التوغل التركى فى العراق .. جولة جديدة للصراع الأمريكى الروسى فى المنطقة

09/12/2015 - 9:00:34

بقلم - السيد عبد الفتاح مدير مركز القاهرة للدراسات الكردية

لم تنتظر تركيا حتى تهدأ نيران أزمة إسقاطها الطائرة الروسية «سوخوي»، حتى أشعلت أزمة أخرى وإن كانت تبدو حتى الآن أنها أخف حرارة من أزمة الطائرة الروسية، وذلك عندما نشرت قوات من الجيش التركي في شمال العراق بالقرب من محافظة الموصل الواقعة تحت سيطرة التنظيم الإرهابي «داعش» . وجاء توغل القوات التركية ليثير أزمة لن يقتصر طرفاها على أنقرة وبغداد، حيث إنها تمتد لتشمل أطرافاً أخرى داخلية في العراق، في مقدمتهم الأكراد وقوات الحشد الشعبي «الشيعي»، علاوة على أطراف أخرى خارجية هي إيران وروسيا ومن بعيد الولايات المتحدة. الأزمة الجديدة تسيطر عليها الضبابية والتناقض في المعلومات حول عدد القوات التركية وتسليحها وأماكن تمركزها والهدف من دخولها الأراضي العراقية، وكذلك في المواقف التي اتخذتها أطراف داخلية وخارجية بدأت بالحكومة العراقية ولن تنتهي بتصريحات من قيادات بالحشد الشعبي والجنرال الإيراني قاسم سليماني «قائد فيلق القدس»، الذي يقود المعارك ضد تنظيم داعش في العراق.


ولعل هذا التناقض في الأرقام والتصريحات يعكس أن الأزمة ليست بسيطة وأن لها أبعاداً أخرى ربما ليست معلنة أو واضحة للجميع، وأن هذه الخطوة من الجانب التركي لم تأت عفوية واعتيادية بتبديل مدربين عسكريين أتراك بآخرين يتولون تدريب قوات البيشمركة الكردية العراقية وخاصة التي تخضع لسيطرة وقيادة مسعود بارزاني رئيس إقليم كردستان وحزبه الحزب الديمقراطي الكردستاني، أو يتولون تدريب قوات الحشد الوطني، وهي القوات التي تم تشكيلها من خلال فتح باب التطوع أمام أبناء الموصل لتحريرها من قبضة تنظيم داعش، وهي القوات التي يغلب عليها الطابع السني.


بداية الأزمة


مع صباح يوم الخميس الماضي تواترت أنباء حول وصول قوات من الجيش التركي إلى الشمال العراقي بالقرب من محافظة الموصل، وتحديدا عند مدينة أو ناحية بعشيقة ، وهي الواقعة ضمن إقليم كردستان العراق. وصدرت تصريحات عن مسئولين في الحكومة والجيش التركي بأن هذه القوات توجهت إلى شمال العراق، في إجراء روتيني للتبديل مع القوات الموجودة حالياً في قواعد عسكرية تركية في الشمال العراقي، وأن هذه القوات مهمتها تدريبية بحتة لقوات البيشمركة الكردية وقوات الحشد الوطني الذي يستعد لتحرير الموصل ويقوده محافظ الموصل السابق «أثيل النجيفي».


منذ البداية كان التضارب هو العنوان الكبير للأنباء والتصريحات التي خرجت حول هذه القوات وعددها ومهامها وأهدافها .


