حصد تقدمًا فى الانتخابات المحلية الفرنسية: اليمين المتطرف: شكرًا داعش!

09/12/2015 - 9:21:49

رسالة باريس: ماهيتاب عبد الرؤوف

في ما يعتبره البعض استغلالا سياسيا لحادث باريس الأخير الذي خلف عشرات القتلى، ونفذه تنظيم «داعش» الإرهابي، حقق حزب «اليمين المتطرف» (الجبهة الوطنية) نجاحا كبيرا في الانتخابات المحلية الخاصة بالمناطق الفرنسية، متقدما على الحزب الاشتراكي الحاكم (اليسار) وحزب «الجمهوريين» (المعارضة اليمينية) الذي يترأسه رئيس الجمهورية السابق نيكولا ساركوزي.


وتصدر حزب «الجبهة الوطنية» اليميني المتطرف بزعامة مارين لوبان  نتائج الجولة الأولى من الانتخابات المحلية في فرنسا - التي جرت الأحد الماضي في ست مناطق على الأقل من أصل ١٣ منطقة  - بنسبة  تقترب من ٣٠  في المائة من أصوات الناخبين، متقدما على «الجمهوريون» الذي حصل على نحو ٢٨ في المائة و»الحزب الاشتراكي» الحاكم على ما يقرب من  ٢٤ في المائة، وتصدرت لوبان نتائج الاقتراع في منطقة «نور با دو كاليه بيكاردي» (شمال البلاد) بأكثر من ٤٠.٦٤  في المائة من الأصوات، فيما تقدمت ابنة شقيقتها ماريون ماريشال لوبان بفارق كبير عن منافسيها في منطقة «بروفانس ألب كوت داوزور» (جنوب فرنسا) بنسبة  ٤٠.٥٥ في المائة من الأصوات. 


وتمثل هذه الانتخابات أهمية كبيرة للوسط السياسي بفرنسا لكونها الاستحقاق الأخير قبل الانتخابات الرئاسية المرتقبة في ٢٠١٧، أي تعد آخر اختبار انتخابي لأبرز الأحزاب السياسية في فرنسا وهما الحزب الاشتراكي الحاكم،  وحزب الجمهوريين.


ويعتبر «الاشتراكيون» (حزب الرئيس فرانسوا اولاند) و»الجمهوريون»  (حزب نيكولا ساركوزي) تقدم اليمين المتطرف تهديدا للجمهورية الفرنسية وبسبب أفكاره المتطرفة، فالجبهة الوطنية  يعد حزبا عنصريا، فهو يرفض التنوع الثقافي الذي تعيشه فرنسا،  وتوجهه السياسي معادٍ للمهاجرين والأجانب والمنحدرين من الثقافات الإسلامية والشرق أوسطية. فقد قالت زعيمة الحزب خلال تجمع انتخابي بجنوب فرنسا: «إن بلادها مهددة بتحول دستورها إلى شريعة.. والإسلام الراديكالي سيخلف قوانينها».


ولكن لماذا نجح اليميني المتطرف؟ ولماذا خسر حزب فرانسوا اولاند قوته ونفوذه على الأرض؟. يقول المحللون الفرنسيون إن «اليمين المتطرف» هو أكبر  المستفيدين من الهجمات الإرهابية التي ضربت باريس في ١٣ نوفمبر الماضي وأودت بحياة نحو ١٣٠ شخصا، فاليمين المتطرف حذرت رئيسته مارين لوبان من خطورة دخول المهاجرين واللاجئين إلى البلاد.. وقد  تبين أن اثنين من الانتحاريين الذين نفذوا المجزرة في العاصمة الفرنسية دخلا فرنسا ضمن تدفقات المهاجرين الوافدين إلى اليونان، وذلك ما سبق أن حذرت منه رئيسة الحزب، كما أنه حذّر من المنحدرين من الثقافات الأخرى على المجتمع الفرنسي خاصة لأن فئة من الأصول العربية والإفريقية لديهم مشكلة انتماء وشعور بالكراهية ليس فقط  بسبب تهميشهم أو عدم قدرتهم على الاندماج في المجتمع الفرنسي، ولكن بسبب الكراهية تجاه فرنسا كدولة استعمرت أراضيهم، وبالتالي فمن السهل تجنيد هؤلاء من قِبَل الجماعات المتطرفة، وقد كان بالفعل من نفذ الهجمات الإرهابية فرنسيون من أصول عربية، وعلى جانب آخر، حذّر «الجبهة الوطنية» من سياسات الاتحاد الأوربي ولاسيما سياسة الحدود المفتوحة وفقا لاتفاقية شنجن والتي تساعد على تدفق المهاجرين من مختلف الجنسيات ...وهذا ما استغله  بالفعل الإرهابيون لتنفيذ هجمات باريس حيث تحركوا بسهولة ما بين النمسا وبلجيكا وفرنسا.


