لماذا يُطمئن الرئيس رجال الأعمال؟

02/12/2015 - 12:48:29

  الرئيس يتوسط أطفال مصر فى احتفالية مشروع شرق بورسعيد.. الطفل المصرى هو الأمل الحقيقى الرئيس يتوسط أطفال مصر فى احتفالية مشروع شرق بورسعيد.. الطفل المصرى هو الأمل الحقيقى

بقلم - أحمد أيوب

كالعادة التقط البعض كلام الرئيس من أطرافه، دون أن يتعمقوا فى تحليله أو البحث فى أسبابه، اعتبروا رسالة الرئيس إلى رجال الأعمال وطمأنتهم، بمثابة رضوخ لهم واستجابة لضغوطهم، والبعض وصل به الشطط إلى حد تصور أن الرئيس يعيد كرة النظام السابق فى تدليل بعض رجال الأعمال على حساب الشعب، يقينا لم يكن هذا هو ما دفع الرئيس لتوجيه رسالته إلى رجال الأعمال، وهو يدشن واحدا من أهم مشروعات المستقبل فى شرق بور سعيد، وإنما القضية عند الرئيس هى بناء البلد الذى قال صراحة إنه لن يستطيع أن يبنيه وحده، وإنما يحتاج مشاركة الجميع، وفى مقدمتهم كل رجال الأعمال الوطنيين، فهم شركاء وليسوا أعداء هكذا يعتبرهم الرئيس


يرى الرئيس أن مصر أولى بأموالهم من دول أخرى بدأ البعض يهرب إليها بحجة الخوف من مصيره فى مصر،عدد ليس قليلا بالفعل ذهب ليستثمر فى الخارج بمئات الملايين، ويرفضون ضخ أى استثمارات جديدة داخل مصر بسبب عدم الاطمئنان لما سيحدث معهم، اثنان من رجال الأعمال الذين لجأوا إلى الاستثمار فى الخارج من أصحاب المليارات ولديهم استثمارات ضخمة فى مصر، وكان متوقعا منهما ضخ المزيد بعد مجئ الرئيس إلى موقعه، لكن حتى الآن مازالا يخشيان سياسة الانتقام التى يرون أنها مازالت المتبعة مع رجال الأعمال من بعض الأجهزة والمؤسسات داخل الدولة، أحد الرجلين يعمل فى الأغذية والآخر له أكثر من نشاط، وأحد هذه الأنشطة يتمتع بسمعة عالمية، ولكن هذه السمعة لم تشفع له عند بعض الأجهزة التى ما زالت تصر على تعقب ملفات قديمة له أغلقت أكثر من مرة، وأعيد فتحها ليس لشيء إلا الانتقام أوالابتزاز وخاصة فى عهد الإخوان، ومهدد هذه الأيام بإعادة فتح ملف قديم مرة أخرى، ولولا علمه أن ما يحدث معه ليس توجها رئاسيا ولا قرار دولة وانما تصرفات شخصية، لكان استكمل الخروج تماما من مصر.


عدد آخر من رجال الأعمال، كما يقولون، أخرجوا بعض استثماراتهم للخارج، رغم احتياج مصر لها، ليس كرها فى مصر ولا رفضا للاستثمار فيها، وإنما بسبب المصير الغامض الذى ينتظرهم، فداخل وسط رجال الأعمال يتحدثون عن رباعية الخوف التى تلاحقهم، جهاز المحاسبات، والرقابة الإدارية، والكسب غير المشروع والأموال العامة، فالتحقيقات والتقارير التى طالت عددا كبيرا من رجال الأعمال طوال السنوات الماضية داخل هذه الجهات الأربع، على حد قولهم، خلقت حالة من الرعب لديهم، والجملة التى تتردد بينهم» خلونا نشوف الهوجة دى رايحة على فين الأول».


