تحليل النتائج النهائية للانتخابات: ثلاثية الأحزاب والبرلمان والعلاقة مع الدولة

09/12/2015 - 12:08:28

بقلم - د. يسرى العزباوى رئيس منتدى الانتخابات والبرلمان بمركز الأهرام للدراسات السياسية

فى ١٦ ديسمبر من الشهر الحالى يسدل الستار على الاستحقاق الثالث لخريطة الطريقة، التى تم الإعلان عنها فى ٣ يوليو ٢٠١٣، وذلك بالانتهاء من إجراء الانتخابات المؤجلة فى الدوائر الأربع التى أوقفت فيها الانتخابات من المرحلة الأولى، وتكتمل بذلك المؤسسات الدستورية للدولة المصرية، وننتقل من مرحلة التحول الثورى إلى الانتقال الديمقراطي.


وفى الواقع، حملت النتائج النهائية فى طياتها العديد من النتائج غير المتوقعة، الإيجابية والسلبية، كان على رأسها: أولا، عودة بعض رموز الحزب الوطنى فى إطار العديد من الأحزاب التى نشأت بعد الثورات المصرية. ثانيًا، مقاطعة الإخوان المسلمين لهذه الانتخابات لأول مرة منذ نشأة الجماعة عام ١٩٢٨، وهو أمر طبيعي، ويفهم فى سياقه العام، فالجماعة مازالت تبحث عن حلم الرئاسة المفقود، وواضح تمامًا بأنها سوف تبحث عنه كثيرًا. وثالثًا، سيطرة أحزاب رجال الأعمال على الأكثرية فى البرلمان، بحصول أحزاب: المصريين الأحرار ومستقبل وطن والوفد على ١٤٨ مقعدًا مجتمعة، وهى أحزاب أسست وتلقت تمويلاً من رجال الأعمال.


أولا اللجنة العليا ونسبة المشاركة


بالرغم من بعض التحفظات على أداء اللجنة العليا للانتخابات، إلا أنها استطاعت أن تنجح فى ضوء الإمكانيات البشرية والمالية المتاحة لها فى الاشراف على العملية الانتخابية، وتمريرها بسلام وشفافية، على الأقل من حيث الإجراءات وإعلان النتائج، وهو أمر يحسب للجنة.


أما من حيث المشاركة بالتصويت، فقد أعلن المستشار أيمن عباس بأن إجمالى من شاركوا فى العملية الانتخابية لعام ٢٠١٥ بمرحلتيها ١٥٢٠٦٠٠١ ناخبًا من ٥٣٧٨٦٧٦٢ ناخبًا بنسبة ٢٨.٣٪ من إجمالى من لهم حق التصويت. حيث جاءت نسبة التصويت فى المرحلة الأولى ٢٦٪ وفى جولة الإعادة ٢٢٪، وفى المرحلة الثانية بلغت نسبة المشاركة فى الجولة الأولى ٢٩.٨٪ وفى جولة الإعادة بلغت نسبة المشاركة ٢٢.٣٪ بواقع ٦٢٥١٩٨٧ ناخبًا. وقد احتلت محافظة جنوب سيناء المرتبة الأولى من حيث المشاركة بالتصويت ٤١.٠٦٪، تليها فى المرتبة الثانية محافظة كفر الشيخ ٣٦.٨٢٪، وفى المرتبة الثالثة جاءت محافظة الدقهلية ٣٦.٧٪. أما المحافظات الأقل تصويتًا جاءت محافظة السويس فى المرتبة الأولى بواقع ١٨.١٪، وفى المرتبة الثانية محافظة القاهرة ١٩.٩٦٪، وفى المرتبة الثالثة بور سعيد ٢٤.١٢٪.


واللافت النظر، أن نسبة المشاركة العامة تأتى فى إطار السياق العام للانتخابات المصرية السابقة، ما عدا الانتخابات ٢٠١٢ التى جاءت فى ظروف استثنائية لا يمكن القياس عليها، على الرغم من الشكوك فى نتائج العمليات الانتخابية التى كانت تجرى فى عهد مبارك، وهنا لنا عدة ملاحظات: أولها أن نظام القيد التلقائى فى مصر من أفضل أنظمة القيد على مستوى العالم، وأصبح مرتبطا بالرقم القومى تلقائيًا بمجرد وصول المواطن إلى سن ١٨ عامًا، ذلك بعدما تم إلغاء بطاقة الانتخاب الوردية فى النظام القديم. ثانيها، الحاجة إلى التفكير الجدى فى نظام القيد الاختيارى، وربما يحدث هذا مع الهيئة الوطنية الدائمة للانتخابات التى نص عليها الدستور الجديد. ثالثها، أن الدولة، ممثلة فى اللجنة العليا للانتخابات، أعلنت وبكل شجاعة نسبة التصويت بدون مواربة، ولم تحرج من إعلانها وهى بهذا الضعف. كما اعترفت اللجنة بأن بالتجاوزات الانتخابية، والتى وصفتها بأنها كانت واقعًا مرصودًا، وقد اتخذت هذه الخروقات أشكالاً مختلفة من الرشى الانتخابية وتأخر فتح اللجان، وأنه قد تم اتخاذ بعض الإجراءات القانونية تجاه بعضها بالإزالة أو بالإحالة للنيابة العامة.


