فجر الضمير المصرى

09/12/2015 - 8:36:01

  أحمد بان أحمد بان

بقلم - أحمد بان

كلما تعرضت أمة إلى محنة أصابت وعيها بذاتها وبمهمتها فى الحياة ، وكلما تدهورت مناحى حياتها وأعياها البحث عن الأسباب ، حاولت أن تفتش فى تاريخها لتتعرف على سجل عافيتها أو سقامها ، فالتاريخ هو هذا السجل الأمين الذي ينهض فى حياة الأمم مقام ما تكشفه فى حياة الأفراد الأشعات والتحاليل التى تكشف تاريخ صحة الإنسان أو سقامه .


وقد أجمع كل من تأمل فى أحوالنا أن الداء الرئيسى الذى أخر نمونا وجعلنا خاملى الذكر نعانى التراجع والتخلف هو ضعف الأخلاق ، التى تستجلب كل نقيصة وتستدعى كل شر، وكما يقول أمير الشعراء أحمد شوقى: وإذا أصيب القوم فى أخلاقهم فأقم عليهم مأتما وعويلا


ونحن لن نقيم مأتما ولا عويلا فهذا، مما لا يليق بالرجال ولا بتاريخنا الذى يقول وبلسان رجل ليس من أبناء جلدتنا ، ألف سفرا ضافيا حولنا نحن المصريين وتاريخ الضمير فى بلادنا ، هو جيمس هنرى برستيد الذى أعاد كشف حقيقتنا أمام أنفسنا التى تواجه ما هو أخطر من ضعف الأخلاق ، وهو ضعف ثقتنا بتاريخنا بعدما زين لنا بعض أبناء جلدتنا أننا فى الأصل معدومو الضمير والأخلاق ، وأن ما جرى علينا من عاديات التاريخ جعل بعض العهود أثقل ظلا على جيناتنا كالعهد المملوكى ، الذى كان فاصلا زمنيا قصيرا فى تاريخنا يتوسط عصورا مزدهرة ، أكدت رسوخ أخلاقنا وأصالة الضمير الجمعى لدينا ، الذى ران عليه ما تراكم من عصور الضعف والانحطاط فتصور البعض معه أننا لم نكن يوما أصحاب ضمير أو خلق ، وبعيدا عن شوفينية أنا أول من ينكرها يشهد الرجل فى بعض ما ورد فى هذا الكتاب


أننا كنا رواد الضمير حتى عد فجر ضمير الإنسانية نشأ على أرضنا واكتسب حياته الأولى عندنا ، كاشفا أنه ليس صحيحا ما أدعاه البعض أن العبرانيين سبقونا فى الأخلاق والفضيلة ، بل سبقت الحضارة الفرعونية كل الحضارات بآلاف السنين ، وأن العبرانيين كانوا فقط وسطاء بين الحضارة اليونانية القديمة والمصرية الأقدم ، تأملوا قوله الأقدم ، وتأملوا كيف كان العبرانيون وسطاء بينما نحن أصلاء فى صنع الحضارة ، فكيف فاق الوسطاء فى حياتهم وتطور أحوالهم الأصلاء ؟ كيف تخلف المنتج وتقدم الوسيط ؟ هذا ربما محل سؤال لاحق لكن المصريين ووفقا لبرستيد هم الكشافون للأخلاق والضمير ، هذا الضمير الذى يراه أعظم ظاهرة أساسية في تقدم حياة الإنسان ، نشوء المباديء الخلقية وظهور عنصر الأخلاق تحول في حياة الإنسان، يدلنا التاريخ علي أنه وليد الأمس فقط، وقد يكون من الخير أن نعيد الإشادة بتلك القيم القديمة التي أصبحت في زوايا الإهمال لاستخفافنا بها، وبخاصة في هذا الوقت الذي أصبح فيه الجيل الحديث ينبذ الأخلاق الموروثة، ولكي نتمثل صورة حقة لقيمة الأخلاق الفاضلة وتأثيرها في الحياة الإنسانية يجب أن نجتهد في الكشف علي الطريقة التي وصل بها الإنسان للمرة الأولي إلي إدراك الأخلاق وتقدير قيمتها.


فالوثائق القديمة تكشف لنا عن أصول أخلاقية وتكشف عن فجر الضمير، ونشوء أقدم مثل للسلوك وما نتج عن ذلك من ظهور عصر الأخلاق.


يحكي العلامة برستيد حكاية طريفة حول الوصايا العشر يقول لقد حفظت في طفولتي «الوصايا العشر» وعلموني أن أحترمها لأنهم أكدوا لي أنها أنزلت من السموات علي موسي «وأن اتباعها لزاما علي، وأن أذكر أنني كلما كذبت كنت أجد لنفسي سلوي في أنه لا توجد وصية تقول: «يجب عليك ألا تكذب»، وأن الوصايا العشر لا تحرم الكذب إلا في شهادة الزور فقط، ولما اشتد ساعدي بدأت أشعر في نفسي بشيء من القلق وأخذت أحس بأن قانون الأخلاق الذي لا يحرم الكذب هو قانون ناقص.