وحسب المهندس حسين صبور رئيس جمعية رجال الأعمال، فأخطر ما يخشاه كثير من رجال الأعمال هو رغبة بعض الأجهزة فى فتح الملفات وتتبعها رغم إغلاقها مرات قبل ذلك ورغم علمهم بعدم جدية الاتهام، ولذلك فصبور يتمنى أن تتحول الرسالة الرئاسية إلى توجيهات مباشرة للأجهزة الرقابية لتغير سياستها مع رجال الأعمال وإخراجهم من دائرة الاتهام الدائمة، والتعامل معهم بعيدا عن الملفات القديمة، ويلفت صبور إلى أن أغلب رجال الأعمال تقريبا تم التحقيق معهم بعد ثورة ٢٥ يناير وحتى الآن، بتهم مختلفة وأغلبهم لم يثبت فى حقهم شئ ، وعدد ليس قليلا منهم حبس لسنوات، فى النهاية حصل على البراءة، فهل نطلب من هؤلاء أن يكونوا آمنين على استثماراتهم فى ظل هذه الأجواء.


ما قاله صبور وإن كان يمثل جزءا من الحقيقة التى نراها جميعاً ونشهد عليها، وتؤكدها أيضاً بعض نماذج لرجال أعمال وطنيون لم توقفهم خسائرهم والصعوبات التى واجههوها الفترة الماضية عن الوقوف بجانب الدولة، فأحد رجال الأعمال الكبار مر مؤخراً بأزمة صحية كانت تهدد حياته وفى أول يوم عودة له بعد الشفاء وقف ليعلن فى مؤتمر عام أنه لن يتراجع عن دعمه للدولة ولن يوقف استثماراته فى مصر بل سيزيدها من أجل مصر ومساندة الرئيس وتوفير فرص عمل جديدة للشباب، إلا أن الجزء الآخر من الصورة هو أن عددا من رجال الأعمال بالفعل تعاملوا مع الدولة خلال العام ونصف العام الماضى بمنطق الضغوط والمساومة، الاستثمار بالمكاسب التى سيحصلون عليها من الدولة، وهى نفس ما كانوا يتعاملون به فى فترة مبارك، لكن الدولة والرئيس السيسى وقف ضد هذه المساومة ورفض الانصياع لها، فكان الرد تعطيش الاقتصاد المصرى بعدم ضخ أى استثمارات جديدة، بل وصل الأمر ببعضهم إلى قيادة حملة تشويه ضد الدولة وتخويف بعض المستثمرين العرب والأجانب من عواقب الاستثمار فى مصر، واستغلوا ما حدث من فرض بدل أسعار على بعض المستثمرين العرب خلال السنوات الأربع الماضية لتأكيد أن الدولة لن ترحم رجال الأعمال، ليس هذا فحسب بل لجأ بعضهم إلى شن حملات ضد النظام، وتصوير الأمر على أنه لا يوجد فى مصر استقرار سياسى أو أمنى يسمح للاستثمار بها، وتآمروا على تدمير البورصة المصرية من خلال اللجوء إلى بيع الأسهم وتحويل الأموال للخارج، فعدد من الشركات الأجنبية المتداولة فى البورصة النسبة الأكبر من أسهمها مملوكة فى الأصل لمصريين، وفى إطار ضغوطهم على الدولة أو الخوف من مصيرهم يبيعون الأسهم ويستغلون قانون البورصة الذى يلزمها بتحويل عائد البيع للخارج، حدث هذا كثيرا خلال الفترة الماضية، وكان من الأسباب الأساسية لانهيار البورصة فى مرات كثيرة.


بل وبعض رجال الأعمال العاملين فى مجال السلع الغذائية دخلوا حربا مع الدولة لمنعها من التدخل لتخفيض الأسعار حماية للغلابة وبعضهم وصلت به البجاحة أن قال فى وجه رئيس الوزراء لن نخفض مليما واحدا، وفريق ثالث ظلت الاجتماعات متواصلة معهم لإقناعهم بالوقوف بجانب الدولة لكنهم رفضوا، ولم يجد الرئيس فى النهاية إلا التدخل المباشر والقوى من الحكومة لتحقيق التوازن فى السوق من خلال السلع منخفضة الأسعار والتى لم يقبلها هؤلاء المستوردون والمصنعون واعتبروها معركة.