ثانيا: أحزاب رجال الأعمال بدون أغلبية


بلغ عدد النواب المنتخبين ٥٥٥ نائبًا ومازال هناك ١٣ مقعدًا سوف تعلن نتيجتها يوم ١٦ ديسمبر الحالي، فضلا عن ٢٨ نائبًا الذين سوف يقوم الرئيس بتعيينهم. وفى مفاجأة من العيار الثقيل حصلت الأحزاب السياسية على ٢٣٩ نائبًا بواقع ٤٣.١٪ فى حين حصل المستقلون على ٣١٦ نائبًا بواقع ٥٦.٩٪ من إجمالى عدد مقاعد البرلمان، وذلك فى الوقت الذى كان يتوقع فيه كثيرون أن هذا البرلمان سيكون مفتتًا ويسيطر عليه المستقلون.


وبناء عليه، يمكننا إبداء الملاحظات التالية: أولا أن هناك ١٩ حزبًا ممثلاً فى البرلمان، منها ١٦ حزبًا من المرحلة الأولى، ثم استطاعت ثلاثة أحزاب هى الإصلاح والتنمية وحراس الثورة والتجمع أن يحصلوا على مقاعد فى المرحلة الثانية. ثانيًا، هناك أربعة أحزاب ممثلة بمقعد واحد فقط، فى حين أن هناك ثلاثة أحزاب ممثلة بـ ٢٢٨ مقعدًا مرجحة للزيادة فى ظل الإعادة فى أربع دوائر بها ١٣ مقعدًا، وهى أحزاب المصريين الأحرار ومستقبل وطن والوفد. ثالثًا، هناك أربعة أحزاب ممثل كل منها بأربعة مقاعد، وهي: الحرية والسلام الديمقراطى والمصرى الديمقراطى الاجتماعى والحركة الوطنية. رابعًا، هناك أربعة أحزاب ممثلة بعدد مقاعد ما بين ١٠ إلى ١٧ مقعدًا، وهى أحزاب حماة وطن ١٧ مقعدًا والشعب الجمهورى ١١ مقعدًا والمؤتمر ١٢ مقعدًا وأخير النور ١١ مقعدًا. خامسًا، استطاعت أحزاب المحافظين ومصر الحديثة والإصلاح والتنمية الحصول على ٦ و٥ و٣ مقاعد على الترتيب. سادسًا، أن حزب المحافظين لم ينجح له أحد على المقاعد الفردى وأن كل مقاعده حصل عليها من المشاركة فى قائمة حب مصر. وأخيرًا، هناك بعض المستقلين الممثلين فى المجلس ينتمون فى الأصل إلى بعض الأحزاب، مثل هيثم الحريرى المنتمى لحزب الدستور.


ثالثاالشباب فى البرلمان


إن تمثيل بعض الفئات المجتمعية فى البرلمان أو المجالس المنتخبة كانت، ومازالت، إحدى الإشكاليات التى تواجه النظام السياسى المصرى منذ ثورة ٢٣ يوليو حتى الآن. لذا عمل الدستور الجديد فى مواده رقم ٢٤٣ و٢٤٤ على التمييز الإيجابى لفئات ست، وهو ما تم ترجمته فى نص المادة (٥) من قانون مجلس النواب من تخصيص عدد من المقاعد لكل فئة من الفئات الست فى القوائم الانتخابية، حتى يضمن تمثيلاً عادلا ومناسبا لكل فئة. ولكن واضح تمام أن مفاجأة هذه الانتخابات لم تنتهِ إلا بنهاية سعيدة لثلاث فئات من الفئات الست، هم المرأة والمسيحيون والشباب دون الـ ٣٥ عامًا، حيث زادت نسبتهم فى التمثيل عن تلك التى ذكرها القانون.