ستراتفور يحلل طبيعة


التحركات العسكرية التركية


ووفقاً لتقرير حديث أصدره مركز ستراتفور حول «طبيعة التحركات العسكرية التركية الأخيرة في العراق». يذهب التقرير إلى أنه و»تماشيا مع القول المأثور بأن الأمور نادرا ما تكون على ما تبدو عليه، تفيد التقارير الواردة يوم ٤ ديسمبر الجاري، أن رءوس الحربة العسكرية التركية قد توغلت في شمال العراق بقدر مبالغ فيه، وزعمت وسائل الإعلام المحلية أن ثلاثة أفواج عسكرية تركية قد دخلت إلى الأراضي العراقية يوم ٣ ديسمبر، وانتشرت في محيط أجواء مدينة الموصل في محافظة نينوى التي تقع تحت سيطرة «الدولة الإسلامية». كما اتضح، كان هذا التدخل التركي المفترض مجرد دورية صغيرة تهدف إلى تغيير القوات المخصصة لمهمة التدريب الروتينية عبر الحدود. تفيد التقارير أن أنقرة تقوم بتدريب قوات البيشمركة الكردية وغيرها من قوات المتطوعين السنة في المناطق التي يسيطر عليها الكرد في العراق منذ نوفمبر٢٠١٤.


ويضيف التقرير:» إيفاد ١٣٠ جنديا تركيا، وصفوا بأنهم كتيبة لكن العدد أقرب إلى سرية مشاة صغيرة، هو أقل من الالتزام المطلوب بـ ٣ أفواج (وفق ادعاءات وسائل الإعلام)، وجود هؤلاء الجنود لا يغير مجرى العملية لاستعادة السيطرة على الموصل، كما أنه لا يؤثر بشكل ملحوظ على الجدول الزمني اللازم لها على الرغم من أن التدريب العسكري قد يساعد في الحملة الشاملة ضد «الدولة الإسلامية». وعلى الرغم من كل شيء، فإن الأمر لا يعد خطوة شاذة بالنسبة لأنقرة، بالإضافة إلى عمليات التدريب المستمرة في المناطق الكردية، فإن هناك وجودا عسكريا تركيا في منطقة العمادية في محافظة دهوك لمكافحة المتمردين من حزب العمال الكردستاني.


ويواصل التقرير :»زعمت التقارير الأولية من وكالات الأنباء المحلية أن القوات التركية التي دخلت إلى الأراضي العراقية يوم ٣ ديسمبر الجاري تحتشد حاليا في مخيم نارجيزليا ،المعروف أيضا باسم معسكر الشيخين، وهو قاعدة ميليشيات تقع في مقاطعة شيخان. يستخدم الجيش التركي الموقع من أجل تدريب قوات المتطوعين السنة، ويقع المخيم على الحدود بين محافظات دهوك ونينوى في أقصى شمال العراق، وتم من خلاله تدريب ٣٥٠٠ مقاتل إلى الآن يشاركون في العمليات ضد تنظيم «داعش». وتشير تقارير إعلامية بدورها إلى أن الهجوم على الموصل قد بات وشيكا.


وقد نقلت وكالات أنباء عن مسئول مجهول الهوية ينتمي إلى البيشمركة الكردية، إضافة إلى مصادر من ميليشيا تعرف باسم الحشد الوطني لتحرير نينوى، أن الأفواج التركية الثلاثة من المنتظر أن تشارك القوات في المنطقة في الهجمات على الموصل من أجل استعادتها، ومع ذلك فإنه بعد ساعات من صدور التصريح فقد نفاه عدد من القادة المحليين بما في ذلك محافظ نينوى «نوفل حمادي»، ورئيس قيادة عمليات نينوى اللواء «نجم الجبوري» وممثلون عن الحزب الديمقراطي الكردستاني.


عند تحليل الوضع، فقد لاحظ «ستراتفور» أن هناك عددا قليلا من التقارير قد اهتمت برصد هذه التحركات. في تقييمنا الأولي، فإننا ننصح بالنظر إلى هذه المعلومات بحذر شديد، من الواضح أن هناك اختلافا حول حجم وطبيعة القوات التركية سوى الخلاف حول مقصدها والهدف منها. بدلا من قيام أنقرة بتسهيل مهام تدريب قوات الحشد الوطني لتحرير نينوى، فإن تقارير غير دقيقة قد تحدثت حول نشر فعلي لوحدات تركية كبيرة من أجل القيام بمهمة استعادة السيطرة على الموصل.