وتؤكد مصادر أن عناد بعض رجال الأعمال تجاوز هذا الأمر، إلى حد أن عدداً منهم بدأوا بالفعل التحرك فى لوبيات لمواجهة الدولة وإسقاطها اقتصاديا من خلال الانسحاب من السوق، ولولا وجود عدد من رجال الأعمال الشرفاء مثلوا الأغلبية لكانت الأزمة تضاعفت، لكن وقوف هؤلاء الشرفاء بجوار الدولة وعدم المزايدة أو الانضمام للوبيات الضغط كشف لعبة المتآمرين، وقد كانت مساهمة هؤلاء الشرفاء فى صندوق تحيا مصر وإقامة مشروعات تنموية وتعليمية جديدة لتشغيل عمالة، ومساندة خطة الدولة فى تخفيض الأسعار وبمثابة دعم مهم وقوى لها فى مواجهة مافيا الانتهازيين.


السؤال الذى يردده البعض هو وربما بخبث.. هل تخاف الدولة من لوبى رجال الأعمال فاضطرت للخضوع لابتزازهم؟


المؤكد أن رسالة الطمأنة من الرئيس ليست خوفا ولا ترضية لرجال الأعمال، فالرئيس لا يحتاج لهذا والدولة لا تخشى من أحد، أو كما قال أحد رجال الأعمال أنفسهم، الرئيس ليس فى موقف ضعف، بل هو من يملك القوة، ومعه المساندة الشعبية التى تمكنه من فضح وتدمير أى رجل أعمال يبتز الدولة، لكن القضية عند الرئيس ليست تعنتا ولا انتقاما، وإنما بحث عن مصلحة البلد، فالرئيس لم يكن يقصد من رسالته تدليلا أو تمييزا لرجال الأعمال، وإنما كان يريد أن يقطع الطريق على كل من يحاولون الاصطياد فى الماء العكر، ويلعبون على تخويف رجال الأعمال المصريين من نوايا الدولة تجاههم، الرئيس كان يريد إفساد مخطط تنسج خيوطه لتأليب بعض رجال الأعمال على الدولة بدعوى أنها تجهز لهم فى الكواليس ملفات للانتقام منهم، ويكفى أن بعض المتآمرين داخل الجهاز الحكومى بدأوا بالفعل فى تستيف الأوراق لبعض رموز رجال الأعمال ليس حبا فى البلد وإنما لزيادة حالة الغضب على الدولة والتحريض على تسريع وتيرة تهريب الأموال التى يراها البعض الحل الأفضل للإفلات من لعبة الموت التى تمارس معهم، وأحد رؤساء الأجهزة الرقابية ما زال مصرا على فتح ملفات انتهت منذ سنوات بدعوى الحفاظ على أموال الدولة، ورغم أن هذا الكلام قد يكون مقبول شكلاً لكنه لم يعد ممكنا بعد مرور كل هذه السنوات،وكل من يتابعون الملف يرون أن هذه التحركات من رئيس الجهاز ليس مقصودا بها سوى إحراج الرئيس وليس استرجاع أمولا الدولة، ولهذا فالرئيس كان كعادته سباقا فى إطفاء نار الفتنة بين الدولة ورجال الأعمال والمستثمرين، ووضع النقاط على الحروف بكلماته المباشرة وحسمه فى أنه لن يستطيع أحد أن يمس رجل أعمال إلا بالقانون، الرئيس بهذا الكلام لم يمنح رجال الأعمال حصانة كما يدعى البعض لأنه لا يملك ولا يقبل ذلك، وانما الحقيقة أن الرئيس احتكم فى كلامه إلى القانون الذى يسرى على الجميع، من التزم ولم يسرق ولم يتربح بدليل ثابت قانونا سيكون على العين والرأس، سيعامل كوطنى يخدم وطنه، ومن حقه أن يضمن الربح المعقول ويطمح فى مساندة الدولة، ومن أجرم فى حق الدولة أو نهب أموالها فالقانون هو من يحدد مصيره، وهذه صيغة تعامل محترمة طالبنا بها كثيرا، ولم يلتزم بها أى نظام حكم مصر من قبل ، لأنه كان لكل نظام رجاله الذين يتمتعون بالحماية والرعاية الرئاسية، لكن السيسى خرج عن هذا الإطار، فهو يريدها حماية بالقانون لمن يستحق، قالها أكثر من مرة إنه ليس بينه وبين أحد عداء، لا نخبة ولا سياسيين ولا رجال أعمال، كما أنه ليس فى رقبته جميل لأحد، ولن يعطى أحدا ميزة على حساب القانون، فليس هناك مجال لابتزاز الدولة من أى فئة.