الجدول يوضح حصاد الفئات صاحبة التمييز الإيجابى فى انتخابات ٢٠١٥


من الجدول يمكن القول، أولا: إن هناك فئتين ظلتا ثابتتين فى عدد ممثليهما هم: الأشخاص ذوو الإعاقة والمقيمون فى الخارج. ثانيًا، زادت نسبة تمثيل الشباب والعمال والفلاحين، حيث وصل عدد الشباب ما دون الأقل من ٣٥ عامًا إلى ٥٣ نائبًا، من إجمالى ٥٥٥ مقعدًا والتى انتهت فيها الانتخابات، بنسبة إجمالية ٨.١٪، ومازال للشباب فرص المنافسة فى الدوائر الأربع المؤجلة، فضلاً عن توقع البعض بأن يقوم الرئيس بتعيين عدد منهم أيضًا. كما أننا لم نقم بحساب عدد النواب الذين حصلوا على المقعد، وهم فى الفئة العمرية من ٣٦ عامًا إلى ٤٥ عامًا، وهم أيضًا عددهم تجاوز ١٢٠ نائبا على أقل تقدير. ثالثا، نحن أمام مجلس يتصف بالحيوية العمرية والثراء الايديولوجى والفكري، خاصة وأن أغلب الشباب فيه ينتمى لأحزاب عدة، فضلاً عن مستقلين ذوى مرجعية سياسية متنوعة.


رابعًاالمرأة والمسيحيون الأكثر تمثيلاً


سعت المرأة المصرية منذ زمن طويل للحصول على حقوقها السياسية والانتخابية، فنجد النساء فى حفل افتتاح البرلمان فى مارس ١٩٢٤ أقدمن على تقديم طلب لحضور هذا الحفل، وحملن لافتات كتب عليها: «احترموا حقوق نسائكم»، تطلب منح النساء حق الانتخاب، ولما أصرت النساء على مطلبهن لحضور جلسات البرلمان، تم تخصيص مقصورة لهن عام ١٩٢٥ ثم مقصورتين، ثم تبع ذلك إعلان البرلمان بأنه سيناقش بالفعل حق المرأة فى التصويت أثناء انعقاد جلساته، توالت الأحداث التى طالما طالبت فيها النساء بضرورة أخذ حقوقهن السياسية وحقهن فى الانتخاب وترشيح أنفسهن كعضوات داخل البرلمان. وقد أثبتت التجربة المصرية نجاح المرأة فى مجال العمل البرلماني، حيث مثلت المواطنين خير تمثيل. وكان لها بصماتها الواضحة فى مسيرة الحياة النيابية، سواء فى مجالس الرقابة أو التشريع.


وعلى الرغم من ذلك، لم تعكس أية انتخابات جرت فى مصر التمثيل الحقيقى للمرأة فى المجتمع. فعلى سبيل المثال كانت الانتخابات البرلمانية لعام ٢٠١٢ الأكثر ترشيحًا فى تاريخ البرلمانات المصرية، ولكنه ليس الأكثر تمثيلاً للسيدات. وقد ترشحت خلال تلك الانتخابات ٩٨٤ سيدة منهن ٣٥١ على المقاعد الفردية، و٦٣٣ على القوائم الحزبية، وذلك مقابل ترشح نحو ١٣١ و٤٤٩ سيدة فى انتخابات ٢٠٠٥ و٢٠١٠ على الترتيب. وكانت محافظات القاهرة فالدقهلية والإسكندرية، ذات النصيب الأوفر من المرشحات على مستوى الترشيح للمقاعد الفردية والقوائم إجمالاً (١٥٢ و٧١ و٦٦ مرشحة على الترتيب). ويرجع ذلك، إلى أن تلك المحافظات هى الأكبر فى عدد الناخبين قاطبة، فى حين أن المحافظة الثانية هى ثانى أكبر محافظة من حيث عدد المطلوب انتخابهم على مستوى محافظات الجمهورية (٣٦ عضوًا)، كما أن المحافظتين الأولى والثانية والبالغ عدد ممثليهما فى مجلس الشعب ٥٤ و٢٤ على الترتيب هى الأكثر تمدينًا وتحضرًا على مستوى الجمهورية.


وعلى الرغم من العدد المرتفع للمرشحات فى برلمان ٢٠١٢ إلا أنه شهد تراجعًا فى تمثيل المرأة، رغم ما كان ينتظره الكثيرون من تحسن وضعية تمثيل المرأة فى عضوية المجلس عند الأخذ بنظام الانتخاب بالقوائم الحزبية، إلا أن عضوية المرأة فى برلمان الثورة انحسرت فى إحدى عشرة سيدة يمثلن ٢.٢٪ فقط من أعضاء المجلس، وهى نسبة تقع فى المنتصف بين ما كان عليه الحال فى مجلس ٢٠٠٥ (٢٪) ونظيرتها فى مجلس ٢٠٠٠ (٢.٤٪)، وإن كانت تدور فى ذات المستوى تقريبا.


