلة إلى الكعبة المشرفة مدة ستة عشر شهرًا من الهجرة حيث قال الله تعالى: [ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرَامِ وَحَيثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ]( البقرة: ١٤٤ )، وهكذا ببعثة النبى محمد صلى الله عليه وسلم وبإمامته للأنبياء فى المسجد الأقصى ليلة الإسراء وبتحويل القبلة إلى الكعبة المشرفة، تحول الاختيار الربانى من بنى إسرائيل إلى هذه الأمة المحمدية قال الله تعالى: [كُنتُمْ خَيرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ]( آل عمران: ١١٠)، وبفتح بيت المقدس زمن الخليفة الراشد عمر انتقلت الولاية على المسجد الأقصى إلى أتباع محمد صلى الله عليه وسلم.


وظل الخلفاء فى الدول الإسلامية المتعاقبة يعتنون ببيت المقدس ترميمًا وتجديدًا وتجهيزًا حتى نشب الصراع بين الفاطميين والسلاجقة على القدس فاستغل الصليبيون الفرصة وشنوا حربًا مقدسة ضد المسلمين دعت إليها المجامع النصرانية فسقطت القدس فى أيديهم، حيث عملوا مذبحة رهيبة يوم دخولهم بلغت نحوًا من سبعين ألفًا، وظلوا فيها يعيثون فسادًا مدة إحدى وتسعين سنة، حتى حررها منهم السلطان الناصر صلاح الدين الأيوبى- رحمه الله - بعد معركة حطين الشهيرة، واستمر المسجد الأقصى فى حوزة المسلمين أيام الأيوبيين ثم المماليك ثم العثمانيين إلى أن ضعفت الدولة العثمانية فاحتل الإنجليز فلسطين سنة١٩١٧م وهو العام الذى صدر فيه وعد بلفور المشؤوم بإعطاء اليهود وطنًا قوميًا فى فلسطين، وبدأت بريطانيا خلال انتدابها لفلسطين وهى ثلاثون عامًا بتهيئة الظروف لهجرة اليهود إلى فلسطين وتهيئة الأجواء لإعلان دولة اليهود، وقد أعلن اليهود دولتهم فى نفس توقيت إلغاء الانتداب على فلسطيين سنة ١٩٤٨م.


الخاتمة:


إن لبنى إسرائيل تاريخًا حقيقيًا ثابتًا مع بيت المقدس عندما كانوا مسلمين، وإن المسجد الأقصى هو امتداد لمسجد أنبياء بنى إسرائيل المسمى عندهم بالهيكل، وهذا ما يؤكد أن الصراع هو صراع دينى، حيث إنه صراع بين أصحاب دعوى حق وهم المسلمون وأصحاب دعوى باطلة وهم اليهود، وقتالنا لليهود وجهادنا لهم واجب شرعى وملحمة مستقبلية لحسم هذه الدعوى.. حيث كان المسجد الأقصى على مر التاريخ كان مسجدًا إسلاميًا من قبل أن يوجد اليهود ومن بعد ما وجدوا فإبراهيم - عليه السلام - أول من اتخذ تلك البقعة مسجدًا، وقد قال الله تعالى عنه: [مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يهُودِيًا وَلاَ نَصْرَانِيًا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ المُشْرِكِينَ ]( آل عمران: ٦٧ )، فليس لبنى إسرائيل علاقة بالمسجد الأقصى إلا فى الفترات التى كانوا فيها مسلمين مع أنبيائهم المسلمين.


إنه الصراع بين عقيدة التوحيد التى جاء بها إبراهيم وجددها محمد عليهما الصلاة والسلام وسيجددها عيسى بن مريم آخر الزمان وبين عقيدة الشرك والخرافة والفرية، التى أسسها اليهود بما اقترفوه من الكذب، ولن ينتهى حتى ينزل مسيح المسلمين عيسى ابن مريم ويقتل مسيحهم الدجال كما وعد بذلك محمد صلى الله عليه وسلم.