دماء على جدار السلطة (٢) خروجًا عن مبادئ الإسلام !

09/12/2015 - 8:49:52

بقلم - رجائى عطية

بدأت تزحف منذ نهايات ولاية عمر بن الخطاب , أطماع آدمية لا صلة لها بالإسلام , استطاع الفاروق أن يشكمها بشدته وحزمه , ثم أخذت تتزايد حتى بلغت مداها فى ولاية عثمان بن عفان , مما أدى إلى أحداث الفتنة الكبرى , وقد كان الإمام علىٌّ خليقًا بأن يعود بالدولة وبالمسلمين إلى ما كانتا عليه فى عهد عمر, إلاَّ أن الدنيا لم تعد هى الدنيا , وعاندته الظروف , وأجبر على مدافعة خروج طلحة والزبير , ثم معاوية الذى أحدث رتقًا خطيرًا فى الدولة وتاريخ المسلمين !


وليس يعنينى هنا تقويم معاوية أو التأريخ له , ولا إدانته أو الذود عنه , وإنما يعنينى تقدير أعمال وسياسات , وماذا كان لها من آثار , كما لا يعنينى تقدير مواهب معاوية السياسية فى إدارة الأمور وفطنته وذكاوته وحلمه ودهائه وبراعته وحنكته ومعرفته بالناس , فلم يكن معاوية ملكًا لمملكة يُقَيّم أداؤه فيها بمعايير الممالك , وإنما هو قد اعترض مسار خلافة إسلامية للعهد النبوى تتواصل معه وما استنه من هداية ورشد ومبادئ , فهل كان أداء معاوية التزامًا بواجبات وقيم ومبادئ وأسس هذه الخلافة , أم انسلت منها إلى أداء آخر قائم على أسس لا تتفق مع هذه القيم والأسس والمبادئ ؟!


وقد جاء أول نقض لهذه القيم والمبادئ الإسلامية , بخروجه على الإمام علىٍّ بلا موجب ولا مبرر , إلاَّ « الطمع فى الحكم » , وقد أدى ذلك إلى شرخ كبير فى قوام الدولة , وإلى تقسيم المسلمين وامتحانهم امتحانًا عسيرًا بين الالتزام بالدين الذى تلقوا به الهداية وآمنوا به واعتنقوه , وبين مقبلات وإغراءات الدنيا التى اختط معاوية إزاءها سياسة الترغيب والترهيب , فأضاف إلى امتحان الناس امتحانًا عسيرًا قوامه المقارنة بين التنعم بالمنح والعطايا والهبات , وبين معاناة التهديد والملاحقة والتنكيل إلى حد إراقة الدماء .


ثم نقض معاوية البيعة التى أعطاها له الحسن بن على صلحًا ـ نقضها مرتين , الأولى حين ارتد على أهل الكوفة ليقتل منهم من قتل خلافا لتعهداته وللإسلام , والثانية حين بايع بولاية العهد ـ فى حياته ـ ابنه يزيد , ولوى كثيرين من أجلّة الصحابة على هذه البيعة , وجعل الخلافة بذلك ملكًا وراثيًّا , لا يلتزم بأحكام الشورى والمبايعة التى قررها الإسلام ـ وقد تحدث البلاذرى عن رواته أن سعد بن أبى وقاص الذى اعتزل الفتنة , دخل على معاوية يومًا فقال : « السلام عليك أيها الملك . فضحك معاوية قائلا : ما كان عليك يا أبا إسحق رحمك الله لو قلت : يا أمير المؤمنين . فقال سعد : أتقولها جذلان ضاحكا ؟ والله ما أحب أنى وليتها بما وليتها به » !


جبروت الولاة


وإهدار الدماء !


ويتحدث الرواة أن إدارة الأمور ومعاملة المسلمين ، قد اتخذت مسارًا آخر باستتباب الأمر لمعاوية ، ويضربون لذلك مثلا بأن زياد بن سمية أو ابن أبيه الذى استلحقه معاوية بأبيه ( عام ٤٤ هـ ) فصار يقال « زياد بن أبى سفيان » ـ أعلن فى بداية إمارته للبصرة عاملاً لمعاوية ( ٤٥ هـ ) خطة أو« شريعة » حكمه فى خطبته التى افتتح بها إمارته ،


فقال : « إنى لأقسم بالله لآخذن الولى بالمولى ( أى المتبوع بالتابع ) ، والمقيم بالظاعن


