الأقباط فى برلمان ٢٠١٥ قراءة فى مقدمات فوز «استثنائى»

09/12/2015 - 11:38:54

بقلم -سامح فوزى

شكل فوز عدد كبير من المرشحين الأقباط فى انتخابات ٢٠١٥م تحولا مهما يستدعى التوقف أمامه، فقد ظل لعقود طويلة «تراجع تمثيل الأقباط فى البرلمان» إحدى المشكلات أو الهموم القبطية التى يكثر الحديث حولها، ولم يكن مفهوما فى ظل هيمنة حزب السلطة – أيا كان اسمهأن يتضاءل انتخاب مرشحين أقباط فى البرلمان، وهو ما كان مصدر تندر من جانب بعض المعارضين، الذين توقفوا أمام انتخابات عام ١٩٩٥ التى لم ينجح فيها قبطى واحد، وفى الوقت نفسه منيت فيها المعارضة باختلاف ألوانها بانتكاسة شديدة، حيث قال أحدهم: إذا كانت الحكومة تزور الانتخابات لصالح مسلمين، فلماذا لا تقوم بتزويرها لصالح أقباط؟


اليوم فى ظل انتخابات شهدت نزاهة إجرائية فاز ٣٦ نائبا قبطيا، من بينهم ١٢ نائبا فى الدوائر الفردية، وهو ما يشكل نقطة تحول غير مسبوقة، خاصة أنها أجريت فى ظل عدم وجود حزب حاكم، أو معبر عن الحكومة، المسألة تحتاج إلى تفسير، وقراءة معمقة.


(١)


حديث الأرقام


إذا عدنا إلى الانتخابات البرلمانية التى أجريت قبل ثورة ١٩٥٢م كان تمثيل الأقباط فيها يرتبط بالمد الديمقراطى العام، بمعنى عندما يكون هناك حزب الأغلبيةأى حزب الوفدفى السلطة يكون تمثيل الأقباط مرتفعا، فى حين ينخفض هذا التمثيل إذا سيطرت أحزاب الأقلية على الأغلبية البرلمانية. قدر متوسط نسبة الأقباط فى برلمانات ما عُرف بالعهد الليبرالى (١٩٢٣-١٩٥٢م) بنحو ٦.١٣٪، بلغت ذروتها فى برلمانى ١٩٢٦م و١٩٤٢م بنسبة تقدر بنحو ٩.٧٩٪ و١٠.٢٣٪ على التوالي، وقد تهاوت هذا النسبة إلى ٢٪ أو أقل منها فى البرلمانات التى أعقبت ثورة ١٩٥٢م. التى لم يصل فيها سوى عدد قليل جدا من الأقباط إلى البرلمان بالانتخاب من ناحية، ولجأت إلى استخدام «أسلوب التعيين» من ناحية أخرى لإيجاد تمثيل قبطى محدود فى البرلمان، وهو ما جعل تمثيل الأقباط فى البرلمان بيد الحكم، أكثر منه بإرادة الشعب. ويرى كثير من المتابعين للشأن القبطى أنه باستثناء نماذج محدودة، غلب على المعينين فى مجلس الشعب من الأقباط الاهتمام التقنى المحدود، والابتعاد عن الحديث عن الهموم القبطية، والتأييد المفرط للحكم، وهو ما جعل هناك أزمة تمثيل حقيقى للأقباط فى المجالس النيابية.


ويمكن ملاحظة تطور تمثيل الأقباط صعودا وهبوطا فى الجداول البيانية التالية، والتى هى مأخوذة من دراسة قام بها كاتب هذه السطور مع الأستاذ سمير مرقس عن «إدارة التعددية الدينية» نشرت منذ ثلاثة أعوام.