ولا شك أن ذلك يعود إلى إحجام الأحزاب السياسية الأوفر حظا فى الانتخابات عن وضع المرأة على قوائمها فى ترتيب يتيح لها فرصا أفضل فى الحصول على مقاعد. فقد جاءت المرأة فى النصف الثانى من معظم القوائم الخاصة بتكتلى الحرية والعدالة والنور، وسار على ذات النهج كثير من الأحزاب والتكتلات الأخرى، فى حين أن أيًا من القوائم لم تحصل على نصف عدد المقاعد سوى فى عدد محدود للغاية من الدوائر، مما باعد بين المرأة ومقاعد البرلمان. ولعل مما يثبت ذلك أن السيدات اللاتى اكتسبن عضوية المجلس الحالى كان ترتيبهن بين الأول والرابع ضمن القوائم التى نجحن عليها.


ويوضح الجدول التالى نسبة عدد النائبات من إجمالى عدد المقاعد


يوضح الجدول: أولا، أن متوسط نسبة تمثيل المرأة المصرية خلال نصف القرن الماضى فى مجلس الشعب حتى عام ٢٠١٢ لا يتعدى ٢.٩٪ فى المتوسط، مع الأخذ فى الاعتبار أن هذه النسبة تشتمل على المعينات والمنتخبات فى الوقت نفسه. كما يوضح الجدول ذاته أن أعلى معدلات المشاركة للمرأة المصرية فى مجلس الشعب خلال نصف القرن الماضى ارتبطت بمجلسى ٧٩ و٨٤، حيث بلغت نسبة تمثيل المرأة فيهما ٨.٩٪، ٧.٨٪ على التوالي، وارتبط ذلك بصدور قانون يخصص ٣٠ مقعدًا للمرأة، بحد أدنى مقعد لكل محافظة، خلاف منافستها للرجل على بقية المقاعد. وباستثناء هذين المجلسين، فإن نسب تمثيل المرأة فى البرلمان كانت محدودة للغاية، حيث تراوحت ما بين ٠.٥٧٪ فى حدها الأدنى و٣.٩٪ فى حدها الأقصى.


ثانيًا، أنها المرة الأولى التى يصل فيها عدد تمثيل السيدات إلى ٨٧ نائبة بنسبة ١٤.٦٪ من إجمالى عدد مقاعد البرلمان، منهن ١٧ بالانتخاب و١٤ بالتعيين. وهو ما يعكس تغيرًا فى ثقافة المجتمع والمرأة المصرية التى بدأت تنتخب المرأة، وهو ما يعد تحولاً كبيرا يجب أن يتم البناء عليه من قبل كل مؤسسات المجتمع المدنى المعنية بأمر المرأة.


ثالثا، وصل عدد المسيحيين داخل البرلمان إلى ٣٦ مقعدًا منهم ١٢ بالانتخاب ليصل نسبة تمثيل المسيحيين ٦.٤٨٪. وهنا يمكن القول إنها المرة الأولى منذ ثورة ٢٣ يوليو تفوز فيها المرأة والمسيحيون بهذا العدد من المقاعد فى الانتخابات على المقاعد الفردية، وإذ جاز لنا أن نكون أكثر دقة هى المرة الأولى منذ أن عرفت مصر التمثيل البرلماني.


خامسًاالنور صاحب المفاجآت مستمرة


جاءت النتائج النهائية التى حققها حزب النور مفاجئة من العيار الثقيل، حيث حصل الحزب على ١١ مقعدًا فقط من إجمالى ١٤٠ مرشحًا، حيث رشح الحزب ٨٠ مرشحًا على المقاعد الفردي، وخاض المنافسة فى دائرتين هما دائرة القاهرة ووسط الدلتا صاحبة ٤٥ مقعدًا، ودائرة غرب الدلتا صاحبة ١٥ مقعدًا. وعلى الرغم من النتائج الهزيلة التى حققها الحزب فى المرحلة الأولى( ٨ مقاعد)، إلا أنه واصل مفاجآته بحصوله على ( ٣ مقاعد) فى المرحلة الثانية. وقد تبارى كثيرون فى تفسير وتحليل إخفاق الحزب فى الحصول على نتائج مرضية له، على الأقل. وهناك يمكن ذكر عدة أسباب فى إخفاقه: أولاً، التصور الخاطئ من الحزب بأنه البديل عن جماعة الإخوان والحزب الوطني، وبناء عليه انسحب الحزب من دائرتين قوائم، هما شرق الدلتا والصعيد، وهو ما أعطاه انطباعًا للناخب بأنه على علاقة بالدولة، وهى التى أوعزت له بذلك، فى حين أن الحزب أكد أنه انسحب من أجل التوافق الوطني، وإثبات بأنه لا يريد أن يسيطر على البرلمان. ثانيًا، التضخيم غير المبرر من التيارات المدنية فى قوة الحزب، والذى حصل على ٢٢٪ من برلمان ٢٠١٢، وأنه الأكثر تماسكًا واستعدادًا للعملية الانتخابية، خاصة مع تقديمه للمرشحين فى الدوائر الانتخابية الأربع المخصصة للقوائم، قبل انسحابه من اثنتين، كما أسلفنا القول.


