القمة ٢١: اتهامات متبادلة بين الصين وأمريكا

02/12/2015 - 12:52:06

تقرير : إيمان عبدالله

طرحت عاصمة النور أحزانها جانباً واستنفرت قواتها الأمنية والعسكرية لتأمين قمة المناخ الحادية والعشرين التى حرص أكثر من ١٤٠ رئيس دولة ورئيس حكومة على حضورها وبمشاركة رئاسية من جانب مصر ليس فقط دعماً لباريس التى واجهت أشرس عمليات الإرهاب منذ أسبوعين ولكن استشعاراً من قادة الدول الصناعية والاقتصاديات المزدهرة وكذلك الدول النامية بالخطر الذى يتهدد العالم جراء ظاهرة الاحتباس الحرارى ومانتج عنها من أضرار التصحر وشح المياه والاختلال البيئى . المؤتمر الأكبر فى تاريخ المفاوضات المناخية بدأ أعماله الاثنين الماضى ويستمر حتى ١١ ديسمبر المقبل سعياً للتوصل لاتفاق ملزم قانونا يحول دون ارتفاع درجات حرارة الأرض بأكثر من درجتين مئويتين فوق مستويات ماقبل عصر النهضة الصناعية بحلول عام ٢٠٢٠ للحد من آثار تغير المناخ وتجنب التداعيات المدمرة لذلك .


انطلقت أعمال قمة المناخ بكلمات واعدة من كبار زعماء العالم والقى الرئيس عبدالفتاح السيسى كلمته نائباً عن القارة الإفريقية مؤكداً رغبة دول القارة التوصل إلى اتفاق ملزم حول التغيرات المناخية، كلمة الرئيس شملت مبادرتين أحدهما تخص التكيف مع اثار التغيرات المناخية والأخرى بشأن تنمية مصادر الطاقة الجديدة والمتجددة.


وسط حالة الطوارئ التى تعيشها فرنسا منذ ١٣ نوفمبر الماضى ، تحولت العاصمة الفرنسية باريس إلى ثكنة عسكرية انتشر بها ثمانية آلاف من رجال الأمن اتخذوا تدابير أمنية استثنائية فى منطقة «لوبرجيه» التى استضافت الوفود الرسمية لحوالى ١٩٥ دولة شاركت فى قمة المناخ . حضور عالمى طاغ تجاوز ٤٠ ألف شخص بينهم عشرة آلاف ممثل عن دول العالم وأربعة عشر ألفا عن المجتمع المدنى فى حين تولى التغطية ثلاثة آلاف صحفى الأمر الذى جعل من قمة الأمم المتحدة للتغيرات المناخية أكبر اصطفاف عالمى يناقش قضية الاحتباس الحرارى أحد أكبر تحديات القرن الحادى والعشرين. وقبيل القمة أكد أعضاء قمة دول الكومنولث فى مالطا دعمهم لقمة المناخ وتعهدهم بالمشاركة فى حل دائم وطموح ومتوازن يرتكز إلى قواعد ويلزم جميع الأعضاء من الناحية القانونية .الرئيس الفرنسى فرانسوا أولاند تحدث إلى قمة الكومنولث مشيراً للارتباط بين قضيتى الإرهاب والاحتباس الحرارى قائلا : «إن الإنسان هو العدو الأكبر للإنسان» لكنه أكد على رغبته عدم تحويل مؤتمر المناخ إلى اجتماع دولى حول مكافحة الإرهاب لأن ذلك لن يخدم القضيتين. إلا أن اللقاءات الثنائية للزعماء على هامش القمة لابد وأن تتطرق إلى قضية محاربة تنظيم داعش الإرهابى .


وقد استبقت القمة تظاهرات كبيرة فى قارتى آسيا واستراليا فى إطار تحركات شعبية لمكافحة ظاهرة الاحتباس الحرارى والتى نتج عنها أعاصير واختلالات مناخية تضررت منها دول آسيا وخاصة جزر المحيط الهادى بسبب ارتفاع منسوب المياه. فرنسا من جانبها حظرت وجود المظاهرات وإن سمحت بالسلاسل البشرية قبل بدء القمة .