وليست هجمات باريس فحسب وراء  تراجع الحزب الحاكم للمرتبة الثالثة بعد اليمين المتطرف وحزب الجمهوريين، بل إن سياسة الحزب الحاكم داخليا جعلته يخفق في هذه الانتخابات، فسياسات الحكومة الداخلية ومدى نجاحها تعد معيار التقييم الرئيسي للمواطن الفرنسي، فلم ينجح حزب الرئيس الفرنسي في عكس منحني البطاله ليلبي آمال الكثير من الفرنسيين الباحثين عن العمل.


وقد استفاد اليمين المتطرف الفرنسي من ارتفاع معدلات البطالة إلى مستويات قياسية في الربع الثالث من العام الحالي بنسبة ١٠.٦٪ أي ما يعادل ٢.٩ مليون عاطل عن العمل وذلك بالرغم من الوعود المتكررة بتقليص عدد العاطلين، بل إن الرئيس أولاند ربط إعادة ترشحه لولاية ثانية في الانتخابات الرئاسية القادمة بشرط عكس منحنى البطالة، كما فشلت الحكومة الفرنسية  في دفع معدلات  النمو الاقتصادي  وخفض العجز في الموازنة وفي الدين العام وكذلك الأعباء الضريبية المفروضة الفرنسية.


ومن ناحية أخرى، فإن الإجراءات الاستثنائية التي اتخذتها الحكومة الفرنسية بعد هجمات  باريس تصب في مصلحة اليمين المتطرف الذي طالما دعا لتبني هذه التدابير، وتأتي متماشية مع توجهاته، ومن ضمن هذه الإجراءات إعادة فرض الرقابة على الحدود الوطنية وإغلاق المساجد «التي يتبنى الأئمة القائمون عليها خطابا متطرفا»، فضلا عن بحث إسقاط الجنسية من ذوي الجنسية المزدوجة حتى إن كانوا مولودين في فرنسا من المدانين في قضايا الإرهاب. ويؤكد المحللون أن هذه النتائج تعكس حالة الإحباط وخيبة الأمل التي يعيشها الفرنسيون الذين يريدون التغيير.


والسؤال هنا: هل يتصدى الاشتراكيون والديمقراطيون لتقدم اليمين المتطرف؟. في الحقيقة، أمام خطر  تصاعد شعبية حزب «الجبهة الوطنية»، دعا رئيس الحكومة الاشتراكية مانويل فالس إلى التحالف مع حزب «الجمهوريون»، ويرى المراقبون أن الوحدة الوطنية هي الحل الوحيد لقطع الطريق أمام مارين لوبان، وأنه على الحزب الاشتراكي الحاكم والحزب الجمهوري الاتحاد قبل انتخابات الدور الثاني المرتقبة ١٣ ديسمبر، وذلك كي لا تتفتت أصواتهم ويحقق  بذلك حزب «الجبهة الوطنية « المزيد من المكاسب، إلا أن هذه الفكرة لا تناسب  نيكولا ساركوزي الذي رفض أي اندماج مع اليسار في الدور الثاني، مؤكدا أنه يمثل البديل الوحيد الممكن في المناطق التي قد يفوز فيها «الجبهة الوطنية»، وعلى الرغم من رفض ساركوزي سحب أي قائمة له والتنسيق مع الحزب الحاكم، إلا أنه عقب إعلان تقدم «الجبهة الوطنية» قرر الاشتراكيون من جانبهم  سحب مرشحين لهم  من مناطق  جاء ترتيبهم فيها الثالث بعد الجمهوريين وتصدرت فيهم الجبهة الوطنية نتائج التصويت وهى: منطقة «نور-با-دي-كاليه بيكاردي» (شمال البلاد) و منطقة «الالب كوت دازور..باكا» (جنوب)  ومنطقة «الزاس-شامباني-اردان-لوران» (شرق)، وقد ندد مانيول فالس «بعدم المسئولية» التي أظهرها حزب ساركوزي.    


ولا شك أن تصدر «اليمين المتطرِّف» للمشهد السياسي يعد «زلزالا» كما وصفته الدوائر السياسية، و»انقلابا كاملا» في سياسة  فرنسا الدولة متعددة الثقافات، ولكنه ينذر كذلك بتغيير في توجهات الشعب الفرنسي.. وليترك الجميع على موعد في  ٢٠١٧ لنرى هل سيكون لمسلمي فرنسا الذين يقدرون بنحو ستة ملايين شخص كلمة! أم سيفوز اليمين المتطرف ويهدد وجود مسلمي فرنسا.



آخر الأخبار