المصور تفتح ملف «الزيارة الأزمة» تواضروس فى القدس

02/12/2015 - 12:38:05

  البابا فى القدس لأسباب إنسانية البابا فى القدس لأسباب إنسانية

تقرير- سارة حامد

أثارت زيارة البابا تواضروس، بابا الإسكندرية، بطريرك الكرازة المرقصية، إلى القدس لحضور جنازة مطران القدس، قبل أيام، أزمة كبيرة داخل الأوساط القبطية والسياسية، إذ إنه على مدار نصف قرن كانت قيادات الكنيسة متمسكة بعدم الذهاب إلى المدينة المحتلة إلا بعد تحريرها.


وكانت قيادات الكنيسة القبطية الأرثوذكسية حريصة طوال السنوات الماضية على رفض دعوات زيارة القدس؛ تماشيا مع الإجماع الشعبي الرافض للتطبيع مع الكيان الصهيوني؛ إلا أن زيارة البابا تواضروس للقدس حطمت التابوهات المعهودة عن زيارة القدس، وأثارت جدلا بخصوص جواز مرور سفر الأقباط للتقديس في فلسطين المحتلة، وهو الأمر الذي اعتبره البعض واجبا دينيا أجبر عليه البابا تواضروس.


البابا نفسه قال إن الزيارة جاءت لأسباب إنسانية وتنفيذا لوصية الأنبا إبراهام، مطران القدس المتنيح، والذي أوصى بالصلاة عليه في القدس. وقال البابا تواضروس: أعتبر أن هذه الزيارة واجب إنساني، واجب للعزاء ولمسة وفاء لإنسان قدم حياته كلها سواء على المستوى الوطنى أو المستوى الكنسي وأيضا من باب الإنسانية لتعزيه كل أبناء الأنبا إبراهام الأحباء المتواجدين فى الأماكن المقدسة، مشددا: لا تعتبر هذه زيارة بأى صورة من الصور فهى تأديه واجب، وأعتقد أن التقصير وعدم الحضور بالنسبة لى سواء على المستوى الذى أمثله أو على المستوى الشخصي كان سيعتبر نوعا من التقصير.


٥٦ عامًا من المقاطعة


القمص بولس حليم، المتحدث باسم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، نفى صيغة السياسة عن الزيارة، وقال إن الكنيسة القبطية على مدى تاريخها لم تهتم بالسياسة، وأنها تتخذ المواقف بناء على المصلحة الوطنية فقط، مضيفا أن زيارة تواضروس تأتي كأكبر زيارة لشخصية تعتلي كرسي البابوية المصرية منذ أكثر من ٥٦عاما، هي إجمالي فترة تولي البابا كيرلس السادس، والبابا شنودة الثالث كرسي البابوبة.


وشدد على أن الزيارة ليس لها علاقة بالكيان الصهيوني لأن موقف الكنيسة الأرثوذكسية ثابت من زيارة القدس ومن قرار المجمع المقدس بمنع الأقباط من التقديس، وعدم دخول الأراضي المقدسة إلا مع المسلمين مستمر وسفر البابا ليس كسرا له، وإنما لإجراءات جنائزية فقط على الرجل الثاني في المجمع المقدس الأنبا إبرام.


وتابع القمص حليم، أن الشعب القبطي لديه من الوعي الوطني، ما يجعله غير منتظر لكلمة البابا بالذهب أم لا، ويعلم جيدا أن زيارة البابا ليست لها علاقة بالسياسة ولكن منعا لملامة لشعب القبطي لو كان البطريرك لم يصلِ على المطران، مشيرا إلى أن وصية الأنبا إبراهام أن يتم دفنه بالقدس، ولولا وصية الأنبا إبراهام ما سافر البابا، مؤكداً أن الزيارة ليست دينية ولا سياحية ولا لها أي معنى آخر غير أنها رئاسة جنازية، معتبرًا أن المصريين لديهم وعي كبير باستحالة أن يكون هناك تغيير فى الموقف إطلاقا، وجموع الأقباط متفقين على موقف الكنيسة الثابت والمعلن.