( بالراحل المسافر ) ، والمقبل بالمدبر , والصحيح منكم بالسقيم , حتى يلقى الرجل منكم أخاه فيقول : إنج سعد فقد هلك سُعَيْد . إياى ودَلْج الليل ( السير فى أول الليل ) , فإنى لا أوتى بمدلج ( سائر بليل ) إلاَّ سفكت دمه !! وإياى ودعوى الجاهلية , فإنى لا أجد أحدًا ادعى لها إلاَّ قطعت لسانه .. لا يظهر لأحدٍ منكم خلاف ما عليه عامتكم إلاَّ ضربت عنقه ! , وقد أحدثتم أحداثًا لم تكن , وقد أحدثنا لكل ذنب عقوبة , فمن غَرَّقَ قوما غرقناه , ومن أحرق قوما حرقناه , ومن نقب بيتا نقبنا فى قلبه , ومن نبش قبرًا دفناه حيًّا فيه .. وختم خطبته قائلا : إن لى فيكم لصرعى كثيرة فليحذر كل أمرئ منكم أن يكون من صرعاى ! » ( الطبرى ٥ /٢١٨ ـ ٢٢٠ ) .


وليس من شك أن الخطبة حملت أدلة عديدة على الطغيان , والاستعداد للإسراف فى الدماء , ثم هى قد سنت عقوبات لم ترد ضمن الحدود أو القصاص فى الإسلام , ولم يعرفها المسلمون , ولا صدرت بتاتا فى عهد النبوة أو فى عهد الخلفاء الراشدين , وتدل على إسراف فى الطغيان وفى العنف والدماء ـ لا يعرف حدودًا ولا ضوابط , فقد ابتدعت الخطبة عقوبات التغريق والحرق ونقب القلوب ودفن الأحياء , وربما ظن الناس حين سمعوا هذا الكلام أنه محض تهديد وتخويف وترهيب , ولكن سرعان ما عرفوا أن زيادًا يعنى ما يقول , وأنه يسرف إسرافًا بلا حد فى تنفيذ ما هدد وتوعّد به , وأنه خاض فى الدماء خوضا غزيرا !!


وقد أنفذ زيادٌ أوامره , وأمر صاحب شرطته أن يخرج بعد صلاة العشاء وانقضاء هزيع من الليل , وبأن لا يرى إنسانًا إلاَّ قتله . وقد جىء له يومًا بأعرابى لم يقتله صاحب الشرطة لاشتباه الأمر عليه , فسأله زياد أما سمعت النداء ؟ قال الأعرابى : لا والله .. قدمت بحلوبة لى ( الناقة أو الشاة الحلوب ) وغشينى الليل , وأقمت لأصبح , ولا علم لى بما كان من الأمير ..


قال زياد : أظنك والله صادقًا .. ولكن فى قتلك صلاح الأمة , وأمر به فضربت


عنقه !!! ( الطبرى ٥ /٢٢٢ ) .


وهذه جريمة غير مغفورة , لا يغفرها ولا يبررها الرغبة فى ضبط الأمور


وفرض النظام , ولم يكن زياد قد درج على شىء من ذلك البطش وإراقة الدماء حين عمل لعلى بن أبى طالب , ومن قبله لعمر بن الخطاب , بل كان أميل إلى الرأفة , وكان هو الذى لجلج فى شهادته أمام عمر فرفع بهذه اللجلجة الحد عن المغيرة بن شعبة الذى ظل يحفظ له هذا الصنيع . ولم يبدر من زياد هذا الاتجاه العنيف الباطش إلاَّ عندما عمل لمعاوية , ولم يثبت أن معاوية ردّه عنه أو راجعه فيه , وما كان الإمام على ليقبل منه هذا الأسلوب أو يغضى عنه !


وأورد الطبرى فى تاريخه ( ٥/٢٢٢ ) أن زيادا كان أول من شد أمر السلطان , وأكد الملك لمعاوية , وألزم الناس بالطاعة , وتقدم فى العقوبة , وجرد السيف , وأخذ بالظَّنّة , وعاقب على الشبهة , وخافه الناس فى سلطانه خوفًا شديدًا ..