ثالثًا، نجاح الحملات التى أقيمت ضد الحزب من التيارات والأحزاب المدنية ووسائل الإعلام فى التأثير على نتائج الحزب، حيث لم ينجح الحزب فى الحصول على حصد أية دائرة قوائم، خاصة وأن الجميع، بما فيها الحزب، اعتقدوا خطأ بأنه الأقرب فى الحصول على قائمة غرب الدلتا حيث يوجد بها المقر الرئيسى للحزب ومعقل السلفيين فى مصر. رابعًا، حملات التشويه التى قامت بها جماعة الإخوان المسلمين ضد الحزب ليس فقط فى وسائل الإعلام التى تملكها ولكن أيضًا على الأرض، حيث قامت بتحريض التيارات السلفية الأخرى التى تعاطفت معها، وشاركتها فى اعتصامى رابعة والنهضة، بعدم الذهاب من الأصل إلى الانتخابات. خامسا النظام الانتخابى.


وإجمالاً، فإن العوامل الأربعة السابقة اجتمعت مع بعضها البعض للنيل من شعبية حزب النور، الذى بدأ يستعد للانتخابات المحلية، وفى نفس الوقت سيحاول الحزب أن يظهر داخل قبة البرلمان من خلال المشاركة الفعالة فى مناقشة القوانين، واستخدام الأدوات الرقابية الأكثر تأثيرًا، فضلاً عن محاولة التنسيق مع بعض الأحزاب أو المستقلين فى بعض القضايا المشتركة.


سادساً: محددات العلاقة بين المجلس ورئيس الجمهورية


اتسم النظام السياسى المصرى على مر التاريخ بأنه نظام يلعب فيه رأس الدولة سواء كان سلطانا، أو ملكا، أو رئيسا دورا محوريا، وربما كان هو القلب الصلب للنظام وللتفاعلات السياسية، وبالتالى انعكس ذلك فى أن رأس الدولة كان عادة ما يجمع فى يده جميع السلطات والصلاحيات. لكن مع تطور الأوضاع السياسية والاحتكاك بالتجارب والنظم السياسية الحديثة، والتى تتسم فيها مؤسسات الدولة والعلاقات بينها بالتعقيد وتفتيت السلطات وتوزيعها بين المؤسسات، بدأ تحول نوعى جديد نحو مزيد من تشتيت السلطة وإخراج بعض السلطات والصلاحيات من يد رأس الدولة لصالح المؤسسات السياسية الحديثة والمستحدثة مثل البرلمان.


حيث يتضح من خلال قراءة الدساتير المصرية الثلاثة: دستور ١٩٢٣، ومشروع دستور ١٩٥٤، ودستور ١٩٧١، أن هناك ثمة تقاليد دستورية مصرية استمرت عبر الدساتير الثلاثة، من هذه التقاليد تشارك رأس الدولة والبرلمان للكثير من الصلاحيات ولعملية صنع القرار فى الدولة المصرية، ومن ذلك حق الرئيس والبرلمان فى اقتراح القوانين، وكذلك حق رأس الدولة فى اتخاذ تدابير لها قوة القانون شريطة إقرار السلطة التشريعية لمثل هذا الحق، سواء كان هذا الإقرار فى شكل مسبق متمثل فى إعطاء تفويض من جانب البرلمان لرأس الدولة؛ ليتمكن من إصدار القوانين كما هو الحال فى مشروع دستور ١٩٥٤، أو إقرار لاحق كما هو الحال فى دستورى ١٩٢٣ و١٩٧١ بحيث يجتمع البرلمان لاحقاً، إما لإقرار ما أصدره رئيس الجمهورية أو إلغائه فى حال كان البرلمان منحلا فى مثل هذه الحالات الاستثنائية.