ويعتبر مؤتمر المناخ بباريس مفصلا مهماً على صعيد مكافحة الاحتباس الحرارى الذى يهدد الأرض إذ ينبغى على جميع الدول المشاركة أن تضع كوكب الأرض على طريق خفض الانبعاثات الكربونية مما يتيح الحد من ارتفاع حرارة الكوكب عند مستوى درجتين مئويتين علماً بأن الحرارة قد ارتفعت بمقدار ٠.٩ درجة مئوية منذ فترة ماقبل عصر النهضة الصناعية . وهنالك ٢٠ دولة على مستوى العالم تعد مسئولة عن ٨١٪ من الانبعاثات الحرارية . هذه الدول التقت فى باريس من أجل الاتفاق على قرارات ملزمة يوقع عليها الجميع للحد من استخدامات وقود الفحم الحجرى والذى يتسبب فى ارتفاع درجة حرارة الأرض ومايتبعها من ذوبان للجليد وانقراض بعض الحيوانات وتزايد التقلبات المناخية العنيفة. والمعروف أن ٤١٪ من احتياجات العالم من إنتاج الكهرباء تتوفر عن طريق الفحم الذى يساهم بحوالى ٣٠٪ من إجمالى احتياجات الطاقة للعالم بشكل عام. ورغم إعلان الرئيس الأمريكى أوباما عن خطة أمريكية لخفض انبعاثات الغاز بدءا من عام ٢٠١٥ وتعهد الصين أيضاً بالحد من الانبعاثات الغازية بحلول ٢٠٣٠ فإن الاقتصاديات الأقوى تظل هى الأكثر تلوثياً للغلاف الجوى.


بوادر الخلاف حول إمكانية توقيع اتفاق ملزم ظهر من خلال تصريحات وزير الخارجية الأمريكى جون كيرى الذى قال «لن تكون هناك معاهدة مؤكدة ولن يكون هناك قانون ملزم لخفض انبعاثات الغازات كما كان الأمر بالنسبة لمؤمر كيوتو باليابان . والواقع أن سياسات الشد والجذب بين الدول الصناعية الكبرى والاقتصاديات المزدهرة مثل الصين والتى أدت إلى فشل كيوتو فى عام ١٩٩٧ الذى رفضت الإدارة الأمريكية التوقيع عليه لاتزال قائمة.. فالصين ترى أن المسئولية الكبرى تقع على عاتق الدول الغربية الكبرى للقيام بأكبر نسبة من خفض الانبعاثات الحرارية كونها حققت تقدمها على حساب البشرية خلال العقدين السابقين ومن ثم بات عليها إتاحة الفرصة للدول الأخرى للحاق بقطار التطور . وتحل الصين حاليا فى المرتبة الأولى عالمياً بنسبة ٢٤٪ من الانبعاثات الحرارية وهى تخطط لمضاعفة ذلك بحلول عام ٢٠٣٠ عن طريق إقامة أكثر من ٣٦٠ محطة طاقة تعمل بوقود الفحم الحجرى . كما أن الصين تعد مسئولة عن ثلاثة أرباع محطات توليد الطاقة عن طريق الفحم فى العالم مابين عام ٢٠٠٠ و٢٠١٤ بسبب تحولها لمصنع كبير لإنتاج البضائع لصالح الدول الأخرى . تبادل الاتهامات بين الصين والولايات المتحدة وتغليب المصلحة الفردية قد يعرقل جهود التوصل لاتفاق جدى .


إحدى القضايا الحساسة التى تواجه قمة المناخ أيضا هى توزيع الجهود فى مجال مواجهة الاحتباس الحرارى بين دول الشمال الغنية ودول الجنوب الفقيرة ومايتبع ذلك من أزمة التمويل. فالدول الفقيرة تحتاج لدعم كبير من الدول الغنية من أجل الاستثمار فى مجال استخدامات الطاقة النظيفة والمتجددة. بعض الدول النامية أعلنت من جانبها عن استعدادها للقيام بالمساهمات الطوعية لخفض الانبعاثات بشرط تمويلها سنوياً بحوالى مائة مليار دولار بحلول عام ٢٠٢٠ من صندوق المناخ الأخضر . وحتى الآن لم تضع الدول الكبرى آلية لجمع هذه الأموال وإيداعها بالصندوق لتمكن الدول الفقيرة بدورها من مواجهة أزمة الاحتباس الحرارى .


استضافة فرنسا لقمة المناخ الحادية والعشرين يجعلها أكثر الدول حرصاً على الخروج باتفاق دولى ملزم لكارثة الانبعاثات الحرارية إلا أن مجلة إيكونومست البريطانية ترى أن الوعود التى يحملها أعضاء الوفود إلى قمة باريس تحت مسمى «المساهمات المحددة قومياً» أمر مطاط لن يفضى إلى اتفاق طموح وفعال.. وعلى الرغم من ذلك فإنها ترى أن أى تقدم سيحرزه المؤتمر سوف يتم الاحتفاء به على أنه إنجاز .



آخر الأخبار