مإذا نظرنا إلى الأرقام الورادة أعلاه نجد تراجعا ملحوظا فى تمثيل الأقباط فى النصف قرن الأخير، وظل هذا التراجع فى الانتخابات البرلمانية التى شهدتها الألفية الجديدة، إذ تكشف نتائج الانتخابات البرلمانية أعوام ٢٠٠٠م و٢٠٠٥م و٢٠١٠ عن ضعف الحضور السياسى للأقباط فى المجلس التشريعي. فى الانتخابات البرلمانية عام ٢٠٠٠م انتخب ثلاثة أقباط من إجمالى ٤٤٤ عضوا (وتم تعيين ٤ أعضاء) أى أصبح للأقباط ٧ أعضاء بنسبة ١.٥ ٪ من إجمالى أعضاء مجلس الشعب البالغ عددهم ٤٥٤ عضوا. وتكرر هذا المشهد فى انتخابات عام ٢٠٠٥م والتى انتخب فيها قبطى واحد هو وزير المالية، من إجمالى ٤٤٤ عضوا (وتم تعيين ٥ أعضاء) أى أصبح للأقباط ٦ أعضاء بنسبة ١.٤٪ من إجمالى أعضاء مجلس الشعب، وهى تقريبا نفس النتيجة التى آل إليها برلمان ٢٠١٠م، حيث نجح اثنان من الأقباط بالانتخاب، وأضيف إليهم سبعة آخرون بالتعيين، ليصبح العدد الإجمالى عشرة أعضاء.


ويُلاحظ أن عدد الذين رشحوا أنفسهم خلال انتخابات مجلس الشعب عام ٢٠٠٠م من الأقباط بلغ ٧٤ مرشحا، خاض منهم الانتخابات ٦٦ مرشحا بنسبة تناهز ١.٧٪ من إجمالى عدد المرشحين. ولم يختلف الحال كثيرا فى الانتخابات البرلمانية عام ٢٠٠٥ من حيث موقف الأحزاب المتحفظ من ترشيح الأقباط، حيث أن الظاهرة الملفتة للنظر هو نجاح بعض المستقلين فى الوصول إلى جولة الإعادة فى ٦ دوائر، إلا أن أيا منهم لم يوفق. وسادت هناك فى أحيان كثيرة دعاية طائفية ضدهم، لم يكن مصدرها فى كل الأحوال مرشحى الإسلام السياسي، بل يضاف إليهم مرشحو الحزب الوطنى نفسه.


تعددت الأسباب التى عادة ما كانت تفسر إحجام الأحزاب، وبخاصة الحزب الوطنى عن ترشيح أقباط، من بينها اعتبارات المكسب والخسارة، وعدم الرغبة فى التضحية بمقاعد برلمانية بترشيح أقباط لا يحالفهم النجاح، وكذلك الشعور بأن تعيين الأقباط يسد النقص فى التمثيل البرلمانى لهم. وأيضا الإحساس العام بأن المؤسسة الكنسية هى المعبر عن الأقباط، ولا يعول فى ذلك على نواب أقباط فى المجلس النيابى.


(٢)


الأقباط فى برلمان ٢٠١٥


تعبر انتخابات مجلس النواب عام ٢٠١٥م عن حالة أول برلمان عقب ثورة ٣٠ يونيه، وثانى برلمان عقب ثورة ٢٥ يناير، حيث لم يستمر مجلس الشعب الذى انتخب عام ٢٠١١م سوى بضعة أشهر حتى حُل بموجب حكم بعدم دستورية بعض مواد قانون انتخابه، فى البرلمان الذى انتخب عقب ثورة ٢٥ يناير كان واضحا حضور الإسلام السياسى بمختلف فصائله، وفى مقدمتهم الإخوان المسلمون، وهم كانوا أكثر دراية وخبرة على الأرض بإدارة العملية الانتخابية، وقد أشعلت نتائج استفتاء مارس ٢٠١١م على تعديل بعض مواد دستور ١٩٧١م، ثم تبعها إصدار إعلان دستوري. تطلعات التيار الإسلامى الذى وجد أن لديه قدرة على الحشد وسط غياب البديل المدني، الذى تمثل فى ضعف التكوينات السياسية حديثة النشأة بعد الثورة من ناحية، وغياب العناصر الفاعلة المحسوبة على نظام حسنى مبارك من ناحية أخرى. لم يستطع الأقباط سوى الترشح فى إطار قائمة «الكتلة المصرية» التى ضمت أحزاب المصريين الأحرار، والديمقراطى الاجتماعي، والتجمع، ومن خلالها حصد الأقباط على ستة مقاعد برلمانية، يضاف إليها مقعد سابع قدمه الإخوان المسلمون لأحد الأقباط على قائمتها، وأضيف إلى السبعة المنتخبين خمسة آخرون معينون ليصبح عدد النواب الأقباط فى أول برلمان بعد ثورة ٢٥ يناير ١٢ عضوا، وهو أمر انتقد على نطاق واسع، نظرا لتراجع وعى الأحزاب السياسية، خاصة الإسلامية وقتئذ بأهمية تمثيل الأقباط والمرأة على السواء. ومن الظواهر التى كانت لافتة فى هذه الانتخابات ظهور ما يمكن أن نطلق عليه «التعبئة السياسية للأقباط»، كان ذلك شعورا بالخوف من التهميش، ومحاولة لتنظيم الذات وأطلقت على هذه المحاولات «لجان المواطنة» بالكنائس، كل ما قامت به هو تعبئة التأييد وراء مرشحين تراهم يمثلون الاعتدال والكفاءة فى خدمة الوطن، أيا كان لونهم السياسى أو الديني، وقد كان بالفعل لها دور مهم فى توفير دعم تصويتى لتحالف «الكتلة المصرية» التى خاض على قائمته التياران الليبرالى واليساري، خلافا للأقباط. أحد العناوين الكبرى فى انتخابات عام ٢٠١١م هو «الصوت الطائفي»، إسلاميا ومسيحيا، من خلال التعبئة العريضة للجمهور، فعلها الإسلاميون وفعلها الأقباط، وكانت الحشود الكبرى المشاركة فى الانتخابات تعبيرا عن «تعبئة دينية» أكثر منها «تعبئة سياسية».


