كلمة السيسى عبرت عن القارة السمراء مصر صوت إفريقيا فى «قمة المناخ»

02/12/2015 - 12:53:58

باريس: ماهيتاب عبد الرؤوف

أمام نحو ١٥٠ رئيس دولة وحكومة، دافع الرئيس عبدالفتاح السيسي عن مصالح القارة الإفريقية في كلمته بقمة الأمم المتحدة حول التغيرات المناخية والمنعقدة بضاحية «لوبورجيه» بباريس (شمال فرنسا).


وتحدث الرئيس السيسي باسم دول إفريقيا، كون مصر ترأس مؤتمر وزراء البيئة الأفارقة، ويرأس السيسى نفسه لجنة رؤساء الدول والحكومات الأفارقة المعنية بتغير المناخ.


وقد عبر الرئيس - في كلمته أمام القمة - عن وحدة الصف الإفريقية، ودعا العالم لتقديم كل الدعم للمبادرتين الشاملتين اللتين صاغتهما إفريقيا، والتي تستهدف إحداهما دعم الطاقة المتجددة فى القارة السمراء، وتعزز الأخرى جهود القارة فى التكيف مع التغيرات المناخية.


 الأفارقة متضررون


وذكر الرئيس أن إفريقيا هى الأقل إسهاماً فى إجمالى الانبعاثات الضارة، والأكثر تضررا من تداعيات تغير المناخ، مضيفا: لذلك ينبغي التعامل مع القضية وفق تدابير للمرونة بالاتفاق مع الدول الإفريقية إلى جانب الدول الأقل نمواً والدول النامية المكونة من جزر صغيرة.


وطالب السيسي، باسم إفريقيا، بالتوصل لاتفاق دولى عادل وواضح يلتزم به الجميع، ويتأسس على التباين فى الأعباء ما بين الدول المتقدمة والنامية، فى إطار المسئولية المشتركة لمواجهة التغيرات المناخية، ووفقا لمبادئ وأحكام اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية لتغير المناخ، وأن يحقق الاتفاق المنشود توازنا بين عناصره المختلفة.


وتابع: من غير المقبول أن ينصب التركيز على عنصر الحد من الانبعاثات الضارة دون أن يقابل ذلك اهتمام مماثل بباقى العناصر، خاصة ما يتعلق بتعزيز قدرات الدول النامية على التكيف مع التغيرات المناخية، وتوفير التمويل والدعم الفنى والتكنولوجيا الحديثة، مع أهمية أن يشمل الاتفاق هدفاً عالمياً حول التكيف، ويضمن الالتزام بألا تزيد حرارة الأرض عن ١.٥ درجات مئوية، وعدم تحويل عبء خفض الانبعاثات من الدول المتقدمة إلى الدول النامية بما يمكن الدول الأفريقية والنامية من تخفيف الانبعاثات الضارة .. وتحقيق التنمية المستدامة».


ودعا الرئيس السيسي المجتمع الدولي إلى دعم الجهود التى تقوم بها مصر على المستوى الوطنى فى هذا المجال، خاصة أن مصر وجميع الدول الإفريقية استوفت التزامها بتقديم مساهماتها وخططها الوطنية الطموحة لمواجهة تغير المناخ، وقد أقرت مصر قبل انعقاد المؤتمر خطة وطنية شاملة للتنمية المستدامة.. حتى عام ٢٠٣٠.


برنامج حافل


لم تقتصر زيارة الرئيس السيسي لباريس - والتى بدأها الأحد- على إلقاء بيان إفريقيا أمام القمة والمشاركة فى اجتماع دعا إليه الرئيس الفرنسي هولاند حول التحديات المناخية والحلول الإفريقية، والمشاركة في اجتماع رفيع المستوى دعا إليه سكرتير عام الأمم المتحدة لبحث ظاهرة التكيف مع آثار التغيرات المناخية، بل كان برنامج الرئيس في باريس حافلا، إذ أجرى سلسلة من اللقاءات مع رؤساء الدول والحكومات المشاركين فى المؤتمر من بينهم الأمير تميم، أمير قطر، والملك عبدالله الثانى، ملك الأردن، وولى عهد البحرين، ورئيس نيجيريا، ورئيس كوريا الجنوبية، والرئيس العراقي فؤاد معصوم، والفلسطيني محمود عباس والمديرة العامة لمنظمة «اليونسكو» إيرينا بوكوفا، وسكرتير عام منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أنجل جوريا.


