محمد سعيد.. حزين !

09/12/2015 - 8:28:40

حمدى رزق حمدى رزق

بقلم - حمدى رزق

لو كل إنسان حظه من اسمه، لكان صديقى الكاتب الصحفى الكبير محمد سعيد سعيدا جداً، ولكنه حزين جداً جداً جداً، الحزن فى القلب فإذا زاد وغطى وفاض أصاب المخ وإذا أصاب المخ ذهل الحزين عن حزنه فصار لا يميز بين مرض قاس وحزن مقيم.


لن أحدثكم عن الكاتب الصحفى محمد سعيد أحد أبرز من أنجبتهم «دار الهلال» الصحفية فى عزها، أدام الله عزها لن أحدثكم عن صديقى المريض الذى يلازم الفراش ذاهلا عن أهله لايدرى من أمره شيئا لن أحدثكم عن أسرته التى تترجى من الله نفقات علاجه، لكن أحدثكم عن بلد إذا مرض فيه كبير ضاع الصغار وخرب البيت وتسولنا علاجه وأرقنا ماء وجوهنا الكريمة على الأبواب .


لن أكتب عن قيمة محمد سعيد المهنية والأجيال الجديدة والمستجدة من الأعزاء فى دار الهلال لايعرفون من هو محمد سعيد حظنا أننا نعرف، وكنا سعداء الحظ حتى مرض محمد سعيد فغشيتنا التعاسة، محمد سعيد الذى ملا الدنيا كتابة أنيقة فى السياسة والفن والرحلة وسافر وراء مهنته بقاع الأرض وارتحل فى عوالم بعيدة بحثا عن المتاعب وعلى موهبته وألقه لم يحظ بأقل من حقه فى مهنة المحظوظين لا الموهوبين .


احتفظ بكروت جميلة فيها مناظر بديعة كان يرسلها لى من بقاع بعيدة، سعيدا كان، لماذا كل هذا الحزن أكتب عن صديقى الذى لا يعرف أين هو الآن لايدرى بين أيدى من ولا مما يشكو ويتألم أكتب عن موهبة تكالبت عليها الأمراض أكتب عن موهبة على المعاش ولأنه على المعاش نفض الجميع أيديهم منه إلا قليلا وليتهم يملكون ما يمكنهم من علاجه على النحو الأمثل .


قرح الفراش فى جسد محمد سعيد ليست مؤلمة بقدر ألم قرح النفوس التى تصحرت فأهملته فصار كما مهملا وهو من هو من امتلك عزة نفس، وعزة نفسى منعانى، لم يكسره أحد ولكن كسره المرض، قاوم ولكن المرض غالب هده المرض فلما استسلم زاد عليه الوهن فلما وهن سقط ولما سقط لم تلقفه أيد حانية احتواه سرير فى مستشفى فقير، على فقر المستشفى كان العوز أغلى من الفقر فسقط فى قاع سحيق فلنصل من أجله وهذا أضعف الإيمان.


لا يعرف الفضل، أعرف فضل النقيب الكبير جلال عارف الذى مد يد العون من موقعه فى المجلس الأعلى للصحافة وكان إنسانا سباقا وأعترف بالفضل للنقيب الصديق يحيى قلاش الذى لم يدخر وسعا، بذل ما فى وسعه وهو قليل، وأعترف بالفضل لمجلس إدارة دار الهلال الذى اجتمع بحب على عون محمد سعيد، وأعترف لأخى غالى محمد رئيس مجلس الإدارة بكل الخير، وأعترف لصديقى الطيب محمد أبو طالب برعاية أخيه الذى لم تلده أمه، وأعترف بكل الفضل للدكتور على حجازى رئيس هيئة التأمين الصحى على توفير سرير بشق الأنفس ليرقد عليه محمد سعيد مجانا فى مستشفى التأمين الصحى فى مدينة نصر.. تسولنا حتى السرير .


وأعترف أن كل هذا لايزال أقل من المطلوب، كل حاول بما يستطيع ولكن العين بصيرة واليد قصيرة عن علاج هذا الرجل الفاضل، كل هذه الجهود المشكورة لم تعالج مرضا ومحمد سعيد مريض بأمراض، سبحانه الشافى المعافى، ولم تحسن وضعا علاجيا الأمر يحتاج إلى ماهو أكثر من الجهود التطوعية التى لم تعالج قرحة واحدة فى ظهره، كلها فقط لسداد نفقات الإقامة فى مستشفى فقير قبل نقله إلى التأمين الصحى، وحتى فى التأمين الصحى يؤمنون سريرا ولكن لا يؤمنون علاجا يحتاجه محمد سعيدعلى النحو الأفضل،هذا أقصى ما يقدمه التأمين الصحى للفقراء ويشكرون عليه .