أما مينا أسعد، مدرس اللاهوت الدفاعي بمعهد دراسات الكتاب المقدس، فكشف أن الكنيسة كانت تنوي إرسال وفد كنسي دون حضور البابا شخصيا وذلك لمرافقة جثمان الأنبا إبراهام إلى مصر كما حدث منذ أكثر من ٤٠ عاما عندما توفى الأنبا باسيليوس، مطران القدس السابق، الذي صلى عليه البابا شنودة إلتزاما بالقرار المجمعي بمنع السفر للقدس، لكن عندما علمت الكنيسة أن الأنبا إبراهام، المصري الجنسية، أوصى أن يدفن في القدس وليس في مصر، رأت أن البابا تواضروس لن يستطيع الصلاة على الجثمان في مصر، ما دفعه للسفر بنفسه إلى القدس لأن من تعاليم الكنيسة الأرثوذكسية أن يصلي على الرتبة الكنسية الرتبة الأعلى، منها أي توجب على البابا تواضروس ترأس صلاة جنازة الأنبا إبرهام في القدس بحسب وصيته. واعتبر أسعد أن الزيارة قانونية وشرعية وكنسية.


الزيارات مستمرة رغم المنع


بيشوي إسحاق، صاحب شركة سياحة تقوم برحلات إلى القدس، قال إن الزيارات يقوم بها مصريون في إبريل كل عام دون الرجوع لقرارات وقف الكنيسة القبطية الأرثوذكسية سفر الأقباط بغرض الحج إلى فلسطين، مؤكدا أن شركته تستهدف الربح التجاري وليس المكاسب الدينية.


وقال إسحاق إن الزيارات المحظورة يقوم بها مسيحيون مصريون ويقيمون في فنادق بيت لحم، وجيريوسالم القريبة من القدس، لافتًا إلى أن أسعار الزيارة لا تتجاوز ٩ آلاف جنيه بالنسبة للإقامة، ونحو ٤ آلاف جنيه تذاكر طيران، موضحا أن نحو ٤ شركات سياحية مصرية تشترك في تجميع جوازات سفر الراغبين في زيارة القدس وتسليمها إلى السلطات المصرية لفحصها وللحصول على الموافقات الأمنية، ويعقب ذلك تأجير طائرة خاصة تهبط في مطار تل أبيب لبدء الطقوس في القدس بالضفة الغربية.


وعن ربط زيارة القدس بالتطبيع مع اسرائيل، يرى إسحاق أن الحصول على تسهيلات لمرور الحجاج لزيارة مقدساتنا المسيحية لايعد تطبيعا بل يعتبر حفاظا وتمسكا واعترافا بأماكن عبادة المسيحيين، خاصة أن جميع الفنادقوالبازارات التي يتم التعامل معها خلال فترة الحج فلسطينية وتخدم الاقتصاد الفلسطيني. ولفت إلى أن هناك شروطا من السلطات المصرية للموافقة على جواز سفر الراغبين في الحج لفلسطين منها أن يتجاوز عمر الحاج ٤٥ عاما.


ويعد الأقباط من محافظة المنيا الأكثر إقبالا على زيارة فلسطين، بحسب بيشوي، الذي قال إن عددهم وصل خلال العام الماضي إلى ١٥٠ شخصا من إجمالي ٤٠٠ شخص سافروا، وتراوحت النسب بين ٤٠٪ من الطائفة الكاثوليكية، و٤٠٪ الطائفة الإنجيليةو٢٠٪ من الطائفة الأرثوذكسية، وهي الطائفة الأكثر التزاما بموقف عدم زيارة فلسطين إلا بعد تحريرها.