جاء انتخاب برلمان ٢٠١٥م فى ظروف مغايرة. حدثت ثورة ٣٠ يونيه التى أطاحت بحكم الإخوان المسلمين، وخفت بريق التيار الإسلامي، ولم يظل على الساحة منه سوى حزب النور المعبر عن جانب من التيار السلفي، لكنه فى الواقع هشا ضعيفا، كشفته التجربة الانتخابية الأخيرة، وإن كانت هناك مؤشرات مبكرة تفيد ضعفه. قاطعت الأحزاب الإسلامية الانتخابات على الأقل علنا، ولم يشارك جمهورها العام بها، فى حين كانت الانتخابات معبرة عن تحالف ٣٠ يونيه، أو بالأحرى ٣ يوليو، إن جهاز الدولة المحسوب على نظام مبارك، قطاع من المحسوبين على ٢٥ يناير، الأقباط، تمثل ذلك فى قانون انتخاب نص للمرة الأولى على حتمية انتخاب ٢٤ قبطيا بنظام القوائم المطلقة المغلقة، خلاف ما يمكن أن يحصل عليه الأقباط من المعركة الانتخابية، وجاءت نتيجة الانتخابات عقب مرحتلين شملت كافة أنحاء الجمهورية فوز ٣٦ نائبا قبطيا، من بينهم ١٢ قبطيا نجحوا فى دوائر فردية، فى حين نجح ٢٤ قبطيا على قائمة «حب مصر» التى نجحت فى كافة القطاعات التى شملتها العملية الانتخابية.


شكلت هذه الانتخابات بالنسبة للأقباط لحظة استثنائية فى التاريخ المعاصر، واستطاع عدد من الأقباط أن يقتنص مقعده البرلمانى فى دوائر انتخابية غير معتاد أو متوقع فيها نجاح قبطي، وهو ما يجعلنا نتوقف أمام هذه الظاهرة بحزمة من الأسباب:


النظام الانتخابى ساعد الأقباط على تأمين ٢٤ مقعدا فى البرلمان وفق نظام القائمة، وهو ما يلفت الانتباه دائما إلى أهمية الهندسة القانونية التى تضمن تمثيلا سياسيا يقوم على التعددية. والتنوع ثقافيا ونوعيا ودينيا. ولم يشعر المجتمع بتلك العقدة التاريخية مما يسمى نظام الكوتة، حيث تعامل الجمهور العام مع المسألة باعتبارها تنافسا بين قوائم، حتى وأن دارت الأقاويل حول دعم أجنحة فى الدولة لأحدها.


غياب أو تغييب أو عزوف التيار الإسلامى باختلاف فصائله عن الانتخابات وفر بيئة هادئة نسبيا، وانخفض منسوب الحشد الديني، والمفاضلة على أساس الهوية الدينية، وهو ما يشكل دائما جزءا من الخطاب العام للأحزاب الإسلامية إبان الانتخابات العامة التى يغيب فيها البرامج السياسية، ويسهل تعبئة الجماهير باسم الدين.