ونقل المؤرخون عن رواتهم , أن زيادًا تابع هذه السياسة حين أضيفت إليه « الكوفة » بعد وفاة المغيرة بن شعبة ( ٤٩ هـ ) , وأنه استهل ولايته بالكوفة بتتبع من ظن أنهم حصبوه ( ألقوه بالحصى ) حين جعل يسب الإمام على من على المنبر , فأمر حراسه فأخذوا الأبواب , وجلس هو على باب المسجد , ودعا المصلين أربعةً أربعة , واستحلفهم , واحتجز من لم يحلف بأنه لا يعرف من حصبه , حتى صاروا إلى ثلاثين , وقيل إلى ثمانين , فقطع أيديهم على باب المسجد ! ( ابن الأثير ٣/٤٦٢ ) .


وأضاف ابن الأثير ـ أن أول قتيل قتله زياد بالكوفة بعد أن أضيفت إليه مع البصرة ـ كان « أَوْفَى بن حصن » ـ كان قد طلبه لأمرٍ بلغه فهرب , ولكنه مَرَّ يومًا


ببعض الناس فوجَدَ بينهم من لا يعرفه , فسأل من هذا ؟ قال : أَوْفى بن حصن , فقال


زياد : « أتتك بحائن رجلاه » ( الحائن هو من حان أجله , والمعنى أنه قد حان أجله وأتاه برجليه ) . ثم سأله عن رأيه فى عثمان ؟ قال : ختن رسول الله على ابنتيه . قال : فما تقول فى معاوية ؟ قال جواد حليم . قال : فما تقول فىّ ؟ قال : بلغنى أنك قلت بالبصرة والله لآخذن البرىء بالسقيم , والمقبل بالمدبر . قال زياد : قد قلت ذاك . قال أَوْفَى : خبطتَها عشواء ! فقال زياد : ليس النَّفاخ ( من ينفخ فى النار أو يردد القول ) بشرّ الزَّمَرَة


( المجموعة ) . ثم قتله !!


وأورد المؤرخون أن زيادًا استخلف على البصرة « سَمُرَة » حين ارتحل لتفقد الكوفة التى أضيفت إليه , فبلغه أن « سَمُرَة » قتل فى غيابه ثمانية آلاف . فسأله زياد حين التقاه : أتخاف ان تكون قتلت بريئًا . فقال سَمُرَة : لو قتلت معهم مثلهم ما خشيت !!! وروى ابن الأثير عن رواته أن « سَمُرَة » قتل من قومه فى غداة واحدة سبعةً وأربعين كلهم قد جمع القرآن . وأنه ركب يومًا فلقيت مقدمة خيله رجلاً فقتلوه , فمر به « سَمُرَة » وهو يتشخّط ( يتضرج ) فى دمه فسأل ما هذا ؟ فقيل له : أصابه أوائل خيلك . فقال فى خيلاء : « إذا سمعتم بنا قد ركبنا فاتقوا أسنتنا » !


مأساة قتل حُجْر بن عدىّ وصحبه !


كانت واقعة قتل حُجْر بن عدىّ وصحبه , من الأحداث الكبار التى كان لها ما بعدها فى دفع سياسة الأمور بالقسر والترهيب والإرغام , وإهراق الدماء بلا مبرر إلاَّ الإمعان فى فرض السلطة وتكريس السلطان .


ولأن غاية هذه السطور استقصاء بطش السلطة , وما تريقه من دماء فى سبيل تكريسها أو صيانتها أو الوثوب إليها , فإننى لم أعرض للمواقع والحروب , فهى تخرج


عن إطار وهدف هذا البحث , لأنها صدام وتقارع بين قوتين أو سلطتين , تملك كل منهما أدواتها , بينما الهدف هنا هو تقصى الدماء التى أهرقت على جدار سلطة واحدة تنفرد بالقوة وبمقاليد الأمور , وليس سلطات متقارعة .


وقد كانت « مقتلة » حُجْر بن عدىّ وصحبه , من الكبائر الى أقضت مضاجع المسلمين , وظلت تحوم حولها , منذ وقعت هذه المقتلة البشعة سنة ٥١ هـ , بل كان لها أثرها فى بيت معاوية , وظلت تقض مضجع معاوية نفسه فى آخر أيامه حتى وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة , وهى لا تزال تضنى حتى اليوم الضمائر الحية التى هالها إهدار دماء الصالحين على غير ما ذنبٍ ولا جريرة وخلافًا لمبادئ وقيم وأحكام الإسلام!


( للحديث بقية )