كما شهدت زيارة الرئيس لفرنسا خطوات جديدة في إطار تحسين العلاقات «المصرية-الفرنسية»، التى تعيش حاليا طفرة نوعية، فقد التقى الرئيس السيسي نظيره الفرنسي ورئيس الوزراء الفرنسي إيمانويل فالس، ووزيري الداخلية برنار كازنوف والدفاع جون ايف لودريان وقيادات وزارة الدفاع الفرنسية، بمقر وزارة الدفاع التى استقبلته بمراسم رسمية وبحفاوة بالغة. كما التقى السيسي رئيس مجلس الشيوخ الفرنسي جيرارد لارشيه، فضلا عن لقاء مع إيريك ترابييه رئيس مجلس إدارة شركة (داسو) الفرنسية للصناعات الجوية، ومع إيرفيه جيوو رئيس مجلس إدارة شركة (دى سى إن أس) الفرنسية العاملة في مجال الصناعات البحرية. 


وتصدرت قضايا الأمن ومكافحة التنظيمات الإرهابية مباحثات الرئيس الرئيس السيسي التى عقدت بباريس. كما حرص الرئيس في بداية كلمته أمام القمة على تأكيد تضامن مصر التام مع فرنسا «فى حربنا المشتركة ضد الإرهاب بكافة أشكاله». وأكد «إننا نجتمع اليوم فى لحظة فارقة يشهد فيها العالم تحديات متزايدة فى مقدمتها انتشار الإرهاب، مما يتطلب التكاتف الدولى من أجل تحقيق آمال شعوبنا فى حياة آمنة ومستقرة، يساهم فيها التوصل إلى اتفاق دولى طموح ومستدام.. ومتوازن لمواجهة تحديات تغير المناخ».


اهتمام عالمي


وحظي حضور السيسي في قمة المناخ مسار اهتمام عالمي، فسلطت مختلف وسائل الإعلام الضوء على مشاركته ولقاءاته التى عقدت على هامش القمة، لكونه أول من حذّر من خطورة تمدد الإرهاب في العالم، وشدد على ضرورة تضافر الجهود العالمية لسرعة القضاء عليه، ولكونه أيضا الرئيس الذي يحارب بالفعل الإرهاب على أرضه، فضلا عن أن مصر هي إحدى أهم ركائز الأمن والاستقرار في منطقتيّ الشرق الأوسط والمتوسط، وذلك بحسب رأي المراقبين الفرنسيين. وقد أثبتت مشاركة الرئيس السيسي بقمة المناخ أن اسم مصر أصبح مختلفا مع هذه القيادة السياسية الجديدة التي أعادت لمصر مكانتها الإقليمية والدولية وجعلت للمصريين وضعا جديدا مرموقا في العالم.


ملف الإرهاب حاضر


ولم تكن قمة باريس -المنعقدة خصيصا لبحث كيفية الحد من ظاهرة الاحتباس الحراري - قاصرة على قضية المناخ، بل كان ملف محاربة الإرهاب حاضرا بقوة في هذا التجمع العالمي. وهذا ما أكده الرئيس الفرنسي فرانسوا أولاند في الكلمة الافتتاحية الرسمية للقمة، إذ قال إن محاربة الإرهاب ومواجهة الاحترار العالمي هما تحديان كبيران، وشدد «لا ينبغي فقط أن نحرر العالم من وباء الإرهاب بل إن نورثهم أرضا مستدامة». وقد أكد أيضا وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس، وهو رئيس اجتماعات قمة المناخ، أن مكافحة الإرهاب والاحتباس الحراري من أهم تحديات القرن الحادي والعشرين.


بدوره، قال وزير الخارجية سامح شكري- فور وصوله ضمن وفد الرئيس السيسي لباريس- إن مشاركة زعماء العالم في قمة باريس تجعل منه ملتقى هاما لتبادل وجهات النظر خلال لقاءاتهم الثنائية على هامش المؤتمر حول القضايا التي تشغل المجتمع الدولي وعلى رأسها الإرهاب.


رسالة دعم لفرنسا


وعلى الرغم من حالة الحرب والطوارئ القصوى التى تعيشها فرنسا عقب الهجمات الإرهابية التي ضربت باريس يوم ١٣ نوفمبر الماضي وخلفت نحو ١٣٠ قتيلا، في اعتداءات هي الأولى من نوعها على الأراضي الفرنسية، فقد شهدت الدورة الـ٢١ لمؤتمر الأطراف للاتفاقية الإطارية للأمم المتحدة حول تغير المناخ حضورا غير مسبوق بقاعة «لوبورجيه» العملاقة. مشاركة هذا العدد من القادة جعلت من مؤتمر المناخ بباريس حدثا غير مسبوق من حيث مستوى التمثيل، لاسيما أن مؤتمر المناخ في كوبنهاجن عام ٢٠٠٩، جمع ١٢٠ رئيس دولة وحكومة. ويحمل هذا الحضور الكثيف لقادة العالم -الذين استهلوا افتتاح القمة بالوقوف دقيقة صمت تكريما لضحايا اعتداءات باريس- شكل من أشكال الدعم لفرنسا ضد الإرهاب، وكذلك رسالة عالمية للإرهابيين وهي: «أن العالم لا يخشى الإرهاب.. ومصمم على القضاء عليه». وقد أكد فرانسوا هولاند أن انعقاد قمة المناخ في باريس جاء تأكيدًا على الدعم الدولي لفرنسا في مواجهة الإرهاب.