كذلك مما اشتركت فيه الدساتير المصرية الثلاثة فيما يتعلق بالعلاقة بين رأس الدولة والبرلمان، هو منح رأس الدولة الحق فى إبرام المعاهدات شريطة إبلاغها للبرلمان، وحددت الدساتير الثلاثة نوعيات من المعاهدات والاتفاقيات لا يمكن إنفاذها إلا بتصديق وموافقة البرلمان عليها كاتفاقيات التجارة الخارجية، ومعاهدات السلم والحرب، وما يتعلق منها بالسيادة على الأراضى المصرية. وقد تبنت الدساتير المصرية ذات التوجه بعد ثورة ٢٥ يناير ٢٠١١. لكن بشكل عام فيما يتعلق بعلاقة رأس الدولة بالبرلمان يجب التأكيد على أن الدساتير الثلاثة لا يوجد بها ما يكشف عن أى مسئولية سياسية يتحملها رأس الدولة أمام البرلمان، كذلك برغم التأكيد على أن الوزراء مسئولون أمام البرلمان عن أعمال وزاراتهم، فإن قرار استقالتهم وقبولها هو أمر بيد رأس الدولة فى نهاية المطاف.


وفى الواقع، اختلف دستور ٢٠١٤ عن التجارب الدستورية المصرية السابقة، حيث بات لمجلس النواب دور فى اختيار رئيس الحكومة، فضلاً عن مراجعة المجلس لكل التشريعات التى يصدرها رئيس الدولة، وله الحق فى رفضها إن شاء، وللمجلس حق عزل الرئيس كما للرئيس حق حل المجلس، وإجراء استفتاء شعبى على ذلك. وتظل العلاقة ببين مجلس النواب الجديد ورئيس الجمهورية، يحددها عدد من المتغيرات، ويحدد مسارها ثلاثة سيناريوهات رئيسية.


وهنا يجب الإشارة إلى محددات رئيسية: حيث يوجد ثلاثة محددات تتحكم فى مسارات ومستقبل العلاقة بين مجلس النواب ورئيس الجمهورية، وهى كما يلي:


١محددات دستورية، حيث أعطى الدستور للرئيس حق حل مجلس النواب عند الضرورة، وبعد استفتاء الشعب، ولسبب غير الذى حل من أجله المجلس السابق. كما أقر الدستور (م١٦١) بحق المجلس فى «إقالة الرئيس بسحب الثقة منه، وعقد انتخابات مبكرة، وذلك بطلب مسبب من أغلبية نواب البرلمان، وموافقة ثلثى النواب، على أن يعرض الأمر على الاستفتاء الشعبي، الذى يعقبه حل البرلمان إذا ما رفض الشعب إقالة رئيسه». كما يحق لمجلس النواب اتهام الرئيس بانتهاك الدستور أو الخيانة العظمى أو أية جناية أخرى، وذلك بطلب من أغلبية النواب، وبموافقة الثلثين (م ١٥٩). إضافة إلى ذلك يقدم رئيس الدولة استقالته لمجلس النواب. كما يحق لرئيس الدولة تعيين ٥٪ من نواب البرلمان، وهذا الأمر يعادل ٢٣ نائبًا على الأقل، فضلاً عن حق الرئيس فى دعوة البرلمان فى اجتماع عادى وغير عادي.


وفى الشأن التشريعي، يحق لرئيس الدولة اقتراح القوانين (م١٢٢)، وإصدار قرارات لها قوة القانون عند الضرورة، وفى غيبة مجلس النواب، على أن تعرض عليه عند انعقاده لإقرارها أو رفضها مع إقرار المجلس لبقاء أثرها إن شاء، فإذا لم تعرض زال أثرها (م ١٥٦). كما يحق لرئيس الدولة الاعتراض على إصدار القوانين خلال ٣٠ يومًا من إقرارها، إذا لم يرد الرئيس القانون للبرلمان خلال هذه المدة اعتبر ذلك إصدارًا له، وإذا اعترض عليه ورده وأقره المجلس بنسبة الثلثين صدر رغما عنه. وهذا الوضع يشبه ما كان قائما فى دستورى ٢٠١٢ و١٩٧١.


ويمكن القول إن المشرع الدستورى أقام علاقة توازن بين سلطات الرئيس ومجلس النواب، بحيث يتملك كلاهما أدوات دستورية تحميه من توغل الطرف الآخر. وإن كان هناك بدّ من استخدام حق حل المجلس من قبل الرئيس أو سحب الثقة من الرئيس، فعليهما فى النهاية اللجوء إلى الناخب لتفعيل هذا الحق من خلال استخدام آلية الاستفتاء الشعبى على القرار المتخذ. وبهذا يعى الطرفان حجم وخطورة الخطوة التى سيقبل عليها؛ لأنه قد يكون فيها تهديد لمستقبله السياسي، وبذلك قصد المشرع الدستورى إحداث نوع من الاستقرار السياسى والتشريعى المفقود منذ بضع سنوات.