استمرار «التكتل القبطي» فى التصويت الانتخابي، والذى فى ظل انخفاض معدلات المشاركة شكل رقما مهما فى المعادلة، وجعل هناك إمكانية بناء تحالفات ما بين مرشحين أقباط ومسلمين بهدف الفوز فى الانتخابات. المعلومات الأولية تشير إلى استمرار «لجان المواطنة» فى الكنائس فى لعب هذا الدور، وإن لم يكن بالتأكيد حاسما فى كل الأمور، حيث اسهمت خبرة انفتاح الشباب القبطى على المجتمع فى السنوات على ممارسة حقه فى الاختيار المنفرد.


تغير المزاج العام للناخب المصرى الذى شارك فى الانتخابات الأخيرة، فهو فى أحيان كثيرة لم يكن الناخب الطائفى المغلق، لكنه تعامل برحابة أفضل، ومارس حقه فى المفاضلة بين المرشحين وهو ما أدى إلى نجاح مرشحين أقباط فى دوائر يقل فيها بشدة الحضور القبطي، ويغلب عليها أغلبية مسلمة كبيرة، مما يثبت أن هناك قطاعا لا يستهان به من الشعب المصرى إذا مارس حقه فى الاختيار، بعيدا عن التحريض الطائفي، يستطيع أن يختار الأفضل، بصرف النظر عن اختلاف هويته الدينية.


(٣)


يشكل فوز عدد كبير من المرشحين الأقباط فى هذه الانتخابات عودة بالذاكرة إلى ما عرف بالعهد الليبرالي، والذى شهد انتخاب عدد كبير من الأقباط فى البرلمان خاصة فى ظل وجود حزب الأمة، الجامع لكل ألوان ومشارب الشعب المصري. تجربة استثنائية، كما سبق القول، وفر لها القانون والممارسة والحشد التصويتي، وتقديم الشخصيات المقنعة للناخب الفرصة، والإمكانية.


السؤال الذى لا ينبغى أن نتسرع فى الإجابة عنه: هل المجتمع تغير؟ بالتأكيد تغير المجتمع، ولكن لا نعرف حجم التغير الحادث فيه، ولكن ما يمكن أن نقوله أن البيئة التى أجريت فيها الانتخابات تغيرت هذه المرة، وهو ما ساعد عددا من المرشحين الأقباط على خوض التجربة، والنجاح فيها، ومن أهم ملامح هذه البيئة: عدم تدخل أجهزة الدولة فى سير العملية الانتخابية، غياب الشحن الطائفى فى الانتخابات تراجع ثقل الدعاية الطائفية، التى لم تطل بوجهها بكثافة إلا فى انتخابات الإعادة فى المرحلة الثانية، ومن الواضح أن تأثيرها لم يكن واسع النطاق.


الإشكالية التى تواجه الأقباط فى الحفاظ على تمثيل برلمانى جيد، يحل دائما أزمة التمثيل السياسى التى يعانون منها:


أولا: التأكيد على أهمية وجود كوادر قبطية جادة تخدم المجتمع المحلى بعيدا عن الطائفية، أو الارتباط الضيق بالمجتمع القبطي. وهو ما يساعد على بناء قاعدة شعبية لقيادات من الأقباط تستطيع خوض الانتخابات، والمنافسة الجادة بها.


ثانيا: التوسع فى مشاركة الأقباط فى الأحزاب السياسية، تمهيدا لخوض انتخابات المجالس المحلية، والعمل بجدية على التواجد فى النقابات والأندية، ليس انطلاقا من انتماء طائفي، بقدر ما هو تعبير عن انتماء سياسي، وارتباط بالحركة السياسية.


ثالثا: تنشيط الحضور القبطى فى المجتمع المدنى بديلا عن «الحشد الديني» فى أوقات الانتخابات، وإذا كان الجمهور القبطى دائما بحاجة إلى الحوار والنقاش حول الانتخابات، واختيار المرشحين، فقد يكون من الأمور المهمة أن يكون ذلك من خلال المجتمع المدنى مثل الأحزاب، والنقابات، والمنتديات العامة، الخ.


وختاما، فقد يكون مهما أيضا التفكير فى «قانون مجلس النواب» القادم، هل سيستمر على نفس الخط من حيث الحفاظ على كوتة للأقباط والمرأة والشباب، وغيرهم، أم أنه سوف ينحو فى اتجاه اعتماد التنافس الفردى فى الدوائر، مما يعنى أن المسألة برمتها «هندسة قانونية»، إما من خلالها يتمتع الأقباط بحضور أوسع، أو ينكمش حضورهم حسب ما يتيح القانون لهم.