يقول ومن هنا بدأت البحث في الديانات والمباديء الأخلاقية بمصر القديمة وبخاصة ما كان أساسه أوراق بردي في العهد الإقطاعي، وجاءت الكشوف الحديثة وأكدت أن أعظم كشف جاوز المألوف في هذه الناحية هو أننا عرفنا أن حكمة «أمينموبي» التي حفظت في ورقة مصرية بالمتحف البريطاني قد ترجمت إلي العبرية في الأزمان الغابرة وأنه بذيوعها في فلسطين صارت مصدرا استقي منه جزء بأكمله من كتاب الأمثال في التوراة. تخيلوا أن الصدق كان قيمة مصرية راسخة


ويفسر العلامة برستيد الحقيقة القائلة بأن أفكار الإنسان الأول الخلقية أتت نتيجة لخبرته الاجتماعية الشخصية بأنها تعد من أعمق المعاني لرجال الفكر في عصرنا، فالإنسان قد نهض إلي مرئيات الأخلاق من وحشية عصر ما قبل التاريخ علي أساس تجاربه الشخصية، فإن ذلك العمل كان يمثل انتقالا من عالم يجهل الأخلاق إلي دنيا ذات قيم باطنة تسمو علي المادة أي إلي دنيا تشعر لأول مرة بمثل تلك القيم، وبهذا العمل وصل الإنسان إلي الكشف عن مملكة جديدة، كما يعد الكشف عن الأخلاق هو أسمي عمل تم علي يد الإنسان من بين كل الفتوح التي جعلت نهوضه في حيز الإمكان.


وقد انبثق عصر فجر الضمير والأخلاق علي العالم دون أن يزج به من العالم الخارجي عن طريق منهاج خفي يسمي (الإلهام) أو (الوحي)، بل كان منشؤه حياة الإنسان نفسه، ويرجع ذلك الانبثاق إلي مدة ألفي سنة قبل بداية عصر وحي رجال اللاهوت، فأضاءت مبكرا ظلمة الحيرة الاجتماعية، والكفاح الباطني في نفس الإنسان، فكان بذلك دليلا قاطعا علي قيمة الإنسان، ومهما قيل إن نورا سماويا ساقته القدرة الإلهية علي فلسطين خاصة فإن ذلك لم يحرم الإنسان من التحلي بتاج فخار حياته الذي ناله علي الأرض، وأعني بذلك التاج كشفه للأخلاق، فإنه يعد أعظم كشف حدث في مجال حياة التطور البشري.


علي أن كلمة أخلاق أو خلق في حد ذاتها تثير اهتماما كبيرا لأن معناها الأصلي مأخوذ من فعل معناه يشكل أو يكون أو يبني، ومعني كلمة أخلاق المشتق من أصلها يشبه بصورة تلفت النظر كلمة أخلاق التي معناها في الأصل اليوناني الطابع الذي يتركه المنقوش فوق الطين الطري أو الشمع أو الطابع الذي فوق المعدن في صك النقود.


وقد أبرز حكماء الأخلاق المصريون حقيقة هذا المعني وصار يعبر عنه عندهم بكلمة (ماعت) التي يريدون بها الحق أو الاستقامة والعدل والصدق، كما كان يراد بها النظام الخلقي الذي كانت فيه تلك الصفات هي القوي المسيطرة، وهذه الألفاظ مضافا إليها الضمير والأخلاق، تعد آثارا خالدة لذلك الانتقال الذي ظهر في الحياة فوق كوكبنا الأرضي، وقد ظهرت لنا ظهورا تاريخيا عن طريق الوثائق المصرية القديمة التي دونت فيما بين سنتي ٣٠٠٠ و٢٠٠٠ ق. م.


المصريون إذن هم الكشافون للأخلاق والضمير. ففي كتاب الموتي ويوم الحساب يقول المصري القديم:


إني لم أترك أحدا يتضور جوعا


ولم أتسبب في بكاء أي إنسان


وإني لم أرتكب القتل


إني لم أسبب تعسا لأي إنسان


إني لم أغتصب طعاما من قربان الموتي


إني لم أخسر مكيال الحبوب


إني لم أنقص الميزان


إني لم أغتصب لبنا من فم الطفل


إني لم أطرد الماشية من مرعاها


إني لم أضع سدا للمياه الجارية


وفي يوم الحساب ينكر المتوفي الغش وغيره من الصفات المذمومة إذ يقول


إني لم أنطق كذبا


إني لم أضع الكذب مكان الصدق


إني لم أنقض مكيال الحبوب


ولم أكن طماعا


ولم يكن قلبي متسرعا


ولم تأخذني حدة الغضب


إني لم أسب


ولم أكن متكبرا


إني لم أقتل رجالا


إني لم أسرق


إني لم أرتكب شيئا تكرهه الآلهة


تكشف النصوص السابقة كيف كنا أصحاب أفضل منظومة أخلاقية مهدت لأمتنا سبيل الحضارة ،فلا حضارة بلا أخلاق أو ضمير يبقى الدافع والباعث على العمل والإبداع وخلافة الأرض ،هذا الضمير الذى كان من المفترض أن تقطع به الأديان شوطا أوسع ،وقد قطعته بالفعل فى مراحل من تاريخنا حفر لها المكان الأهم فى وعينا ،حتى أن ابن خلدون يؤكد على قوة الفكرة الدينية والمعتقد فى العمران البشرى .


كان هذا فجر ضميرنا فهل نعيش غروبا يتقدم الشروق فى متواليات الدهور؟ بالطبع استعادة شروق الضمير من أرضه يستلزم العديد من الأعمال التى ربما تكون محورا لمقال قادم ، لكننا فقط وعبر السطور السابقة حاولنا كشف فرية أننا شعب بلا ضميرأو عمق أخلاقى لم يبدأ مع الأديان، بل سبقها بالتجربة الإنسانية الفريدة لشعب كان عظيما وسيعود عظيما كما كان .