المال السياسى ظاهرة تاريخية منذ ١٩٢٣

09/12/2015 - 9:58:25

بقلم - د. جمال شقرة أستاذ التاريخ الحديث وا لمعاصر ومدير مركز بحوث ا لشرق الأوسط بجامعة عين شمس

ربما تجدر الإشارة إلى أن بن جوريون كان بين الحين والآخر يتهم مصر بأنها تشن حرباً من طرف واحد، ففى حديثه أمام الكنيست الإسرائيلي، فى الثانى من نوفمبر ١٩٥٥، ذكر أن الغارات التى شُنت من قطاع غزة فقط، سببت فى الشهور التسعة الأولى من هذا العام خسارة مائة وثلاثة وخمسين من القتلى والجرحى. وفى صيغة تهديد لا تخطؤها الأذن، أوضح بن جوريون شروعه فى شن الحرب على مصر حين قال: “إن مصر هذه، تحاول الآن أن تسد الطريق على السفن الإسرائيلية فى خليج البحر الأحمر، بما يتعارض مع القانون الدولي.. وهذه الحرب التى تقوم من جانب واحد لابد وأن تتوقف..”.


لم أكن أرغب فى الكتابة عن سلبيات الانتخابات البرلمانية الأخيرة ٢٠١٥، إيماناً منى أنه رغم ما شابها من تجاوزات إلا أنها تعد أفضل انتخابات عرفتها مصر عبر تاريخها المعاصر، وأنها ستفتح الباب أمام الاستقرار السياسى بمصر، سنوات عجاف أطبقت على صدور المصريين وأوشكت أن تقتلع الدولة المصرية من جذورها.


وأنها لم تشهد تدخلاً سافراً من الدولة، وأن هناك شخصيات دخلت البرلمان دون أن تمارس اللعبة القذرة (لعبة شراء الأصوات)، وإنما نجحت بتاريخها النضالى المشرف.


ولم أكن أرغب فى الكتابة عن شراء الأصوات وتزييف إرادة الناخبين، وهى جريمة يعاقب عليها القانون، وفيها الراشى والمُرتشى والوسيط مُجرم. لكن دفعنى إلى ذلك عديد من الاعتبارات لعل أهمها: أن معظم الشكاوى التى أصابت هذه الانتخابات ورصدتها غُرف العمليات كانت من الرشاوى الانتخابية، وشراء ضمائر الناخبين واستغلال فقرهم وحاجتهم للمال، ومن ذلك تنوع وتعدد أساليب رشوة الناخبين حيث استخدم أسلوب تقديم الصدقات والزكاة، والتلاعب بعواطف الناخبين بالإعلان من أعمال الخير فى القرى والعزب والنجوع المحرومة، ومن ذلك تقديم الرشاوى العينية من ثلاجات ومكيفات ومواد غذائية متنوعة.


ولقد دفعنى إلى الكتابة أيضاً ما رأيته بنفسى، من وصول ثمن شراء صوت الناخب وتزييف إرادته فى الساعات الأخيرة إلى ٦٠٠ جنيه وإلى ٣٠٠ و٤٠٠ فى بعض المناطق. لكن أهم ما دفعنى إلى الكتابة. السؤال الذى ظل يطاردنى، متى تنتهى الظاهرة؟ خاصة وأنا أعلم أنها ظاهرة لها جذور تاريخية، ولدت مع بداية التجربة النيابية ١٩٢٣/ ١٩٢٢. متى تنتهى ومتى سيتاح للمواطن المصرى أن يعبر عن رأيه ويعطى صوته لمن يستحقه، حتى يدخل البرلمان نواب يعبرون عن الشعب ويمثلونه تمثيلاً حقيقياً.


لقد تكون البرلمان المصرى وفقاً لدستور ١٩٢٣ وهو الدستور الذى حصل عليه الشعب المصرى كمنحة من الملك فؤاد، والذى انطلق من طروحات ليبرالية، وأكد على فكرة الحريات الفردية وأقر المساواة على المستوى النظرى -بالطبعبين المصريين جميعاً أمام القانون ومنحهم حق التمتع بالحقوق المدنية والسياسية. تكون البرلمان الذى ولدت معه ظاهرة الرشاوى الانتخابية، من مجلسين مجلس الشيوخ ومجلس النواب، وكان يتم انتخاب ثلاثة أخماس أعضاء مجلس الشيوخ بينما يتم تعيين الباقين. أما مجلس النواب فكان ينتخب أعضاؤه جميعاً.


