عن الزحام.. والمرور.. والنقل النهرى

09/12/2015 - 8:32:30

د. صفوت حاتم د. صفوت حاتم

بقلم - د. صفوت حاتم

أصبحت مشكلة الزحام والمرور مشكلة مستعصية فى العاصمة المصرية. والأزمة تزداد سوءا كل يوم وحسب كل التقديرات ستصبح شوارع القاهرة مختنقة، وحركة العربات بها ستصل للشلل شبه الكامل خلال سنوات قليلة، وقد أصبح هم الوصول إلى العمل والعودة منه هما ثقيلا يعكر علينا حياتنا ويصيبنا بالعصبية والاكتئاب والرغبة فى الانزواء وعدم الحركة، ولا تبدو فى الأفق حلول جذرية سريعة تخفف من حدة الأزمة فعملية نقل الوزارات والمصالح الحكومية إلى مناطق جديدة فى الصحراء تعترضها مئات العقبات المادية واللوجستيية.


ولا أظن أن هناك حلا سريعا للتخفيف من الأزمة سوى الإسراع بالاعتماد على شبكة النقل النهري وهى شبكة لا تحتاج إلى حفر أو تعبيد طرق ولا كبارى ولا أنفاق، هى تحتاج فقط عددا كبيرا من الأتوبيسات النهرية الجديدة السريعة وتجديد المحطات القائمة على طول شاطئ النيل من شبرا الخيمة حتى حلوان. 


ولعل جيلنا لازال يتذكر مشهد   فيلم «الأيدى الناعمة» بعد أن تحول «الوجيه الأمثل» العاطل بالوراثة إلى مرشد سياحى يصف أمجاد وجمال بلده من  داخل «الأتوبيس النهرى» الذى يتهادى على صفحة النيل ولعلنا نتذكر أيضا ذلك الإعلان عن القاهرة الساحرة من فوق برج القاهرة فيظهر مبنى ماسبيرو العظيم وفندق الهيلتون «القديم» والأتوبيسات النهرية تتهادى على صفحة النيل من كل الاتجاهات.


لهذا قررت العودة إلى حالة الانتشاء التى كانت تنتابنى عندما كنت أركب  الأتوبيس النهرى فى أيام الطفولة والشباب عندما وجدت نفسى بالصدفة بجانب مرساة للأتوبيس النهرى على شاطئ جزيرة الزمالك. وكانت دهشتى الأولى أن ثمن التذكرة جنيه مصرى واحد  لا غير..يا بلاش!
معظم الركاب هم شباب من  المدارس أو الكليات الموجودة  فى الزمالك من أبناء الشعب الكادح (بتعبيرات الستينيات) فضلا عن عدد قليل  من  السيدات رقيقات الحال اللاتى يعملن على الأغلب فى بيوتات  الزمالك.


دخلت إلى الأتوبيس النهرى مهيئا نفسى لمتعة قادمة لاريب فيها متمنيا استعادة ذلك الشعور القديم  برؤية النيل والأتوبيس يقسم صفحة النيل إلى  نصفين فترى أمواجه هادئة  لطيفة على جانبيه ،لا أطيل عليكم يا سادة فقد اكتشفت أن الأتوبيس ” متهالك ”  من الداخل والخارج وأن يد النظافة لم تنل من أرضيته ومقاعده منذ فترة طويلة. وبدلا من الاستمتاع  بمنظر النيل خارج الأتوبيس ظللت أرصد وأترصد الزبالة الملقاة على الأرض وتحت المقاعد ولطعات الشحم أو المازوت هنا وهناك.


ليكن !


سأكمل التجربة.. وانتظرت أن تغطى  تجربة رؤية النيل فى الخارج على مشهد القذارة فى الداخل لكن حشرجة موتور الأتوبيس بعثت الرعب فى قلبى خشية أن يتعطل بنا  فى وسط النهر حمدت الله لم يحدث أى عطل واكتملت الرحلة التى لم تستغرق أكثر من ثلاث دقائق فى الذهاب ومثلها فى العودة.


فقد اكتشفت أن الأتوبيس النهرى قد أصبح مجرد ” معدية ”رخيصة الثمن تتقل الناس بين شاطئ الزمالك وشاطئ إمبابة المقابل،ولكن والحق يقال هذه المسافة التى لم تتعد عشر دقائق ذهابا وإيابا قد تستغرق أكثر من ساعة ونصف لو جربت  أن ” تفعلها ” راكبا سيارة خاصة أو أى وسيلة نقل عامة بحسب زحام الطريق والتفافه بين النقطتين. 
انتهت المغامرة بدردشة مع العاملين على مرساة الأتوبيس النهرى وسألتهم  : لماذا لا توجد رحلات لمنطقة ماسبيرو وجامعة القاهرة والمنيل ومصر القديمة والمعادى وحلوان كما كان الأمر فى الستينيات والسبعينيات فكان ردهم : ياريت تسأل المسئولين ألا تقول إنك تكتب فى الصحف اسألهم إذن .
تعاودنى ذكرى هذه «التجربة».


من حين إلى آخر كلما سمعت  تصريحات   المسئولين عن  النقل النهرى وأحلامهم التى لا تتحقق عن مشروعات وخطط قصيرة وطويلة  لحل أزمة النقل العام وتكدس العربات فى شوارع  العاصمة ووعودهم لنا عن اتفاقيات لتطوير النقل النهرى مع بلاد الصين والهند والسند ياسادتنا فى وزارة النقل : لقد وهبنا الله وسيلة نقل سريعة وبلا زحام تمتد من شبرا الخيمة إلى حلوان دون عوائق وبقليل من الذكاء والتخطيط والتنظيم يمكنكم تخفيف العبء عن  شوارعنا من هذا  الزحام المميت ويمكنكم تخفيف عذابات المواطنين  بتقصير فترة وصول الناس إلى أشغالها واستغناء الكثيرين عن سياراتهم الخاصة .


ما الذى يمنع من  دعم النقل النهرى بأتوبيسات نهرية جديدة وسريعة ونظيفة تتحدد بدقة مواعيد انطلاقها ومواعيد وصولها ويلحق بهذه المحطات  النهرية أتوبيسات خارجية تنطلق  إلى داخل الأحياء أو محطات المترو فى مواعيد دقيقة لتكن بديلا  عن خطوط النقل العام ذات المسارات الطويلة، لماذا لا تجرب وزارة النقل  خطة طوارئ بطرح عدد محدود من الأتوبيسات النهرية فى البداية وإطالة مساراتها ثم زيادتها تدريجيا؟


حتى نستكمل  نظاما  فعالا للنقل العام من خلال نهر النيل وماهو العائق الحقيقى أمام  سرعة تطوير النقل النهرى الذى كان ينقل الآلاف  يوميا من الطلاب  والعمال والموظفين من شمال وجنوب القاهرة الكبرى؟
  ولماذا لا تعود الرحلات النيلية فى أيام العطل والأعياد كما كان فى السابق ليستمتع المصريون  بهذا النهر الذى تم تأميمه لصالح طبقة معينة من أصحاب «الياقات البيضاء» فاختفى وراء الكازينوهات والملاهى والمطاعم ونوادى النقابات، وحُرم  منه عامة المصريين فلجأو للكبارى والجسور يتفرجون على نيلهم المخطوف.