ربنا يشفيه أدعو دعاء الصادقين ولكن القضية خطيرة، الصحفيون إلا النجوم منهم والفضائيين من ذوى الحاجات إذا سقط أحدهم فى براثن المرض مصيبة لا يعلمها إلا الله، تخرب بيوت وتتشرد أسر وتتسول المؤسسات علاج أبنائها، أبناء مؤسسات الجنوب حالتهم تصعب على الكافر ولكن لا تصعب على الدولة، الدولة التى تسترضى الأطباء والأئمة والقضاة وغيرهم كثير من الفئات الصاخبة والأعلى صوتا تغض البصر عن الصحفيين انظر لصندوق العلاج فى نقابة الصحفيين سقفه خمسة آلاف جنيه معونة طبية لمن يسقط عن جواده، لا تساوى ثمن البقاء خمس ليال بالمحاليل فى مستشفى فقير .


انظر إلى المجلس الأعلى للصحافة ماذا عساه أن يفعل لعلاج مريض وهو لا يملك جنيها فى خزينته هو أعلى نعم وليس أغنى، رئيس المجلس الطيب صرف مبلغا لمحمد سعيد وإذا لم تتم تسويته سيدفعه من قوت عياله راضيا مرضيا لا يحتمل المرض من جرب المرض، أنعم الله على جلال عارف وزوجته الطيبة زميلتى نجوان عبداللطيف بالصحة .. سارعت الى إغاثة الملهوف .. بارك الله فى بنتها فرح.


انظر إلى مؤسسات الجنوب دار الهلال وروز اليوسف وأكتوبر وأضف إليهم دار التحرير أخيرا، إذا سقط صحفى منهم مريضا ستسقط المؤسسة فى حيص بيص، ولولا عناية الله وتبرعات أبناء هذه الدور لأخوتهم لماتوا مرضا على أسرتهم .. أشكر إخوانى فى دار الهلال تحسبهم أغنياء من التعفف كرماء بينهم. 


محمد سعيد المريض ليس حالة فريدة والميسورون من الصحفيين ليسوا كثرة، والأقل دخلا أغلبية كاسحة، المرض يهدد كبار وصغار المهنة مثل أى مهنة ونحن بزيادة شوية، ولكن إلى متى «يتبهدل» الصحفيون فى مرضهم ويتسولون علاجهم ويتحننون على التأمين الصحى لعلاج مرضاهم.


شغلنا كثيرا عن حالنا بكثير من الصخب السياسى اتسع سلم النقابة فصار بعرض الوطن لكل الفئات والمهن تدافع عن حقها فى العيش والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية إلا الصحفيين كانوا مضيفين كراما ولكنهم نسوا أنفسهم فنسيتهم الحكومة وصار رئيس المجلس الأعلى للصحافة يتسول علينا من الحكومات المتعاقبة وصار النقيب يلهث وراء وزير المالية لتدبير البدلات والعلاج صرنا نتسول حقوقنا أضعناها بأيدينا حتى العلاوة الاجتماعية يستكثرونها علينا ويماطلون فى مقدارها أو حتى سدادها.


 ألف جنيه للإمام والخطيب الذى يسمعه كل أسبوع ألف من المصلين، والصحفى الذى يسمعه ويراه ويقرؤه عشرات الألوف يمد يده تسولا، صندوق العلاج فى النقابة يشكو الفقر ومخصصات وزارة المالية للمجلس الأعلى للصحافة ليس فيها بند علاج والمؤسسات تترجى الله فى المرتبات وأثرياء الصحافة وهم ندرة عن الغلابة غافلون .. بالخير نذكر النقيب إبراهيم نافع الذى لم يترك مريضا إلا وكان فى ظهره بما أفاء الله عليه، والتجارب لاتعد ولا تحصى ولا ينكرها إلا جاحد .


 المرض شفاكم الله وعافاكم غير مرتبط بالسن أو بالمعاش صحيح محمد سعيد على المعاش ولكن هل هو من خيل الحكومة حتى تطلقوا عليه الرصاص، انا وآسف أن أقول أنا ولكنها شكوى لمن يلقى السمع وهو شهيد، تعبت والله من تسول علاج محمد سعيد شىء مهين ليس لى وللعاملين على علاج هذا الرجل، أخشى أنه لا يشعر بالإهانة لأنه ذاهل عنا ولكن إهانة للصحفيين جميعا .


من حقنا علاج مناسب فى مكان مناسب فى توقيت مناسب عنوان معلوم نتوجه إليه إذا أصابنا مكروه وهذا دور النقابة قبل أى دور وقبل أى تكليف دور النقابة مدعومة من جمعية عمومية لا تجتمع إلا فى الانتخابات، بعدها كل يدبر حاله وماذا عمن لا يستطيع فى أرذل العمر يموت «فطيس»، الوقائع فى السن الكبير محزنة، والله ولا خيل الحكومة يعدمون على قيد الحياة إهمالا وتناسيا مع سبق الإصرار والترصد .. شفاكم الله وعافاكم وعفا عنكم ويشفى محمد سعيد مما ألم به .. كان نفسى يبقى سعيد حتى فى آخر أيامه !.