ما قاله الرئيس هو عين ما نص عليه الدستور، لا جريمة إلا بنص ولا عقوبة إلا بقانون، وليس فى القانون ما يحرض على تطفيش رجال الأعمال من البلد؛ ليذهب خيرهم لبلاد أخرى وبعضها لا يتمنى الخير لمصر.


المؤكد أن طمأنة الرئيس لرجال الأعمال هى طمأنة لمصر كلها، وتأكيد واضح على دولة القانون وليست دولة المحسوبيات والشلة، لأن عودة الاستثمارات ودخول رجال الأعمال بمشروعاتهم ستعنى فرص عمل ورواج فى السوق وقيمة مضافة تحتاجها مصر بشدة الآن، طمأنة الرئيس هى فتح باب جديد للاستفادة من كل رجل أعمال يمتلك القدرة على المساهمة فى المشروعات المخططة، وبالشكل الذى تريده الدولة، حتى وإن كان بمبدأ الاستفادة المتبادلة،فهذا ليس عيباً ولا محرماً طالما تحقق وفقاً للقانون وليس بالمخالفة، فالمشروعات الضخمة التى تخطط لها الدولة تحتاج للتعاون، بين الدولة ورجال الأعمال من منطقة قناة السويس إلى شرق التفريعة والواحات وبحيرة ناصر، فمشروع مثل تنمية منطقة قناة السويس هدفه الأساسى الاستفادة القصوى من خلال استغلال الأرض المتاحة شرق القناة وإنشاء امتدادات تنموية لمدن القناة الثلاث بما يحقق فى النهاية تنمية سيناء التى نحلم بها، وهذا لن يتم من خلال الدولة وحدها وانما لابد من القطاع الخاص والمستثمرين المصريين بالمقام الأول، فالدولة يمكن أن تقيم البنية الأساسية وتمهد الطريق، لكنها لن تستثمر وحدها، ولن تبنى المشروعات وحدها، ولن تشغل الشباب وحدها، أيضاً المخطط من الحكومة الآن خلال الثلاث سنوات القادمة تخفيض نسبة البطالة إلى ١٠ فى المائة وتوفير ٣ ملايين فرصة عمل جديدة وزيارة الصادرات بنسبة ١٠ فى المائة سنوياً والمفترض أن يتحمل القطاع الخاص الجزء الأكبر من كل هذا فليس أقل من أن يتحمل وحده ٨٠ فى المائة على الأقل من الاستثمار والتوظيف وعلى الدولة تهيئة المناخ لذلك، ولهذا لا يجوز أن تكون الدولة على خصام مع رجال الأعمال، بل على الدولة أن تذلل لهم العقبات وأن تفتح أمامهم أبواب الاستثمار، فعلها الرئيس وأعطى الرقابة الإدارية مهمة تذليل المشاكل أمام رجال الأعمال، ونجحت بالفعل فى تحقيق نتائج طيبة، وبدأت وزارة الصناعة خطة انقاذ ٨٧١ مصنعاً متعثراً واعادتها للعمل، لكن فى المقابل لن تقبل الدولة ولا الرئيس التصالح أو التجاوز عن جريمة من يلعب ضد الدولة، أو من يتربح دون حق، فالمتهمون فى قضايا «تسقيع» الأراضى مصيرهم يحسمه القضاء وليس الرئيس، ومن تهربوا من التزاماتهم مع الدولة لا مجال للتصالح معهم إلا بعد رد حق الدولة، فليس مقبولاً أن نساوى بين من التزم، ومن تلاعب ليكون ثروات بالميارات على حساب الشعب.