وينعقد هذا الموتمر العالمي وسط إجراءات أمنية مشددة، حيث نشرت السلطات الفرنسية نحو ١٣٠ ألف من قوات الشرطة والدرك الوطني، فضلا عن قوات الجيش لتأمين البلاد. كما منعت سير السيارات الخاصة خلال فترات محددة، وفتحت في المقابل وسائل المواصلات العامة بالمجان، وألغت عددا من الفاعليات التى كانت من المقرر أن تنظم على هامش المؤتمر.


مخاوف من كارثة


وقد حذّر خبراء البيئة من عواقب كارثية تؤثر على ملايين البشر، وتتسبب في تراجع مكاسب التنمية عقوداً إلى الوراء حال لم يتخذ العالم دون تأخير إجراءات جريئة للحد من ارتفاع درجة حرارة الارض، خاصة أن ارتفاع درجة حرارة الأرض يتسبب في الاحتباس الحراري العالمي، ويؤدي إلى تقلبات مناخية ستغير وجه العالم، سواء في شكل موجات حر شديد، وجفاف، وفيضانات وأعاصير وحرائق غابات وانصهار للغطاء الجليدي القطبي الدائم، وتحلل بعض الأنهار الجليدية الكُبرى، وموت ملايين من الأفدنة من الأشجار بآفة الاحترار، وبالتالي ضياع الثروة من الموارد الطبيعية مما يتسبب في خسائر اقتصادية لا تقدر. 


ودعت الأمم المتحدة وفرنسا -التي تستضيف القمة - إلى التوصل لأوسع التزام دولي لخفض الانبعاثات الغازية. وشدد الرئيس الفرنسي على ضرورة أن تخلص القمة إلى اتفاق ملزم تتحمل فيه الدول الأكثر انبعاثا للغازات السامة مسئوليتها التاريخية، وأن يتم تقديم دعم مالي للدول الفقيرة لمواجهة مخاطر وتداعيات الاحتباس الحراري.


 وعلى الرغم من اعتراف لوران فابيوس، رئيس اجتماعات القمة، بأنه ليس هناك اتفاق موحد بين الدول حتى الآن وأنه ليس معه نص جاهز لتقديمه، وبأنه سيسعى للتوصل لحلول وسط والاستماع للآخرين وللحفاظ على أجواء طموحة، إلا أن هناك حالة من التفاؤل تسود في هذا التجمع ولاسيما بعد أن تعهد الرئيسان الأمريكي باراك أوباما والصيني شي جين بينغ بالعمل معا للدفع قدما باتفاقية بشأن تغير المناخ لضمان اقتصاد عالمي يصدر عنه انبعاثات منخفضة من (غاز) الكربون، خاصة أن الصين والولايات المتحدة هما أكثر الدول الصناعية الملوثة للبيئة في العالم، حيث ينبعث من الصين ٣٠٪ من الغازات المسببة في الاحتباس الحراري والولايات المتحدة ١٦٪.


 وقال أوباما - بينما كان الرئيس الصيني جالسا إلى جانبه خلال مباحثات عقدت على هامش قمة المناخ-: «كوننا أكبر اقتصادين في العالم والأكثر إصدارا لغازات الكربون فقد قررنا أنه يقع على عاتقنا مسئولية التصرف»؛ فيما أكد الرئيس الصيني أن الدولتين ستعملان جنبا إلى جنب لضمان أن يحقق مؤتمر باريس أهدافه.


و يرى المراقبون أن الحضور الكثيف للقادة في قمة المناخ بباريس -والذي يشبه اجتماعات الامم المتحدة بنيويورك- يعني أن قادة العالم يستشعرون الخطر وجاءوا بالفعل من أجل التوصل لاتفاق دولي لمكافحة التغير المناخي.


وتنتظر شعوب العالم ١١ ديسمبر المقبل، أي اختتام أعمال الموتمر لمعرفة هل تحمل قادة العالم ولاسيما زعماء الدول الصناعية الكبرى مسئوليتهم وأقروا بالفعل اتفاقا ملزما يُحد من ارتفاع درجة حرارة الأرض، أم أن قمة باريس فشلت كسابقها؟