ولقد اقتصرت عضوية مجلس الشيوخ مع الشريحة العليا على البرجوازية، حيث حدد الدستور من يُنتخب أو يُعين بأن يكون إما من الوزراء السابقين أو رؤساء الوزارات أو الدبلوماسيين أو من وكلاء الوزارات ونقباء المحامين وموظفى الحكومة من درجة المدير العام فما فوقها، وكذلك من أفراد الأسرة المالكة وكبار العلماء ورجال الدين ومن رؤساء الطوائف الإسلامية والضباط المتقاعدين من رتبة لواء فما فوقها، وكذلك من أعضاء مجلس النواب الذين قضوا مدتين ومن الملاك الذين يدفعون ضريبة لا تقل عن ١٥٠ جنيهاً فى العام، أى من يملكون ما لا يقل عن مائة فدان أو من يشتغلون بالأعمال الأخرى الذين لا يقل دخلهم عن ١٥٠٠ جنيه مصرى فى العام.. ولعل هذا يُفسر تحكم الشريحة العليا من الطبقة البرجوازية المصرية فى التشريع.


والحقيقة أن التجربة الليبرالية فى مصر بدأت مشوهة، حيث اعتمد القصر على احزاب الأقلية التى استخدمها كأدوات يعتمد عليها فى استبداده ومن هنا عرفت مصر تزوير الانتخابات والرشاوى الانتخابية وكل طرق وأساليب تزييف إرادة الناخب المصرى، لأن الأمر لو تُرك دون تزييف لحكم حزب الوفد الذى كان يتمتع بشعبية كاسحة طوال الفترة، إلا أن الواقع غير ذلك فالحزب الكبير لم يُقدر له أن يحكم من خلال الصراع الحزبى والبرلمانى وفى ظل التجربة الدستورية سوى بعد سنوات عُجاف بنسبة ٢٥٪ فقط من عمر التجربة، بينما حكمت احزاب الأقلية نتيجة التزييف والرشاوى بقية الفترة.


ومنذ هذا التاريخ بدأ التلاعب بأصوات وإرادة الناخبين بطرق مختلفة، من ذلك تزييف الانتخابات وتدخل الحكومة بنفسها فى عمليات التزييف، والتلاعب فى إعادة تقسيم الدوائر الانتخابية، وتزويير جداول الانتخابات وقيام مأمورى الأقسام والمراكز والعُمد بتكرار أسماء أشخاص لا وجود لهم، كما كان يتم التحايل بوضع اسماء الموتى والتصويت لهم، ومن ذلك أيضاً حجب تذاكر الانتخابات عن أنصار الخصوم وتخلص الحكومة من المعارضين.


لكن الأخطر والأهم هو ما استمر حتى الآن هو رشوة الناخبين الفقراء فى الريف والمدينة. لقد مُسخت الممارسات الانتخابية فى مصر جوهر النظام النيابى من بدايتها حتى اليوم، فالنظام النيابى ينطلق من فكرة الإرادة الحرة للناخب فى اختيار من ينوب عنه ويُمثله فى المجلس، حتى تتحق الديمقراطية السليمة.


والحقيقة أن مصر لم تشهد هذه الديمقراطية السليمة، ولن تشهدها طالما تُزيف إرادة الناخبين. وإذا شئت الدقة طالما تحكم المال فى أصوات الناخبين، وطالما ظل الفقر والجهل والمرض مهيمناً على طبقة عريضة ممن لهم الحق فى الانتخابات.


يقول الكاتب الكبير عبد الحميد جودة السحار: “كنت أرى الفقراء من الفلاحين يُساقون كالبهائم إلى صناديق الانتخابات”، ما أشبه اليوم بالبارحة.


ومعنى هذا أن هذا العدد الهائل من الجماهير يُعد كماً مهملاً ولا يُشارك فى الحكم، وليس له أيضاً نصيب من الديمقراطية السليمة، هو فقط يظهر فى مواسم الانتخابات لتتم رشوته ويُشترى صوته.


إن رشوة الناخبين من الأمور المهددة للحياة النيابية السليمة، ومعنى هذا التهميش إتاحة الفرصة لرجال المال والأعمال الذين يملكون المال السياسى للسيطرة على البرلمان، وتحقيق الديمقراطية السليمة التى تناسبهم وتتوافق مع مصالحهم، وتحرم مصر من الديمقراطية الحقيقية.


ولذلك أعتقد أن الظاهرة التاريخية، تحتاج إلى تغيير جذرى فى فهمها للحياة السياسية، والتجربة الليبرالية برمتها التى تمت استعارتها من الغرب، وهى تفتقد أساساً للمحتوى الاجتماعى، فضلاً عن الفقر الشديد والجهل والمرض، فمصر لم تشهد عصر إصلاح دينى ولم تشهد كذلك نهضة حقيقية تكرس فيها سلطة العقل وتسود فيها العقلانية، بل لازالت تعيش فى ظل توفيقية ممقوتة يغيب فيها العقل وتُبرر فيها الرشاوى، بل وربما تصدر الفتاوى التى تُتيح استخدام المال السياسى لتزييف إرادة الفقراء. الأمر الذر يطرح أهمية تجديد الخطاب الدينى وتحديث وتعقيل العقل المصرى وقبل كل ذلك تحقيق العدالة الاجتماعية والقضاء على الفقر.