الحضور التدريبي المحدود لتركيا هو جزء من التحالف الإقليمي ضد تنظيم الدولة، وهو يتم بموافقة بغداد في النهاية. هذا التناوب للقوات هو مثال واضح على التزام تركيا المستمر بتدريب العناصر السنية في العراق، كما أنه ببساطة أحد مكونات الاستراتيجية التركية في تعميق محيطها الشرق أوسطي، أنشطة أنقرة في العراق تسير جنبا إلى جنب مع خطط تركيا لدعم العمليات الهجومية ضد تنظيم داعش وحكومة الرئيس السوري بشار الأسد.


فعل واحد ومواقف متعددة


الأمر المؤكد هو أن هناك قوات من الجيش التركي موجودة على الأراضي العراقية، ورغم أن عدد هذه القوات يحدد دلالات تشير إلى حقيقة التحرك التركي، إلا أن الأهم من معرفة عدد هذه القوات وإن كانت في حدها الأدني وفقاُ للتصريحات العراقية والتركية تبلغ ٢٢ جندياً وفي حدها الأقصى تبلغ نحو ١٢٠٠ جندي، الأهم من ذلك هو أن هذا التحرك كان له ردود أفعال ورؤى ومواقف مختلفة رغم أن أغلب هذه المواقف يفترض أنها تأتي من جانب واحد.


فعراقيا خرجت بيانات وإدانات وشجب رسمية متأخرة من رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، ورئيس الجمهورية فؤاد معصوم، عكست الضعف الرسمي والبطء في التحرك والتعامل مع الأزمات ، واعتبرت هذه التصريحات الرسمية أن الفعل التركي انتهك السيادة العراقية ويتناقض مع قواعد حسن الجوار بين البلدين، وطالبت بالخروج الفوري لهذه القوات، واحتفظت ـ حسب العادة العربية ـ لنفسها بحق الرد، وهددت بأنها سترفع الأمر لمجلس الأمن الدولي.


رغم ذلك فإن تصريح وزير الدفاع العراقي كان أخف صوتاً من سابقيه، وقال إنه كان من المفترض التنسيق مع الجانب العراقي في هذا الإجراء .ومن ناحية أخرى وفيما يدل على عدم وحدة الصف العراقي ، كشف أثيل النجيفي، محافظ الموصل السابق ـ شقيق نائب رئيس الجمهورية السابق ، أسامة النجيفي ، الموجود في أنقرة ـ أن الحكومة العراقية ورئيس الوزراء العبادي على علم مسبق بهذه الخطوة .


وأكد :»أن القوات التركية التي جاءت، كانت بطلب من رئيس الوزراء العراقي خلال لقائه مع رئيس الوزراء التركي أحمد داود أوغلو»،وأن «العبادي طلب أي مساعدة عسكرية تقدمها تركيا للعراق وعلى إثرها أرسلت أنقرة شحنات عسكرية إلى مطار بغداد، كما أرسلت قوات تركية لتدريب قواتنا في معسكر ‫‏زليكان منذ أكثر من ثمانية أشهر».


وأكّد أنها «بعلم رئيس مجلس النواب، سليم الجبوري الذي تحدث عن موضوع المعسكر مع داود أوغلو، وإذا كانوا لا يستطيعون مواجهة النفوذ الإيراني وكأنهم لا يعلمون شيئا فهذا شأن آخر».


وأضاف النجيفي :»أما نحن كمواطني محافظة نينوى ولا نحمل صفة رسمية فإننا نرحّب بأي قوة تقدم لنا المساعدة الحقيقية لمحاربة داعش وطردها من الموصل، ووجود الدعم والإسناد التركي مهم وحيوي لأنه يقطع عدة طرق على داعش ويعجِّل في تحرير الموصل، وتركيا قادرة على تحديد دورها من خلال التحالف الدولي».