٢محددات تشكيل الحكومة، حيث أقر الدستور حق رئيس الجمهورية فى تكليف رئيس لمجلس الوزراء، بتشكيل الحكومة وعرض برنامجه على مجلس النواب، فإذا لم تحصل حكومته على ثقة الأغلبية خلال ٣٠ يومًا، يكلف رئيس الجمهورية رئيسًا لمجلس الوزراء بترشيح من الحزب أو الائتلاف الحائز على أكثرية مقاعد المجلس (م١٤٦). والحكومة طبقًا لنص المادتين١٦٣ و١٦٧ هى الهيئة التنفيذية والإدارية العليا للدولة، وتمارس عدة اختصاصات منها الاشتراك مع رئيس الجمهورية فى وضع السياسات العامة للدولة، والإشراف على تنفيذها، والحفاظ على أمن وسلامة المواطن والوطن، وإعداد مشروعات القوانين والقرارات، وإعداد مشروعات الخطة العامة للدولة والموازنة العامة، وعقد ومنح القروض، وأخيرًا تنفيذ القوانين.


وبالتالي، فإن الحكومة لن تراقب وتساءل من البرلمان فقط، ولكن أيضًا رئيس الجمهورية الذى له حق تفويض جزء من اختصاصاته لرئيس الوزراء (م١٤٧)، وإعفاء الحكومة من أداء عملها بموافقة أغلبية أعضاء مجلس النواب، أو إجراء تعديل وزارى بعد التشاور مع رئيس الوزراء وموافقة المجلس(م١٤٧).


٣حجم الأغلبية البرلمانية، وهو سيؤثر لا محالة على علاقة البرلمان القادم بالرئيس، فإذا كانت الأغلبية لأحزاب متوافقة، أو موالاة، مع الرئيس فإن هذا يعنى أن الرئيس سيكون قد أحكم سيطرته على النظام السياسى بشكل كامل، مما سيغيب معه أى دور رقابى للبرلمان على الرئيس وحكومته. أما إذا حدث الاحتمال الأضعف أى صارت الأغلبية البرلمانية تعارض الرئيس وقامت بتشكيل الحكومة، فإن الحكومة ستكون مدعومة من السلطة التشريعية فى مواجهة الرئيس المدعوم شعبيًا، وهو ما سيفرض تحديات عملية، وقد يتعرض النظام السياسى لحالة من الشلل بين قطبى السلطة التنفيذية والتشريعية، وهو ما سيجبرهما معا أو أحدهما إلى اللجوء إلى الشعب من خلال الاستفتاء على بقاء الطرف الآخر، بما يمتلكه –كما سبق القولمن صلاحيات دستورية.


سابعًاسيناريوهات العلاقة بين الرئيس والبرلمان


بناء على المحددات السابقة، يمكن تحديد ثلاثة سيناريوهات متوقعة للعلاقة بين الرئيس والبرلمان، تقع جميعها على خط مستقيم، يقع اثنان منها على طرفى النقيض، وإحداهما فى المنطقة الوسط، ويميل للمراوحة بين النقيضين.


١السيناريو التعاوني، وهو السيناريو الأكثر تفاؤلًا؛ حيث تتسم العلاقة بين الرئيس ومجلس النواب بالتعاون الكامل، وهو ما يعنى الاتفاق بينهما، الذى يصل إلى حد التطابق على الأجندة التشريعية، وعلى الخطة والموازنة العامة للدولة وغيرها من التشريعات التى يحتاجها الرئيس لتنفيذ رؤيته الخاصة بتحقيق التنمية وعودة الأمن ومواجهة المخاطر الخارجية.


وفى ضوء هذا السيناريو، بالتأكيد تكون الأغلبية فى البرلمان من الأحزاب المساندة والداعمة لثورة ٣٠ يونيه٢٠١٣، بالإضافة إلى المستقلين الذين ينتمون إلى التيارات القومية المدنية والليبرالية. وفى ظل هذا السيناريو يستطيع الرئيس تمرير حكومته من البرلمان بدون الرجوع إلى الحزب أو الائتلاف الحائز على الأغلبية فى البرلمان من المرة الأولي، وهو ما سيحرص الرئيس عليه فى أول اختبار له لشكل العلاقة بينه وبين البرلمان.


وعلى قدر المميزات لهذا السيناريو توجد عيوب جمة، من بينها قدرة الرئيس على تمرير ما يشاء من قوانين وقرارات دون إدخال تعديلات جوهرية عليها من قبل البرلمان. وبالتالى لن يؤدى البرلمان مهامه الأساسية ممثلة فى التشريع والرقابة بالكفاءة المطلوبة أو المتوقعة لبرلمان جاء بعد ثورتين، وهو ما سيجعل الحكومة أيضًا أكثر قوة من البرلمان، وهذا غير مطلوب فى مرحلة الانتقال الديمقراطي.