خلط بين الدين والسياسة


وبشكل عام، يرى المفكر القبطي كمال زاخر، أن استمرار منع الأقباط الأرثوذكس من زيارة القدس يعد قرارا سياسيا متداخلا فيما هو ديني، إذ إن المنع يعقبه قرارات أخرى منها منع التناول للزائر الذي يخالف القرار، وهو سر من أسرار الكنيسة السبعة وهو بذلك يتساوى بمرتكب الكبائر، مضيفا أن إلغاء القرار والسماح لمسيحي المشرق بزيارة كنيسة القيامة يعني استمرار رفض تهويد القدس ويدعم الاقتصاد الفلسطيني؛ لأن الفنادق والمحال في القدس القديمة جميعها فلسطينية.


ويعتبر زاخر أن موقف الكنيسة الأرثوذكسية باستمرار رفض السفر للقدس يرجع لخوفها من أن يتهم الأقباط الأرثوذكس بأنهم خرجوا عن الإجماع الشعبي والموقف السياسي المصري الموحد الرافض لزيارة فلسطين إلا بعد تحريرها، مواصلا: «ليس من المعقول أن نكون ملكيين أكثر من الملك.. الرئيس الفلسطيني والقيادات الفلسطينية دعت العالم العربي لتكثف الزيارات لحماية المقدسات لعدم تنفيذ المخططات الصهيونية، بالإضافة إلى أن قرار المنع لم يجن ثماره سياسياودينيا، لأن الأقباط الأرثوذكس الذين حرموا من الزيارة لا يتجاوز نسبتهم ٢ إلى ٥٪ من الكتلة المسيحية في العالم، لذا لم تشعر إسرائيل بقرار المنع ولم يؤثر عليها».


وعن السبب الحقيقي للقرار، أشار زاخر إلى أن أبعاده دينية وليست سياسية لأن البابا شنودة الثالث اتخذه آنذاك بعدما تعقدت مشكلة دير السلطان تحت الاحتلال الإسرائيلي للقدس‏,‏ إذ استولى الرهبان الأحباش على الدير من الأقباط‏,‏‏ وتدخل الاحتلال الإسرائيلي إلى جانب الأحباش، مما أدى بالمطران القبطي باسيليوس إلى رفع قضية أمام المحكمة العليا بإسرائيل التى حكمت بأحقية الأقباط للدير فى ٩ يناير ١٩٧٩‏,‏ لكن سلطات الاحتلال رفضت تنفيذ الأمر متعللة ببعض الأسباب السياسية حول أهمية العلاقات الأثيوبيةـ الإسرائيلية‏.‏


مخاوف من الاتهام بالتطبيع


ويقول القمص مينا جاد جرجس، بكنسية السيدة العذراء مريم بمركز إسنا بمحافظة الأقصر، إن قرار البابا شنودة بمنع الأقباط من زيارة القدس كان سياسيا ووطنيا لأن الأقباط والمسلمين لابد وأن يزوروها سويا، متابعا: قبل عام ١٩٦٧ كان المسلمون يؤدون مناسك الحج في السعودية ويعقبونها بزيارة المسجد الأقصى للتأكيد على قبول حجتهم.


واسترسل: البابا تواضروس يخشى إلغاء قرار البابا شنودة حتى لا تتهم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية بأن بطاركتها يصدرون قرارات متعارضة لذا الكنيسة لم تشدد على المنع في عهد البابا تواضروس وتقر عقوبة بسيطة تصل لشهر منع من التناول.


ولا يرى جرجس أن سبب منع زيارة القدس هو استيلاء الرهبان الأحباش على دير السلطان بكنيسة القيامة، موضحا أن الكنيستين الأثيوبية والمصرية أحاديتا الإيمان والعقيدة، لذا لم يعدها البابا شنودة حينذاك استيلاء ولكن خلافا بين الرهبان داخل مقصد ديني، مشيرا أن أعداد الأقباط في القدس قليلة، لذا وجب استمرار الزيارة بهدف تحقيق مكاسب السياحة الدينية التي تنفق على بناء كنائس وأديرة وإطعام الرهبان والخدام داخل كنيسة القيامة، لافتا إلى أن زيارة الشعب القبطي للقدس ليست لمخالفة الطاعة الكنسية التي اعتادوا عليها ولكن رغبة في زيارة قبر المسيح والتبرك بأثره.