أما الجانب الكردي فخرج له أكثر من موقف، الأول رسمي يعبر عن حكومة إقليم كردستان، وعن الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة بارزاني ، بينما الثاني جاء معبراً عن حزب الاتحاد الوطني الكردستاني .


حيث قال المتحدث باسم حكومة الإقليم «سفين دزيي»، وصول خبراء عسكريين أتراك، ومستلزمات عسكرية إلى الموصل ، لتوسعة معسكر مقام في المنطقة لتدريب قوات عراقية.


وفي بيان منشور على الموقع الرسمي لحكومة الإقليم قال دزيي: «في إطار مكافحة تنظيم داعش، أقامت تركيا أواخر العام الماضي قاعدتين لتدريب وتأهيل قوات البيشمركة في سوران بمحافظة أربيل، وقلاجولان بمحافظة السليمانية».


وأضاف :»في الوقت نفسه قامت تركيا بفتح قاعدة أخرى لتدريب قوات عراقية قرب الموصل، وقدمت من خلال هذه القواعد مساعدات من الناحية العسكرية، وبهدف توسيع قاعدة الموصل، قامت تركيا بإرسال خبراء ومستلزمات عسكرية إلى القاعدة». ورد محمود سنكاوي، عضو المكتب السياسي للاتحاد الوطني الكردستاني، على «دزيي» نافيا تواجد جنود أتراك في منطقة قلاجوالان، مؤكداً أنهم يتواجدون حالياً في منطقة بامرني.


وأوضح : «لا وجود لقاعدة عسكرية تركية في قلاجوالان اطلاقاً، لا الآن ولا في الماضي، ولم يأت أي عسكري تركي إلى قلاجوالان بقصد تدريب قوات البيشمركة».


وأبدى سنكاوي استغرابه من بيان المتحدث باسم حكومة الإقليم، مؤكداً أن «دزيي» يريد من خلاله «زجنا في مسألة الجيش التركي».


إيران تظهر في الصورة


لم تغب إيران عن الحدث، وقال مساعد وزير خارجيتها للشئون العربية حسين أمير عبداللهيان: إن دخول القوات العسكرية التركية إلى العراق يعتبر إجراء غير صحيح، وأن هذه الاجراءات تتعارض مع أمن المنطقة إذا جرت دون تنسيق مع الحكومة العراقية، وأن هذا الإجراء لايسهم في قمع الإرهاب بل سيؤدي إلى الفوضى وزيادة انعدام الأمن في المنطقة.


الهدف الحقيقي للتحركات التركية


رغم أن الحكومة التركية تحركت سريعا لتوضيح حقيقة انتشار جنودها في العراق ، وأنه «روتيني» ، مع التأكيد على حرصها الشديد على السيادة العراقية . ومع الستار الذي استخدمته تركيا في تحريك جنودها وهو الاتفاق الذي تم بين وزير خارجيتها السابق ورئيس إقليم كردستان مسعود بارزاني بتدريب البيشمركة ، فإن ردود الفعل تشي بأن الأمر ليس بهذه البساطة ، خاصة مع الاستعداد الأمريكي لنشر نحو ٣٥٠٠ جندي أمريكي في الأراضي العراقية للمشاركة في الحرب على تنظيم داعش، ومع اشتداد الصراع الخفي / المعلن بين واشنطن وموسكو ، فإن العراق هو الآخر كما سوريا تحول إلى ميدان للصراع بين المعسكرين، الأول أمريكي ومعها فيه أوربا وتركيا والسعودية وقطر ومن الأكراد حزب بارزاني ، والثاني روسي وفيه إيران والعراق وسوريا وحزب طالباني وحزب العمال الكردستاني وفرعه السوري الاتحاد الديمقراطي، وأن ما جرى وسيجري هو تحركات على رقعة الشطرنج بين اللاعبين الكبيرين بينما المنطقة هي هذه الرقعة.