٢سيناريو الشد والجذب، وهو سيناريو وسطي، وهو الأقرب للواقع، حيث يتبع كل من الرئيس والبرلمان سياسة «العصا والجزرة» تجاه الطرف الآخر، حيث سيحافظ كلاهما على شعرة معاوية ممتدة بينهما. بمعنى آخر، أن العلاقة بينهما يسودها شكل من أشكال التعاون فى بعض الفترات تارة، ونوع من الجذب فى فترات أخرى ولكنها لن تصل إلى حد الصدام، وهنا سيحاول كل طرف منهما إعمال حقوقه وسلطاته التى كفلها له الدستور. وربما يحدث ذلك عندما تختلف الأجندة التشريعية للرئيس عن تلك التى للبرلمان، أو عندما يقوم البرلمان بإدخال تعديلات جوهرية على بعض القوانين التى يقترحها الرئيس أو حكومته فى حال تشكيله هو للحكومة.


ويتحقق هذا السيناريو فى عدة حالات، الأولى إذا استطاع أحد الأحزاب أو الائتلافات تشكيل أغلبية برلمانية، ورفض التشكيل الأول للحكومة الذى يتم عن طريق رئيس الدولة، وقام هذا الائتلاف فيما بعد بتشكيل الحكومة. والحالة الثانية، هى موافقة الحزب أو الائتلاف على تشكيل حكومة الرئيس، ولكنه يختلف مع الرئيس أثناء الدورة البرلمانية على وضع الأجندة التشريعية أو على تمرير بعض القوانين التى يرى فيها الرئيس والحكومة ضرورة ملحة لاستكمال خطة عمل الحكومة.


ومن الأهمية القول، إنه فى حال تحقق هذا السيناريو سيكون لمجلس النواب دور مهم وأكثر فاعلية فى تحقيق عملية التحول الديمقراطي، حيث سيسمح بتفعيل مبدأ التوازن بين السلطات، بما لا يغل يد الرئيس وحكومته فى تنفيذ خطط التنمية أو إدارتهم للملفات السياسية والاقتصادية المختلفة.


٣سيناريو الصدام والمواجهة، وهو السيناريو الأكثر تشاؤمًا، والأقل احتمالية فى الحدوث. ويتحقق هذا السيناريو فى ظل عدة احتمالات: الأول، هو حصول حزب من أحزاب رجال الأعمال على أكثرية عددية فى البرلمان، وتشكيله للحكومة. والاحتمال الثاني، هو حدوث انشقاق بين القوى المدنية والليبرالية والمستقلين داخل البرلمان، وقيام هذه القوى المختلفة بالتكتل ضد الأجندة التشريعية للرئيس، وفى هذه الحال ربما يلجأ كل طرف إلى الدستور حيث يقوم الرئيس بتهديد البرلمان بالحل، وذلك لأنه تحققت من وجهة نظره حالة الضرورة التى نص عليها الدستور، وحينئذ يشرع الرئيس فى إجراء استفتاء شعبى لحل البرلمان. وفى ذات الوقت يقوم البرلمان بسحب الثقة من الرئيس والدعوة لعقد انتخابات رئاسية مبكرة، خاصة وأن البرلمان سيوجه تهمة انتهاك الدستور للرئيس.


وخطورة هذا السيناريو، هو أنه يدخل البلاد فى دوامة جديدة من حالة الفوضى السياسية مرة أخرى، حيث يحاول كل طرف حشد أنصاره فى مواجهة الطرف الآخر، وهنا تكمن الخطورة فى اللجوء إلى شرعية «الميدان» مرة ثانية، فبدلًا من الانتقال إلى بناء هياكل مؤسسات الدولة وإحداث الاستقرار الدستورى والانتهاء من المرحلة الانتقالية الثانية، تدخل مصر فى مرحلة انتقالية جديدة، ولكن هذه المرة لن تستقر فيها البلاد بأى حال من الأحول. وبذلك أيضًا ينشغل الرئيس والبرلمان معًا عن تحقيق خططهم لتحقيق التنمية ومحاربة الإرهاب والاستجابة لمطالب عموم المصريين الخاصة بتحقيق الكرامة الإنسانية والحرية.


وفى المجمل، فإن السيناريو الثانى هو الأقرب إلى الواقع، حيث التعاون تارة والجذب تارة أخرى بين السلطة التشريعية والتنفيذية، وذلك بسبب التركيبة الحزبية والسياسية والاجتماعية الجديدة للبرلمان، وعدم وجود أغلبية لحزب أو لتيار سياسى واحد.